في قلب أسواق كينيا الصاخبة، أقدم أبناء المجتمعات المحلية على تخيّل اقتصادٍ لا يصيبه الشلل إذا غابت العملة التقليدية، فابتكروا شرياناً اقتصادياً خاصاً بهم، وهو عملة سارافو المجتمعية التي تمكّن الأفراد والمؤسسات من إنجاز معاملاتهم وشراء حاجياتهم دون الحاجة إلى وجود العملة الوطنية بشكلها الملموس، في تجربةٍ رسمت شكلاً جديداً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
عادةً ما يقيس العالم اقتصادات الدول من خلال اعتمادها على العملات الوطنية، فهي رموزٌ ملموسةٌ للقوة والاستقرار والحوكمة الرشيدة. لكن، ماذا يحدث عندما تفشل هذه العملات في خدمة الأشخاص الذين تمثِّلهم؟ يصبح الوصول إلى العملة امتيازاً، وتجد مجتمعاتٌ بأكملها نفسها خارج الأنظمة المالية، ويصير الاستمرار في الحياة مرهوناً بقدرتها على الابتكار.
هذا ما حصل في أرياف كينيا، فالتجارة فيها شريانٌ حيويٌّ للسّلع والخدمات التي تربط بين الجيران والمزارعين والتجار، لكنّ وراء هذا المشهد حقائق قاسية، فهذه المجتمعات برمّتها معزولةٌ عن الأنظمة المالية الرسمية، وليس لديها معرفة بمفاهيم الحسابات المصرفية والتسهيلات والائتمان، أما التدفّقات النقدية، فهشّةٌ في أحسن الأحوال.
لا أحدَ ينكرُ التقدّمَ الذي أحرزته كينيا في مجال الخدمات المصرفية عبر الهواتف المحمولة والمنصات غير النقدية، لكنّ الفجوةَ الاقتصاديةَ والإقصاءَ الماليّ ما يزالان مشكلتَين كبيرتَين، لا سيما في المناطق الريفية والحَضَرية ذات الدخل المنخفض، التي تضمّ بعضاً من الفئات السكانية الأكثر ضعفاً. وفي أوقات الأزمات، كما حدث عند تفشي جائحة كوفيد-19، تبيّن كم يتّسع هذا الشرخ، وكم تتفاقم المشكلة، حيث تصبح حتى أبسط المعاملات المالية الأساسية تحدياتٍ كبيرة. ويبدو أنّ هذا يمثّل عقبةً كبيرةً أمام التنمية المجتمعية، فبحسب منظمة “غراس روتس إيكونومكس” الكينية غير الربحية، إذا لم يُتَح الوصول إلى عملاتٍ وأنظمةٍ مصرفيةٍ موثوقة، لا يمكن للمجتمعات المحلية أن تسيِّرَ اقتصاداتِها بفاعلية. كما لا يمكن الاستمرارُ في الاعتماد على المساعدات الأجنبية والحلول المؤقتة.
لهذا، أخذت المنظمة زمام المبادرة، وأطلقت مبادرةً تحويلية بهدف تمكين المجتمعات المحلية من خلال استخدام العملات البديلة، فتعاونت مع قادة المجتمع المحلي والمسؤولين الحكوميين والشركاء الدوليين، الذين ساهموا من خلال المناصرة والتوعية والتمكين الاقتصاديّ.
بدأ فريق المنظمة بتطوير عملة سارافو المجتمعية، لتنشئ من خلالها نظاماً مالياً لا مركزياً مصمَّماً خصيصاً لتلبية احتياجات السكان ذوي الدخل المنخفض، وذلك باعتماد عدّة آلياتٍ رئيسية، أوّلُها التسجيل، حيث ينضم الأفراد والشركات إلى المنظمة عبر تقنية الهاتف المحمول ويحصلون على أرصدة لبدء التداول، ثم تأتي العملات المحلية، فالمشاركون يستطيعون المتاجرة بالسِّلع والخدمات كلٌّ ضمن مجتمعه، مما يضمن استمرار النشاط الاقتصاديّ في الحالات التي ترزح تحت ضغوطٍ نقدية. وتلعب الهواتف المحمولة دوراً مهماً في المبادرة، حيث تسمح بإجراء المعاملات عبر تطبيقٍ للهواتف الذكية يحمل اسم سارافو أو عبر الرسائل النصية القصيرة، وهذه الآلية تستهدف سدّ احتياجات المناطق التي تلتقي فيها البنية التحتية المصرفية المحدودة بالانتشار الواسع للهواتف المحمولة.
كما تستخدم مبادرة سارافو تقنية البلوكتشين (سلاسل الكتل)، لكي تضمن الشفافية والأماكن والتحكم اللامركزي وحفاظها على هويتها كواحدٍ من الأصول المملوكة للمجتمع.
وتتكّئ المنظمة على الاقتصاد الدائري، فهي تشجّع التجارة المحلية وتبادل السلع المُنتجة ضمن المجتمعات الكينيّة، ما يقلّل من الاعتماد على العملات الوطنية والعالمية.
يعوّل الفريق على الثقة المجتمعية، حيث يعمل جنباً إلى جنب مع الشركاء المحليين لبناء الألفة تجاه العملة الجديدة وتشجيع الناس على تبنّيها. والحقيقة أنّ هذا كان أحد أبرزَ التحديات التي واجهت الفريق، فكيف يمكن إقناع مجتمعاتٍ محليةٍ بسيطةٍ بتبنّي عملةٍ غير مدعومةٍ من الحكومة؟ وكانت الإجابة بالحوار المستمر وورش العمل الحوارية مع الناس والشركاء لإسكات الشكوك حول قيمتها ومقبوليتها وفاعليتها.
في سياقٍ موازٍ، شكّلت محدودية الوصول إلى الإنترنت وشبكة الهاتف المحمول في بعض المناطق الريفية تحدياً آخر، وكانت مقاربتُه باستخدام تقنية (USSD)، وهي اختصارٌ لمفهوم “بيانات الخدمات التكميلية غير المركَّبة”. تتيحُ هذه التقنية لمستخدمي الهواتف غير الحديثة الوصول إلى التطبيق، وتسمح باستخدامِه حتى في غياب الاتصال الدائم بالإنترنت.
وباعتبارها عملةً لا مركزية، واجهت سارافو أسئلةً حول الشرعية والامتثال للوائح التنظيمية. لهذا، أشركت المنظمة صنّاع السياسات ودَعَت إلى إرساء أُطُرٍ قانونيةٍ لضمان استدامة المبادرة.
وعلاوةً على كلِّ ما سبق، كان ضرورياً ضمان استمرار تداول سارافو، كي لا تكون حلّاً مؤقتاً مثل العديد من المبادرات التي سبقتها. لهذا، اختار الفريق مواجهة هذا التحدي بالمشاركة المجتمعية المستمرة والتحفيز الدائم لاستخدام العملية عبر تقديم خصوماتٍ وتشجيع البائعين على قبول سارافو والعملة الوطنية المُعتمَدة على قدم المساواة.
بهذا، أحدثت عملة سارافو ثورةً في حياة المجتمعات الكينية، فعزّزت المرونة الاقتصادية ومكّنت الناس من الوصول إلى السِّلع الأساسية في أوقات الأزمات، ومثّلت لهم شبكة أمانٍ اقتصاديٍّ حيويّ.
ساهمت سارافو أيضاً في تقوية التجارة المحلية وشجّعت التجارة، وإن على نطاقٍ صغير، ومكّنت المزارعين والتجار وأصحاب الأعمال من مواصلة العمل.
قدّمت سارافو بديلاً للخدمات المصرفية التقليدية، فأدمجت نسبةً لا يُستهان بها من الأفراد المُستبعَدين مالياً، الذين سيبدؤون بتحقيق أمنهم الماليّ تدريجياً.فكانت سارافو بالنتيجة أكثر من أداةٍ اقتصاديةٍ أو حلٍّ آنيٍّ لمشكلة، ومثّلت رمزاً للابتكار والمرونة وقوة العمل الشعبي.
المراجع:
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/how-it-works
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/about-us
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/sarafu-network
- https://docs.grassecon.org/
- https://www.grassrootseconomics.org/grassroots-economists-journey
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/food-forests
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/research
- https://www.grassrootseconomics.org/pages/get-involved
- https://sarafu.network/











