في نموذج واعد يعيد تعريف مستقبل الغذاء العالمي، نجحت شركة سولار فودز الفنلندية في تطوير بروتين غذائي يُنتَج من مكونات غير تقليدية: الهواء والماء والكهرباء المتجددة. باستخدام تقنية تخمير ميكروبي متقدمة، تستهلك البكتيريا ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين لإنتاج مادة غنية بالبروتين والعناصر الغذائية الأساسية، ولا تعتمد على التربة أو المناخ.
ثمّة مصنع هادئ افتُتح في العام 2024 في فنلندا، لا تُزرع فيه بذور، ولا تُربّى فيه ماشية، ولا تُستخدم فيه تربة ولا قطرة من مبيدات. وهو برغم ذلك يُنتج مادة صفراء ناعمة تشبه الدقيق، لكنها ليست دقيقاً، بل هي بروتين غذائيٌّ كامل، وُلد حرفياً من الهواء. وما كان ذات يوم خيالاً علمياً يُستعرض في مختبرات وكالة ناسا في ستينات القرن الماضي، بات اليوم واقعاً صناعياً يستعدّ لاجتياح أسواق الغذاء، من المخابز إلى مراكز الأبحاث الفضائية.
اسم المادة هو “سولين” (Solein®)، وهي نتاج مشروع تكنولوجي حيوي تبنّته شركة فنلندية تُدعى سولار فودز، أي الأطعمة الشمسية. لا يتطلّب إنتاج هذا البروتين أراضي زراعية ولا مواسم ولا أمطار، بل مزيجاً من الهواء والماء والكهرباء النظيفة. ففي معادلة بسيطة تبدو مستحيلة، يتحوّل ثاني أكسيد الكربون والماء والطاقة إلى كتلة ميكروبية بروتينية عالية القيمة، يمكن استخدامها في الأغذية البشرية، وفي أعلاف الحيوانات، وفي تلبية حاجات التغذية خلال البعثات الفضائية الطويلة، أو في البيئات القاسية حيث لا وجود للزراعة التقليدية.
ليست الزراعة الحديثة بحاجة إلى تحولات بسيطة، بل إلى قفزات مفاهيمية. فعالم الغذاء اليوم يواجه أزمة مركّبة: ازدياد سكاني متسارع، وتراجع في الموارد الطبيعية، وأضرار بيئية هائلة ناجمة عن أنظمة الإنتاج الحالية. من بين جميع العناصر الغذائية، تبرز البروتينات كأكثرها إشكالية؛ إنتاج اللحوم وفول الصويا على سبيل المثال يتطلب مساحات شاسعة من الأراضي، ويستهلك كميات هائلة من المياه، ويساهم بنحو ربع انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن الغذاء عالمياً. وحتى البدائل النباتية، رغم تناميها، لا تزال تعتمد على الطقس والمناخ والتربة.
وهذا ما يجعل تقنية “الطعام من الهواء” ثورية بكل المقاييس. يقوم نظام “سولين” على زراعة بكتيريا مُعدّة خصيصاً تتغذّى على ثاني أكسيد الكربون، وتستمدّ طاقتها من الهيدروجين الناتج عن تحليل الماء بالكهرباء المتجددة. في مفاعلات حيوية مغلقة، يُضَخّ المزيج الغازي المكوّن من ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين والأوكسجين، إلى جانب عناصر مغذية مثل النيتروجين والفوسفور والكالسيوم، فتتكاثر البكتيريا في عملية تخمير صناعية متقدمة، إلى أن تتحوّل إلى عجينة كثيفة تُجفّف لاحقاً إلى مسحوق ذهبي غني بالبروتين.
كفاءة هذه العملية غير مسبوقة: فهي أعلى بـ100 مرة من تربية الحيوانات، وأكثر كفاءة من التمثيل الضوئي للنباتات بـ20 مرة تقريباً. ويكفي أن نقول إن إنتاج كيلوغرام واحد من سولين يستهلك أقل من عُشر كمية المياه المطلوبة لإنتاج نفس الكمية من بروتين الصويا، ويستخدم مساحة أرض أقل بـ60 مرة، حتى بعد احتساب المساحات المخصصة للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.
لا يقتصر هذا الابتكار على الاستدامة البيئية، بل يمتد إلى الإمكانات التغذوية الواسعة. فـ”سولين” يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، وهو سهل الهضم، وغني بفيتامينات B والحديد والمعادن الضرورية، الأمر الذي يجعله مكوّناً مثالياً للأنظمة الغذائية النباتية، أو في البيئات التي يصعب فيها الحصول على البروتين الحيواني.
لم تكتفِ شركة سولار فودز بالتجريب، بل أطلقت بالفعل أول منشأة إنتاج صناعي تحت اسم “Factory 01″، بهدف تزويد الأسواق بمنتجات غذائية تضمّ هذا البروتين الجديد، سواء على شكل مشروبات غنية بالبروتين، أو مخبوزات، أو بدائل نباتية للحوم. ويجري العمل حالياً على استكمال الموافقات التنظيمية ضمن إطار “المنتجات الغذائية الجديدة” في الاتحاد الأوروبي، مع استعداد لدمجه في سلاسل الإنتاج الكبرى خلال السنوات المقبلة.
ما يمنح المشروع زخماً إضافياً هو إمكانياته في دعم الأمن الغذائي العالمي. فالمفاعلات الحيوية لا تحتاج إلى أراضٍ زراعية. وهذا يعني أن من الممكن بناؤها في الصحارى، أو في القطب الشمالي، أو حتى في محطات الفضاء. السيناريوهات التي كانت تتطلب إمدادات غذائية معقدة في البيئات المعزولة، باتت اليوم قابلة للحل عبر هذه المنظومة المستقلة، التي لا تتأثر بالطقس، ولا بالأمراض النباتية، ولا بندرة المياه.
يحظى المشروع بدعم واهتمام من وكالات الفضاء، ومؤسسات الإغاثة الإنسانية، وجامعات مثل جامعة هلسنكي، التي تساهم في تحاليل دورة الحياة والتحقق من الأثر البيئي والتغذوي. أما على المستوى السياسي، فإن السياسات الأوروبية الداعمة للتنقل نحو أنظمة غذائية منخفضة الانبعاثات وفاقدة للأثر الزراعي السلبي، تتيح لهذه التكنولوجيا النمو في مناخ تنظيمي مناسب.
من أبرز ما تعلّمته سولار فودز في رحلتها، أن الغذاء لا يبدأ بالضرورة من التربة أو من الحيوان. لأن عناصره الأولية، من كربون وهيدروجين ونيتروجين، متوفرة في الطبيعة. وما يحتاجه الإنسان هو طريقة مبتكرة لتحويلها إلى ما يمكن تناوله بأمان. ومع استخدام مكوّنات بسيطة، وعمليات تكرارية يمكن تطبيقها في أماكن متعددة، فإن إنتاج “سولين” قابل للانتشار عالمياً.
اليوم، تتحول هذه التجربة من مشروع متخصص إلى نموذج جاهز للأسواق العالمية. وما كان يوماً مجرّد رؤية مستوحاة من الفضاء، قد يصبح قريباً جزءاً من وجبتك التالية. وفي هذا التحوّل، لا تكمن أهمية “سولين” في كونه بديلاً عن اللحم أو البيض، بل في كونه بداية لنمط جديد من الغذاء، خفيف على الكوكب، غني بالمعنى، ومليء بالإمكانيات.
References:
https://ifst.onlinelibrary.wiley.com/doi/epdf/10.1002/fsat.3402_12.x










