في محاكاةٍ لعملية التركيب الضوئيّ المذهلة، قدّم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فكرةً واعدةً هي أوراق الشجر الاصطناعية التي تولّد الكهرباء كما تفعل ألواح الطاقة الشمسية، لكن عبر تحويل الضوء إلى وقودٍ هيدروجينيٍّ قابلٍ للتخزين، الأمر الذي يفتح مساراً محتملاً نحو حلول الطاقة اللامركزية.
أتقنت الطبيعة فنّ تحويل الطاقة، فكلّ ورقةٍ على كلّ غصن شجرةٍ في العالم تواظب على عملية التركيب الضوئيّ بصمت، وتحوّل ضوء الشمس إلى الوقود الذي تتنفّسه كلّ الكائنات لتحيا. ومن هذا النمط المستمر منذ عصور، حاول العلماء استنساخ عملياتٍ شبيهةٍ لإنتاج مصادر موثوقةٍ ومستدامةٍ للطاقة.
لطالما فرض هذا المسعى تحدياتٍ علمية، منذ طُرح السؤالُ لأول مرةٍ حول كيفية تسخير ضوء الشمس لإنتاج وقودٍ قابلٍ للتخزين، وحتى حين ظهرت الألواح الشمسية التقليدية، التي تبيّن أنّها تستطيع توليد الكهرباء، لكنّها تتطلّب بنية تحتية واسعة النطاق لتخزين الطاقة وتوزيعها. آنذاك، برزت فكرة الوقود الهيدروجينيّ بوصفه بديلاً واعداً، إذ يمكن إنتاجه وتخزينه واستخدامه عند الحاجة دون الاعتماد على شبكة مركزيةٍ للطاقة الكهربائية.
غير أنّ المحاولات السابقة لفصل الماء باستخدام أشعة الشمس غالباً ما كانت تتطلّب محاليل مسبّبةً للتآكل أو مواد مكلفةً وشحيحةً مثل البلاتين، الأمر الذي حدّ من جدواها وأعاق نجاحها. علاوةً على ذلك، فتخزين الهيدروجين المولَّد ونقلُه يشكلان عقبة كبيرة، بالتالي، كانت هناك حاجة إلى تطوير نظامٍ فعالٍ ومنخفض التكلفة وقادرٍ على العمل في ظروف الحياة اليومية لتوفير مصدر طاقةٍ مستدامٍ ولا مركزيّ، لا سيما للمجتمعات التي تفتقر إلى البنى التحتية الموثوقة للطاقة.
لتلبية هذه الحاجة، ابتكر علماء رائدون في أبحاث الطاقة المتجددة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نهجاً ثورياً لمحاكاة عملية التركيب الضوئيّ الطبيعية باستخدام مكوّناتٍ يمكن الحصول عليها بسهولة، فبنوا نظاماً اصطناعياً قادراً على تقسيم الماء إلى هيدروجين وأوكسجين، تماماً كما تفعل أوراق الشجر.
جمع العلماء بين تكنولوجيا أشباه الموصلات والمواد التحفيزية الجديدة، فطوّروا جهاز الورقة الاصطناعية التي تعمل بشكلٍ مستقلٍ ولا تحتاج سوى إلى ضوء الشمس والماء لتوليد الوقود.
في قلب الورقة المصنّعة، توجد طبقةٌ رقيقةٌ من السيليكون، وهذه المادة هي بالطبع واحدةٌ من أشباه الموصلات المعروفة التي تُستخدم في الخلايا الشمسية، والتي تمتص أشعة الشمس وتحول طاقتها إلى تيار كهربائي. لكنّ ما يميّز هذا الابتكار عن تقنيات الطاقة الشمسية التقليدية هو أنّه يدمج المواد المحفّزة على سطح الورقة، فيتيح تفاعلاً مباشراً لفصل الماء، حيث يحمل أحد الوجهين محفّزاً أساسُه مادة الكوبالت، مما يسهّل استخراج جزيء الأوكسجين، في حين يكون الوجه الآخر مغطى بطبقة من النيكل والموليبدينوم والزنك، وكلّها عناصر تحفز استخراج غاز الهيدروجين.
بمجرد أن توضع الورقة الاصطناعية في الماء وتتعرض لأشعة الشمس، ستبدأ تلقائياً في فصل الماء، ما يولّد تياراتٍ من فقاعات الأوكسجين والهيدروجين. وخلافاً للتصاميم السابقة، لا يحتاج هذا النظام إلى أسلاكٍ خارجيةٍ أو دارات تحكّم، ما يجعله قادراً على العمل بشكلٍ مستقلٍّ ومستدام.
ولعلّ إحدى أبرز ميزات هذا النظام هو أنّه يعتمد على مواد متاحةٍ بوفرة مثل الكوبالت والنيكل، لا على عناصر مكلفة كسابقاته، بالإضافة إلى قدرته على العمل في المياه العادية، ما يجعله أقلّ تعقيداً مقارنةً بالأنظمة الأخرى.
لكن للوصول إلى هذا المنتج الواعد، كان على الفريق اجتياز عدة تحديات. أولاً، هناك اختيار المواد، إذ
إنّ العديد من المواد المحفّزة إما مرتفعة التكلفة أو يصعب عليها الاستقرار في الماء، وقد استغرق العثور على بدائل موثوقة وفعالة وميسورة التكلفة سنواتٍ من البحث.
ثانياً، بعد الوصول إلى التطبيق الأمثل للفكرة الأولية، لا يزال على العلماء اجتياز تحدي معدلات تحويل الطاقة، وإلّا فلن يكون ابتكارُهم مفيداً في التطبيقات العملية، ولن يكون بالإمكان استخدامه على نطاقٍ واسعٍ أو تسويقُه تجارياً، وهذا تحدٍّ ينبغي مقاربته عبر تحسين عمليات التصنيع لجعلها متاحة وميسورة التكلفة، بالإضافة إلى تعزيز طرق التخزين والاستخدام.
إذا تحقّقت كلّ النقاط السابقة، ستقدّم الورقة الاصطناعية إمكانيات تحويليةً في الوصول إلى الطاقة، لا سيما في المناطق النائية وغير المتصلة بشبكة الكهرباء المركزية. ومن خلال تمكين إنتاج الهيدروجين في موقع الاستهلاك، ستتضاءل الحاجة إلى الشبكات المركزية، حيث سيكون في وسع المنازل والمجتمعات الصغيرة توليد الوقود اللازم لها باستخدام أشعة الشمس والماء فقط.
كما يتيح هذا الابتكار إمكانية إنتاجٍ مستدامٍ للوقود، فهو لا يُنتج أي انبعاثاتٍ ضارة، بخلاف الوقود الأحفوريّ، ما يجعله بديلاً صديقاً للبيئة، وهو أيضاً قابلٌ للإدماج مع منظومات الطاقة الشمسية المستخدمة في المنازل مثلاً، فيسمح لملّاكها بتخزين الطاقة الشمسية على شكل هيدروجين واستخدامها عند الحاجة.
ومع استمرار التطوير، تقدم الورقة الاصطناعية أملاً في مستقبل لا تكون فيه الطاقة النظيفة ترفاً، بل مورداً متاحاً عالمياً، مورداً يزدهر بقوة ضوء الشمس.
المراجع:









