سعياً إلى إدارة متوازنة وفعالة للمحيطات والبحار الأوروبية، وعبر تحويل البيانات المجزأة إلى أداة تنبؤية شاملة، ابتكرت أوروبا “التوأم الرقمي للمحيط”. هو نموذج افتراضي حيّ يحاكي المحيطات بدقة باستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الحية من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار، ويمكّن صانعي القرار من تشغيل سيناريوهات متوقعة، بغية قياس آثار التلوث، والتعرّف على نتائج المشاريع البيئية وتبعاتها قبل تنفيذها فعلياً، ما يتيح تخطيطاً بحرياً ذكياً ومستداماً.
في زمن يزداد فيه التهديد المناخي حدّة وتتعمق فيه الحاجة لفهم النظم البيئية البحرية، قررت أوروبا أن تضع البحر على طاولة التكنولوجيا. ليس على هيئة خريطة أو مجسّم، بل عبر “توأم رقمي” للمحيط. كائن افتراضي نابض بالبيانات والذكاء الاصطناعي، يحاكي كل ما يجري تحت سطح الماء، في كل لحظة، وبكل ما أوتي العلم من أدوات.
أطلقت المفوضية الأوروبية في العام 2024 مشروع “التوأم الرقمي للمحيط” (EU DTO)، وهو أول نموذج رقمي واقعي لمراقبة المحيطات والبحار الأوروبية في الزمن الحقيقي. المشروع لا يكتفي بتجميع البيانات، بل يعيد خلق المحيط افتراضياً، بكل تياراته وكائناته ومخزونه من الأمل والخطر، ويمكّن العلماء وصناع القرار من تشغيل سيناريوهات “ماذا لو؟” تتعلق بالتلوث والتغير المناخي والتخطيط البحري، قبل أن تحدث بالفعل.
لا يهدف هذا المشروع، الذي يقوده مركز “ميركاتور أوشن إنترناشيونال” (MOi) بالشراكة مع معهد فلاندرز البحري (VLIZ)، إلى مراقبة البحار فحسب، بل إلى التفاعل معها والتنبؤ بمصيرها، من خلال منظومة حاسوبية فريدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي ونماذج المحاكاة والمراقبة عبر الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الموزعة في أعماق المياه.
أدركت أوروبا أن المعرفة المجزأة لا تصنع قرارات صلبة. فسنوات من جمع البيانات البحرية، عبر شبكات مثل Copernicus Marine Service وEMODnet، لم تكن كافية لمواجهة التحديات الملحة التي تطال المحيطات اليوم، من تغير مناخي وتدهور في المواطن البيئية وتلوث بلاستيكي وضغوط صناعية وصيد جائر. ورغم وجود كميات هائلة من البيانات، فقد ظل جزء كبير منها حبيس قواعد بيانات منفصلة، يصعب دمجها أو تحليلها بسرعة تكفي لمواكبة التغييرات المتسارعة.
إحدى المفارقات المؤلمة كانت أن عملية رصد أنواع دقيقة من الكائنات البحرية، مثل العوالق، كانت تتم عبر مجهر وعدسة بشرية، في زمن تحلّق فيه الأقمار الصناعية في مدار الأرض. هذا التفاوت بين حجم التهديد وحداثة الوسائل أوجب ثورة رقمية عميقة.
ومن هنا، جاءت فكرة إنشاء “توأم رقمي للمحيط”، ليكون أكثر من مجرد مشروع بصري أو أرشيفي. إنه منصة ديناميكية، تدمج البيانات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والاقتصادية للبحار والمحيطات، في واجهة تفاعلية تتيح لصانعي القرار محاكاة سيناريوهات واقعية لما يمكن أن يحدث في حال إنشاء مزرعة رياح بحرية مثلاً، أو تعرّض شاطئ للتلوث، أو حتّى تنفيذ مشروع استزراع بحري جديد.
تكمن الميزة النوعية للمشروع في سرعته وذكائه التفاعلي. فبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن على سبيل المثال تصنيف العوالق البحرية خلال دقائق عوضاً عن ساعات، ويمكن تتبع تحركات الدلافين وخنازير البحر عبر تسجيلات صوتية، أو رصد تحركات الجسيمات البلاستيكية في المحيط عبر نماذج افتراضية. كما يمكن اختبار جدوى مشاريع بيئية كاستصلاح أعشاب البحر، وقياس تأثيرها على التعرية الساحلية أو تلاطم الأمواج، وكل ذلك من دون التأثير الفعلي على البيئة.
ولعل أحد الأبعاد الإنسانية الجميلة في المشروع، هو إشراك المواطنين عبر تطبيق avvistAPP، الذي يتيح لمرتادي السواحل تسجيل مشاهداتهم للكائنات البحرية. تُنقّح هذه البيانات وتُدمج في قاعدة بيانات أوروبية، الأمر الذي يحوّل كل فرد إلى راصد بيئي ومساهم في بناء التوأم الرقمي.
حقق المشروع بحلول منتصف العام 2024 إنجازات ملموسة. فقد أُطلقت المنصة التجريبية خلال منتدى “المحيط الرقمي” في بروكسل، وبدأت العوامات والمنصات الذاتية في جمع البيانات البحرية على مدار الساعة، لتغذي النظام مباشرة. وتمكنت فرق البحث من اختصار فترات التحليل المختبري إلى دقائق، واختبار نماذج محاكاة للتلوث البلاستيكي واستصلاح الشواطئ، ما أتاح أدوات قويةً لتخطيط السياساتِ البيئية.
يُنتظر أن تندمج المنصة بالكامل مع مبادرات رقمية أوروبية أوسع، مثل “وجهة الأرض” DestinE، وأن تساهم في تحقيق أهداف الصفقة الخضراء الأوروبية، والاستراتيجية الرقمية الأوروبية، وكذلك أهداف عقد الأمم المتحدة لعلوم المحيطات.
يمتد نطاق المشروع ليشمل شبكة واسعة من الشركاء: من المفوضية الأوروبية بمؤسساتها المختلفة، إلى مراكز الأبحاث الوطنية، ووكالات البيانات البحرية، مروراً بمعاهد علمية مثل “هيريون” الألماني، وحتى مواطنين عاديين يسجلون ما يلمحونه من الحياة البحرية. تعدد في الأطراف لا يعكس فقط طابع المشروع الشمولي، بل يبرز أيضاً حجم التنسيق الأوروبي المطلوب لجعل هذا العقل المحيطي يعمل بكفاءة، ويظل حيّاً يتعلّم ويتطوّر.
ولعلّ الدرس الأهم الذي يُستخلص من تجربة التوأم الرقمي الأوروبي هو أن القوة لا تكمن في كمية البيانات، بل في ربطها وتحليلها في الزمن الحقيقي، وتحويلها إلى معرفة قابلة للتنفيذ. فعندما تصبح البيانات وسيلة لمحاكاة ما لم يقع بعد، يصبح الخطأ مكشوفاً قبل أن يُرتكب، ويغدو التخطيط البيئي أداة وقائية لا استدراكية.
لقد بدّل الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة، واختصر المسافات بين الحدس العلمي واتخاذ القرار السياسي. فما كان يستغرق أياماً من العمل المخبري، بات يتم خلال دقائق. وما كان حكراً على العلماء، أصبح في متناول المشرّعين، والمخططين، والمواطنين.
المراجع:









