في محاولة مبتكرة لتوسيع الوصول إلى الطاقة في مناطق الهند الريفية، طوّر مشروع مبتكر نموذجاً مرناً لتوزيع الكهرباء يعتمد على بطاريات محمولة قابلة للشحن تُستخدم بنظام “ادفع حسب الاستهلاك”، حيث يشحن الأهالي البطاريات بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح في محطات محلية، ثم يحملونها لمنازلهم لتشغيل الأجهزة الأساسية. هذا الحل يُزيل الحاجة إلى استثمارات أولية باهظة، ويوفر بديلاً عملياً للمولدات الملوِّثة. ابتكار يدمج بين التكنولوجيا الحديثة وواقع المجتمعات الريفية، مقدماً نموذجاً قابلاً للتوسّع يعيد تعريف الحق في الوصول إلى الطاقة النظيفة.
لا تزال الكهرباء في قرى نائية من ولايات جهارخاند وأوديشا في الهند، رفاهية بعيدة المنال. وليس أمام المزارعين سوى الاعتماد على مولدات الديزل المكلفة والملوِّثة لتلبية احتياجاتهم اليومية، من الإنارة إلى ضخّ المياه. أكثر من 300 مليون شخص في ريف الهند يعيشون خارج نطاق الشبكة الكهربائية، وغالبيتهم الساحقة من صغار المزارعين وأصحاب الدخل المحدود. هذا الواقع لا ينعكس فقط على حياتهم المنزلية، بل يمتدّ ليكبّل إنتاجهم الزراعي ويمنعهم من الاستفادة من أدوات العصر الأساسية: آلات الطحن، التخزين البارد، أو حتى مضخات المياه.
وسط هذه التحديات، ظهرت مبادرة لافتة من قلب جامعة هارفارد، حملت توقيع اثنين من طلبة كلية إدارة الأعمال: ريا سافلا وفيشيش ميهتا. قاد الثنائي مشروعاً طموحاً يستجيب للواقع الريفي، ويبتعد عن الحلول النظرية الجاهزة التي عادةً ما تفشل عند أول احتكاك بالأرض. ابتكرا منصة تُدعى “زور إنرجي”، تقوم على مبدأ بسيط لكنه فعّال: توفير بطاريات قابلة للشحن تعمل بالطاقة المتجددة، يمكن للمستخدمين استعارتها والدفع بحسب الاستهلاك الفعلي، تماماً كأنهم يشحنون هواتفهم أو يستخدمون رصيداً مرناً للكهرباء.
الفكرة في جوهرها تعتمد على مبدأ “ادفع حسب الاستخدام”، المستلهم من نماذج خدمات الهاتف المحمول، لكنها مطبّقة هنا على الكهرباء نفسها. فالبطاريات التي تعتمد على خلايا ليثيوم أيون متطوّرة تُشحَن عبر محطات تعتمد على الطاقة الشمسية أو الرياح. لا يحتاج المزارع لشراء البطارية أو تركيب ألواح شمسية باهظة على سطح منزله، بل ببساطة يتوجه إلى محطة “زور”، ويسلّم البطارية المستهلكة ويأخذ بطارةً أخرى مشحونة، ويدفع مقابل المدة أو كمية الطاقة المستخدمة فقط.
هذا التحوّل في النموذج لم يكن وليد الصدفة. التجربة بدأت بمشروع صغير: مضخة مياه للري تستمد طاقتها من الشمس أُطلق عليها اسم “سولارا”. ورغم أهميّتها، فإنها اصطدمت بجدار الواقع: تكلفة التركيب كانت مرتفعة جداً، ورهانها الكامل على إشعاع شمسي منتظم جعلها غير موثوقة في أيام الغيوم أو خلال فصول المطر. تلك التجربة الفاشلة شكّلت لحظة مراجعة محورية، دفعت الفريق إلى إعادة التفكير ليس فقط في المنتج، بل في احتياجات الناس الحقيقية.
فهم الميدان كان الأساس. أمضى الفريق شهوراً في مقابلة سكان القرى، واستكشاف حاجاتهم المتغيّرة، من الإنارة إلى التبريد، ومن تشغيل ماكينات طحن الحبوب إلى شحن الهواتف. واتّضح أن ما يحتاجونه ليس جهازاً واحداً، بل نظاماً مرناً وقابلاً للتكيف مع ظروفهم المتبدلة. هكذا وُلدت فكرة البطارية المحمولة.
نموذج “زور” ليس مجرد ابتكار تقني، بل هو أيضاً نموذج اجتماعي واقتصادي متكامل. فبدلاً من تحميل الفلاح عبء التكاليف الاستثمارية في شراء نظام طاقة متكامل، يُتيح له الوصول إلى البنية التحتية عبر دفعات صغيرة منتظمة، يمكن تسديدها عبر تطبيقات الهاتف المحمول. ومع تزويد البطاريات ببرمجيات ذكية تراقب الاستهلاك، يُصبح من الممكن مراقبة الأداء، إدارة الصيانة، وتفادي التخلّف عن الدفع، من دون الحاجة لوجود موظفين دائمين في كل قرية.
في نوفمبر 2024، أُطلقت أول محطة تجريبية لمنصة البطاريات القابلة للمشاركة. لم يكن الهدف تزويد الكهرباء فحسب، بل اختبار النظام ككل: من الأداء التقني للبطاريات إلى تفاعل المستخدمين مع نموذج الدفع، ومن تحديات الصيانة إلى سلاسة تشغيل المحطة في ظروف ريفية. وفي موازاة ذلك، شارك المشروع في مسابقات الابتكار الجامعي بهارفارد، مثل “تحدي الابتكار الرئاسي” و”مسابقة المشاريع الجديدة”، حيث حصد إعجاب الحكّام ونال تمويلاً وتوجيهاً مكنه من الانتقال من الورق إلى أرض الواقع.
اليوم، تقوم فكرة “زور” على شراكة متكاملة تضم المستخدمين والفرق الهندسية والمنظمات غير الربحية والحكومة. المجتمعات المحلية نفسها تشكّل العمود الفقري للمشروع، ليس كمستهلكين فقط، بل كشركاء في التوزيع والتشغيل والإشراف. أما منظمات المزارعين والمنظمات غير الحكومية، فتسهم في بناء الثقة وتسهيل الوصول، خصوصاً في المجتمعات التي سبق أن تعرّضت للاحتيال أو الوعود الكاذبة. وحتى الحكومة الهندية، وإن لم تكن شريكاً مباشراً، فإن سياساتها الداعمة لتقنيات تبادل البطاريات، واللامركزية في الطاقة المتجددة، تشكل بيئة مواتية لازدهار هذا النموذج.
الدروس المستخلصة من التجربة كثيرة. أولها أن التوغّل في الميدان، والاستماع المباشر إلى الناس، أهم من أي دراسة جدوى نظرية. وثانيها أن المرونة هي مفتاح قبول الجمهور: البطاريات متعددة الاستخدام تتفوق على الحلول المتخصصة أحادية الهدف. وثالثها أن بناء نموذج مستدام لا يعني بالضرورة الحاجة إلى دعم حكومي دائم، بل يمكن الوصول إلى نقطة توازن اقتصادي من خلال إعادة تعريف مفهوم “الملكية” و”الاستخدام”. رابعها، وربما الأهم، أن الثقة لا تُبنى بإعلانات أو شعارات، بل بالوجود الحقيقي، والاستجابة الفعلية، والالتزام الطويل.
ومع استمرار التوسع، تراهن “زور” على تطوير نماذج جديدة قائمة على المعايير المفتوحة، تتيح التوسّع السريع وخفض التكلفة، وربما تصدير النموذج إلى دول أخرى تواجه مشكلات مماثلة. فالمشكلة التي بدأت في ريف الهند، ليست فريدة، بل تتكرّر في عشرات البلدان حول العالم.
ما قد يبدو للوهلة الأولى كمجرد “بطارية ذكية”، هو في الحقيقة بذرة تغيير أعمق: تغيير في طريقة فهم الطاقة، توزيعها، والحق في الوصول إليها. مشروع صغير، بمقاربة إنسانية وتقنية، يعيد تعريف الكهرباء ليس كسلعة، بل كحق مشترك، يمكن تحقيقه… بطارية بعد بطارية.
مراجع
- https://harvardtechnologyreview.com/2024/12/02/building-battery-storage-for-off-grid-indian-farms-spotlight-on-zor-energy/
- https://www.irena.org/-/media/Files/IRENA/Agency/Publication/2020/Jul/IRENA_Pay-as-you-go_models_2020.pdf#:~:text=PAYG%20can%20provide%20affordable%20energy%20access%20from,available%20technologies%20to%20facilitate%20payment%20by%20installments.&text=The%20PAYG%20model%20provides%20access%20to%20electricity,in%20grid%20networks%20and%20renewable%20generation%20sources











