في إعادةٍ لتعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة، وبغيةَ مواجهة التحدياتِ المناخية والطلبِ المتزايد على الطاقة في المدن الذكية، برزت الأرصفة الذكية المزوّدة بتقنيات تحويل الطاقة الحركية إلى كهرباء كحلّ مبتكر ومستدام، يعتمد على مواد بيزوكهربائية أو نانوية تلتقط الطاقة الحركيّة الناتجة عن خطوات المشاة، وتحوّلها إلى طاقة كهربائية تستخدم لتغذية الإنارة وأجهزة الاستشعار.
في شوارع مزدحمة مثل أكسفورد ستريت في لندن أو ميدان شيبويا في طوكيو، تمرّ مئات الآلاف من الأقدام يومياً فوق الأرصفة من دون أن يدرك أصحابها أن خطواتهم أصبحت اليوم جزءاً من شبكة طاقة متجددة لا تصدر صوتاً ولا تحتاج إلى محطات، لكنها توقد أعمدة الإنارة وتغذي أجهزة الاستشعار، ما يحوّل المشي اليومي إلى فعل بيئي ذكي، يمكّن المدن من إنتاج طاقة محلية نظيفة.
برزت الأرصفة الذكية مع اشتداد الحاجة إلى حلول مستدامة للطاقة، كإحدى أكثر الابتكارات طموحاً، كونها توظف الحركة البشرية اليومية كمصدر للكهرباء. لا شيء يتغير في شكل الرصيف، لكن داخله يضم طبقات من مواد حساسة للضغط، قادرة على تحويل الخطى العادية إلى تيار كهربائي. الفكرة بسيطة بقدر ما هي ثورية: لماذا لا تتحوّل الأرصفة، وهي من أكثر المساحات استخداماً في المدن، إلى مولّدات خضراء؟
تقود هذه الرؤية شركات تقنية ومؤسسات بحثية مثل شركة Pavegen البريطانية، وجامعة بوردو الأمريكية التي تعمل على تحسين كفاءة المولّدات عبر تكنولوجيا النانو. في لندن مثلاً، تم تركيب بلاطات ذكية في شارع بيرد ستريت، تنتج ما يكفي من الكهرباء لتشغيل إنارة الشارع بالكامل، وتقلّل الاعتماد على الشبكة العامة بنسبة 40%. أما في طوكيو، فإن الطاقة التي يجري توليدها من عبور نصف مليون شخص يومياً عبر تقاطع شيبويا تكفي لتغذية مئات المصابيح وأجهزة العرض.
وراء هذا التقدّم تقنيات معقّدة لكنها تعمل على مبدأ فيزيائي بسيط: تحويل الطاقة الميكانيكية إلى كهرباء. بعض الأرصفة تعتمد على خاصية البيزوكهرباء التي تولّد تياراً عند ضغط المادة، وأخرى على ظاهرة الكهرباء الساكنة باستخدام مواد تولّد شحنات من احتكاك سطحي بسيط. وفي مختبرات جامعة بوردو، يعمل الباحثون على استخدام أزواج من المواد مثل السيليكون مع الأكريليك والنحاس مع النايلون، وتثبيتها ضمن حجرات مفرّغة من الهواء لضمان الدقة والتحكم في توليد الشحنة. تساعد هذه الدراسات في فهم أعمق لطبيعة تفريغ الشحنات عبر الهواء، وترسم حدوداً جديدة لاستخدام هذه التقنية على نطاق واسع.
لكن القصة لا تتوقف عند المختبر أو الرصيف. فالمشروع يحمل بعداً اجتماعياً وثقافياً، إذ يعيد تعريف علاقة الإنسان بالمدينة، ويحوّل السكان من مجرد مستهلكين للطاقة إلى مشاركين في إنتاجها. على سبيل المثال، أقيم ملعب كرة قدم في لشبونة تولّد أرضيته الكهرباء كلما ركل اللاعبون الكرة، وتُستخدم تلك الطاقة لإضاءة الملعب ليلاً.
التحديات لا تزال قائمة، طبعاً. فالأرصفة الذكية باهظة الثمن، إذ تصل تكلفة المتر المربّع منها إلى نحو 100 دولار، ما يجعلها خياراً انتقائياً حتى الآن. بعض المدن مثل تورنتو شهدت أعطالاً في التركيبات الأولى بسبب الإجهاد المناخي، الأمر الذي دفع الشركات إلى تطوير مواد أكثر تحملاً مثل البوليمرات ذاتية الالتئام، وحتى دمج الغرافين لتحسين المتانة. لكنّ الوعي العام والضغط البيئي المتزايد يُسرّعان الاستثمار في هذه التكنولوجيا، خاصة في ظل الطموحات العالمية لخفض البصمة الكربونية.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد فتحت أبحاث جامعة بوردو آفاقاً لتطبيقات أبعد من الأرصفة. فالمبدأ ذاته قد يُستخدم لتصميم ملابس ذكية تولّد الكهرباء من حركة الجسم، أو تغليفات تغذّي أجهزة استشعار من ذاتها، أو حزم أدوات طبية تعمل من دون بطاريات. وهذا التحول من “البنية التحتية المتلقية” إلى “البنية التحتية المُنتجة” يضع أسساً جديدة لفهمنا للطاقة في البيئة الحضرية.
النجاح هنا لا يُقاس فقط بالكيلواط، بل بعدد المرات التي يتوقف فيها المارّة ليتأملوا أن خطواتهم لم تعد عبوراً صامتاً، بل مشاركة فعلية في تشغيل مدينتهم. فمع كل ضوء يتوهّج بفضل مشاة لا يشعرون، ومع كل مستشعرات بيئية تعمل من دون مصدر طاقة تقليدي، تثبت الأرصفة الذكية أن الحلول البيئية لا تحتاج إلى أن تكون ضخمة لتكون عظيمة، بل يكفي أن تكون ذكية، وأن تبدأ من حيث لا ينتبه أحد: تحت أقدامنا.
المراجع:








