في اندماجٍ بين التكنولوجيا والضرورة البيئية، تحدَّت مجموعةٌ من المبتكرين أزمة موائل الأعشاب البحرية من خلال استخدام الروبوتات لاستعادة هذه النظم البيئية العميقة، في رحلةٍ ملهِمةٍ تَعِدُ بمستقبلٍ أكثرَ استدامةً للتنوع الحيويّ البحريّ.
تحت الإيقاع الثابت للمحيطات يمتدّ عالمٌ خفيٌّ لا غنى عنه، حديقةٌ خصبةٌ من مروج الأعشاب البحرية التي تحافظ على استقرار السواحل وتغذي الحياة وتحبس الكربون الحيويّ. ومع أنّها لا تغطي سوى 0.1% من قاع المحيط، إلا أن لها تأثيرٌ هائلٌ على التنوّع البيولوجيّ البحريّ وتنظيم المناخ.
تاريخياً، امتدّت هذه الحقول العميقة تحت الماء لتغطّي مساحةً تقارب 18 مليون هكتارٍ تقريباً، لكنّ العقود القليلة الأخيرة شهدت خسارة نسبة 30 إلى 40 بالمئة من هذه الموائل الحيوية. هذه الخسارة ليست مستمرةً فحسب، بل وهي آخذةٌ في التسارع، إذ تُقَدَّر نسبتُها السنوية بنحو 7% على مستوى العالم. ليست هذه مجرد إحصائيات، فهي تمثِّل تآكُلَ نظامٍ طبيعيٍّ يحمي الشواطئ من الأمواج ويغذّي الشعاب المرجانية ويوفر حاضناتٍ حيويةً لعددٍ لا يُحصى من الأنواع الحية. ومع انحسار هذه المنظومة، تتراجع الحماية وتضعف أشكال الحياة المرجانية التي تعتمد على الأعشاب لتحسين جودة المياه، وتتضاءل الإنتاجية البحرية، والنتيجة الأخطر هي انخفاض القدرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ما يفاقم آثار تغير المناخ.
عبر السنوات، بُذلت جهودٌ كثيرةٌ لمواجهة هذا الواقع، لكنّ معظمَها اعتمد التقنيات اليدوية، حيث يزرع الغواصون البذور أو البراعم يدوياً، وهذه الطريقة تتطلّب عمالةً كثيفةً جداً، وهي ليست بطيئةً ومحكومةً بقيودٍ ماديةٍ ثقيلةٍ فحسب، بل ومحفوفةً بالمخاطر. وبالنظر إلى وتيرة التراجع، لا بدّ من وسائل أكثرَ عمليةً وذكاء.
ذلك هو الهدف الذي تحرّكت من أجله شركة “ريف جِن” الرائدة في مجال التقنيات البيئية، بفريقِها الذي يضمّ علماء متخصّصين في مجالات البيئة والتكنولوجيا والأحياء البحرية، فحاولت مقاربة أحد أكثر التحديات البيئية إلحاحاً.
استقى الفريق من روح الابتكار التي تميّز الشركات التكنولوجية الناشئة في أي مكان، ولم يتعامل مع أزمة الأعشاب البحرية باعتبارها مشكلةً بيولوجيةً فقط، بل بوصفها تحدياً يتطلب تغييراً جذرياً في التقنيات والحلول.
هكذا، أطلقت الشركة ثورةً في مجال استعادة الأعشاب البحرية، فصمّمت روبوتاتٍ تعمل تحت الماء، وأسمتها “الجراد”. تتميّز هذه الروبوتات الصغيرة بالقوة الكبيرة والرشاقة، وقد اعتمد مطوِّروها على ابتكارٍ سابقٍ أنتجته شركتهم، وهو “كورا” المصمّم لإعادة تأهيل الشعاب المرجانية.
يَزِن كلٌّ من هذه الروبوتات حوالي 23 كيلوغراماً، وهي مصمّمةٌ للتنقُّل بخفةٍ في أعماق المحيطات باستخدام زلاجاتها التي تتيح لها الحركة بيُسرٍ دون أن تعوقها الرواسب الدقيقة والناعمة. كما أنها مزودة بكاميراتٍ للملاحة والمراقبة والمناورة بمهارةٍ تحت الماء، أثناء زراعة براعم الأعشاب البحرية وبذورها.
يحمل الروبوت كيساً سِعَتُه 20 لتراً يمكنه استيعاب ما يصل إلى 20 ألف بذرة، وهو قادرٌ على زراعة 60 بذرةً في الدقيقة الواحدة، لكنّه لا ينثرها عشوائياً، بل يحقن في القاع محلولاً ممزوجاً مسبقاً ومؤلفاً من بذور الأعشاب والرواسب الطينية. وفي كلِّ بقعةٍ يقف الروبوت عندها، يغرس حوالي أربع بذور قبل أن يقطع حوالي 30 سنتيمتراً باتجاه البقعة التالية، لكنّه يقطع هذه المسافات قفزاً لئلا يُلحِق الضرر بأيٍّ من عناصر البيئة المحيطة به.
في المرحلة الحالية، يجري توجيه الروبوتات من قِبَل مشغِّلٍ بشريٍّ يعمل من السفينة باستخدام واجهة تحكّمٍ متطوِّرةٍ تتابع تحرّكات الروبوت، وتضمن ألا يحيدَ عن الخطّ المقطعيّ المحدّد مسبقاً بأيدي الغوّاصين، لضمان زراعةٍ منتظمةٍ تغطّي المناطق ذات الاحتياج. أما مستقبلاً، فتعمل الشركة على إدماج ميزات العمليات شبه الآلية في نظام عملها. ومن خلال التقليل التدريجي من الاعتماد على التوجيه اليدوي وتطبيق خوارزميات ملاحةٍ متقدّمة، يأمل الفريق تعزيز كفاءة الروبوتات وتوسيع نطاق مشاريعه.
واجهت الشركة عبر هذه الرحلة تحدّياتٍ متعدّدة الأوجه، فهي تعمل في عالمٍ لا يسمح بالتنبؤ بالتيارات وتراكيب الرواسب وغيرها من العوامل البيئية التي قد تعوق العمل وتقلّل الدقة والاتساق. ولتصميم روبوتٍ يعمل بفاعليةٍ في ظلّ هذه الظروف، كان لا بدّ من حلولٍ يمكن أن تتفاعل بدقةٍ مع بيئات القيعان الحساسة وأن تعمل على نطاقٍ لا يحقّقه العمل اليدوي.
أضف إلى ذلك تحديات إدماج أنظمة المراقبة والملاحة المباشرتَين لأجهزةٍ ستعمل في أعماق المياه، وهذا ما تطلّب اجتياز العديد من العقبات التكنولوجية المتعلقة بالاتصال والتحكم تحت الماء.
أما الحاجة إلى تحقيق التوازن بين الدقة والسرعة، فكانت تحدياً أساسياً آخر، إذ يتعيّن على الروبوت أن يزرع البذور بسرعةٍ كافيةٍ لتغطية مساحاتٍ كبيرةٍ مع الحفاظ على المستوى المطلوب من العناية الدقيقة لإنبات البذور. ولهذا، كانت كلّ “قفزةٍ” محسوبةً ومبرمجةً بدقة.
وفي حين سيبقى تحسين أداء الروبوتات باباً مفتوحاً لمزيدٍ من الابتكار، تبدو النتائج الأولية واعدة، ففي مشروعٍ تجريبيٍّ أُجريَ في العام 2022، نجحت الروبوتات في زراعة بُقع من الأعشاب البحرية التي أظهرت معدّلات نمو وصحة مماثلة لتلك المزروعة يدوياً، لكن بفارق السرعة الفائقة وقابلية التوسع، لا سيما أنّ الروبوتات تستطيع العمل في البيئات التي لا يحبّذها الغواصون البشريون أو التي يصعب الوصول إليها بسبب قيود السلامة أو القيود اللوجستية.
وأكدت الدراسات اللاحقة على إمكانات هذا النهج، مثل الأبحاث التعاونية مع معهد العلوم البحرية التابع لجامعة نورث كارولينا، التي أنتجت بياناتٍ بالغة الأهمية في تحسين طرائق نثر البذور وتحسين معدلات الزراعة وتحديد الفرص المتاحة لتحقيق المزيد من التقدّم التكنولوجي واستعادة الوظائف البيئية الحيوية في المستقبل.









