في مشروع يعيد إحياء ثقافة المشاركة، ويحوّل المكتبات والمراكز المجتمعية إلى مراكز للخدمة والتمكين، تأتي “مكتبة الأشياء” في لندن لتقدّم نموذجاً مبتكراً لاستهلاك أكثر عدالة واستدامة، يتيح للأفراد استعارة الأدوات والمعدات التي يحتاجونها لفترات قصيرة عوضاً عن شرائها. من خلال منصات رقمية سهلة الاستخدام يتمكن المستخدمون من الوصول إلى مجموعة متنوعة من الأدوات مقابل رسوم رمزية، ما يخفف الأعباء المالية، ويقلل من النفايات، ويعزّز الترابط الاجتماعي. ابتكار يجعل الوصول إلى الموارد متاحاً للجميع، ويدعم التحوّل نحو اقتصاد دائري أكثر شمولاً ومرونة.
في أحياء لندن، لم يعد من الغريب أن تجد مكاناً يمكنك فيه استعارة آلة خياطة، أو منظف سجاد، أو حتى جهاز عرض سينمائي، تماماً كما كنت تستعير كتاباً من المكتبة العامة. هذه ليست مزحة ولا مشروعاً عابراً، بل نموذج متكامل يعيد تعريف علاقتنا بالاستهلاك، ويرسم ملامح اقتصاد جديد أكثر عدلاً واستدامة.
تُعرف هذه المبادرة باسم “مكتبة الأشياء”، وهي فكرة اجتماعية انطلقت من جنوب لندن، وراحت تنتشر في مدن المملكة المتحدة وأستراليا وغيرها، حاملة معها تصوراً مختلفاً: ليس عليك أن تملك كل ما تحتاجه، بل يكفي أن تتمكن من الوصول إليه وقت الحاجة. هذا التحول من التملك إلى الوصول يعيد النظر في أنماط الاستهلاك التي أرهقت كوكب الأرض وأثقلت كاهل الأفراد.
تقوم الفكرة ببساطة على إتاحة استعارة الأدوات والمعدات التي نستخدمها بشكل متقطع أو نادر، مقابل رسوم رمزية. تقدّم المكتبة تشكيلة واسعة من الأدوات، من المثاقب وآلات القصّ إلى الخيام والمكانس البخارية، وتتيح حجزها إلكترونياً من خلال منصات سهلة الاستخدام مثل منصة ماي تيرن myTurn، قبل استلامها من مركز مجتمعي أو مكتبة عامة أو حتى وحدة متنقلة في الريف.
ولأنّ المشروع لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يقوم على المشاركة المجتمعية، فإن المتطوعين يشكلون قلب العملية. فهم من يديرون المخزون، ويختبرون الأجهزة عند إرجاعها، وينظّمون ورش العمل، ويقدّمون الدعم اليومي. أما الأجهزة، فغالباً ما تأتي من تبرعات الأهالي أو شراكات مع جهات محلية، مما يمنح المشروع بعداً دائرياً في الاقتصاد والاستخدام
أولى البدايات كانت متواضعة، لكنها مدروسة. تجربة “Share Shed” في توتنيس مثلاً بدأت بعربة متنقلة، وتجربة أكسفورد اعتمدت على مكان صغير ومجموعة أولية من 350 غرضاً، تم اختيارها بناء على احتياجات السكان الموسمية: أدوات للحدائق في الصيف، سخانات ومجففات في الشتاء، أدوات إصلاح وصيانة طوال العام. وفي أستراليا، باتت “مكتبات الأشياء” تنتشر بدعم من شبكة وطنية تنسّق الجهود وتشارك القوالب التشغيلية وتربط المكتبات المحلية بمجالس المدن والمكتبات العامة.
لكن ما يهم أكثر ليس عدد المواقع—بل الفرق الملموس في حياة الناس. آلاف المستخدمين الآن يوفرون المال، ويحررون المساحة، ويتجنبون المشتريات غير الضرورية. استئجار منظف سجاد مقابل 10 جنيهات يمكن أن يحل محل شراء واحد مقابل 250 جنيها إسترلينيا — أو دفع مقابل خدمة تنظيف باهظة الثمن. وفي الوقت نفسه، تصبح المكتبة نقطة لقاء، ومكانا لتبادل المعرفة، ومكانا يعيد فيه الجيران بناء الثقة.
الأثر البيئي للمشروع لا يقل أهمية. فكل غرض يُستعار بدلاً من أن يُشترى جديداً، يعني إنتاجاً أقل، وانبعاثات أقل، وتغليفاً أقل، ونفايات أقل. من خلال إعادة استخدام الأدوات، يفعّل المشروع مبادئ الاقتصاد الدائري ويقلل من الضغط على الموارد الطبيعية.
نموذج أعمال بسيطـ، بيد أنه كشف عن دروس عميقة. فالتكنولوجيا الرقمية ليست ترفاً بل ضرورة، لأن الحجز السلس والثقة في المنصة يعززان الانتشار. والمشاركة المجتمعية ليست مجاملة بل جوهر، فالمشروع يعيش بقوة من يساهمون فيه، لا من يستفيدون منه فقط. والأهم أن التوسع الذكي أهم من الانتشار العشوائي، فكل مكتبة تنجح حين تنمو بما يتناسب مع احتياجات مجتمعها، لا مع طموحات القائمين عليها فقط.
في ظل أزمة تكلفة المعيشة، وغلاء الإيجارات، وتقلص المساحات، تبدو “مكتبة الأشياء” كفكرة منطقية وواقعية وعادلة. لكنها أيضاً أكثر من ذلك: إنها دعوة لإعادة تخيّل الاقتصاد، وإعادة إحياء روح الجماعة، وتذكير بأن الكرامة تبدأ حين نتمكن من الوصول إلى الأدوات التي نحتاجها لنعيش ونعمل ونحتفل، من دون أن يكون المال أو الملكية شرطاً مسبقاً.
مكتبة الأشياء ليست مجرد ابتكار في طريقة استهلاكنا—بل هي ابتكار في طريقة تفكيرنا. ويظهر أن الحياة الجماعية ليست تراجعا عن الفردية، بل خطوة نحو مجتمع أقوى وأكثر ذكاء وعدالة.
المراجع:










