في نموذج متقدّم للتكيّف الحضري مع تغيّر المناخ، ويعيد تعريف دور المساحات العامة بوصفها أدوات للحماية والتوعية البيئية، في آنٍ معاً، تأتي تجربة هووبوكين لتفتح الباب أمام مدن أخرى لإعادة التفكير في تصاميمها لمواجهة تحديات المستقبل. إذ لم يعد المتنزّه في هذه المدينة مجرد مساحة للعب الأطفال، بل تحوّل إلى حل مبتكر لمشكلة مزمنة: الفيضانات. متنزّه يجمع بين الترفيه والبنية التحتية الذكية، يضم نظاماً متكاملاً لتخزين مياه الأمطار بسعة عالية تحت أرضه، مع حدائق مطرية ومساحات نفّاذة تعزز من امتصاص المياه.
تقع مدينة هووبوكين الصغيرة على ضفاف نهر هدسون في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، حيث لم يكن هناك ما يوحي بأن أرجوحة طفل أو ملعب كرة سلة قد تكون يوماً جزءاً من خطة متقدّمة لمواجهة تغيّر المناخ. لكن هذه المدينة، التي لطالما عانت من الفيضانات، قررت أن تكتب قصة جديدة، تبدأ من حيث تنتهي عادةً خطط الطوارئ: في قلب الحيّ، وعلى الأرض التي كانت يوماً ملوثة بمخلّفات كيميائية.
افتتح متنزّه “ريزيليين سيتي” ResilienCity Park في العام 2023، وسط حي سكني كثيف شمال المدينة. لا يبدو المتنزّه للوهلة الأولى مختلفاً عن غيره من المساحات العامة المخصصة للترفيه؛ أراجيح ومنزلقات وملاعب رياضية ومساحات خضراء، وأطفال يركضون ويمرحون، وأهل يستظلون تحت الأشجار. لكن تحت هذه البساطة تكمن بنية تحتية ذكية تستطيع تخزين ما يصل إلى مليوني غالون من مياه الأمطار، لتمنعها من التحوّل إلى فيضانات مدمّرة.
في مدينة لا تتجاوز مساحتها 3.2 كيلومترات مربعة، يقطنها أكثر من 57 ألف نسمة، تشكّل كل شبر من الأرض فرصةً أو مخاطرة. وهووبوكين، التي تكاد تكون بأكملها مبنية فوق سهل فيضي، عرفت هذه الحقيقة المؤلمة عندما ضربها الإعصار “ساندي” في العام 2012، فغمرت المياه شوارعها بنحو 500 مليون غالون من الأمطار، وتحوّلت المدينة إلى حوض ماء كبير. بعدها، لم تعد الأمور كما كانت؛ إذ أدركت السلطات أن البنية التحتية التقليدية، من مصارف ومضخّات، لم تعد كافية لمواجهة ما ينتظرها من تقلبات مناخية متسارعة.
في مواجهة هذا التحدي، لم يختر المهندسون والخبراء في هووبوكين المسار المعتاد. بدلاً من تشييد خزّانات ضخمة معزولة عن السكان، قرروا أن يحوّلوا الحلّ إلى مكان يحبّه الناس ويتشاركون فيه الحياة اليومية. هكذا وُلدت فكرة “متنزّه المقاومة” كما يمكن ترجمته حرفياً، الذي لا يكتفي بجمع مياه الأمطار، بل يعيد توظيف أرضٍ ملوّثة قديمة إلى مساحة آمنة ونابضة بالحياة.
في قلب هذا الابتكار توجد منظومة معقّدة من التقنيات والبيئة المصمّمة بعناية: خزان ضخم تحت الأرض بسعة مليون غالون، حدائق مطرية rain gardens تعمل على امتصاص المياه وتنقيتها، مسطحات نفّاذة تسمح بتسرّب المياه إلى باطن الأرض، وملاعب بسطوح خاصة مائلة تسمح بجمع المياه وتحويلها إلى نظام التخزين السفلي. كل هذا، من دون أن يشعر الطفل الذي يتعلّق بالأرجوحة أو يلعب كرة السلة بأنّه يتحرّك فوق شبكة هيدرولوجية متقدمة.
لكن المشروع لم يكن مجرّد مشروع هندسي. كان رهاناً على أن تصميم المدن يمكن أن يكون تعليمياً أيضاً. ذلك أنّ تصميم المتنزّه، ونوع النباتات المزروعة فيه، ومسارات المياه الظاهرة ضمنه، كلها صممت لتكون وسيلة لفهم كيف تتكيّف المدينة مع التغيّر المناخي. في هذا المكان، يتعلّم الأطفال كيف تتصرّف الطبيعة، وكيف يمكن للبشر أن يتعاملوا مع اختلالاتها بأدوات ذكية ومستدامة.
لم يكن التنفيذ سهلاً، لكنه كان نتيجة تحالف متعدّد الأطراف. بلدية هووبوكين قادت المشروع ضمن استراتيجيتها الأوسع للتكيّف المناخي، بينما تولى كبير مسؤولي الاستدامة، مهمة دمج الحلول البيئية بالتصميم الحضري. الشركة الألمانية BASF، التي كانت تملك الأرض سابقاً، قامت بإزالة التلوث الكيميائي قبل تسليم الموقع للمدينة. أما التمويل، فقد جاء جزئياً من FEMA، الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ في الولايات المتحدة الأمريكية، عبر منحة بلغت 10 ملايين دولار، في إطار دعمها للبنية التحتية المقاومة للكوارث.
اليوم، لا يقتصر أثر المتنزّه على وظيفته “التقنية”. لقد تحوّل إلى مركز حيّ للأنشطة، وملاذ طبيعي في قلب المدينة. العائلات تجتمع فيه، الأطفال يلعبون ويتعلّمون، والنباتات الجديدة تساهم في دعم التنوع البيولوجي المحلي. وبفضل تصميمه الذكي، بات المتنزّه يخفّف من ضغط المياه على شبكة الصرف الصحي، ويمنع الفيضانات التي كانت تجتاح الشوارع سابقاً.
ما إن تأكّد نجاح التجربة حتى بدأت بلديّة المدينة بالتخطيط لتكرار النموذج. ثلاث حدائق جديدة يجري العمل عليها الآن في مناطق أخرى من هووبوكين، مستلهمة من التجربة الأولى. هذا التكرار ليس ترفاً، بل ضرورة في مدينة تواجه تزايداً في الظواهر الجوية المتطرفة.
لعلّ أبرز ما تكشفه هذه التجربة هو إمكانية الجمع بين الجمال والوظيفة، بين التعليم والمتعة، بين اللعب والحماية. فهي تذكّرنا بأن المساحات العامة ليست فقط ما نراه على السطح، بل ما يمكن أن تحققه في العمق، من أمن بيئي وصحة مجتمعية ووعي مستقبلي.
في عالم يتسارع فيه تغيّر المناخ، ويزداد فيه الضغط على المدن، تقدّم هووبوكين درساً مهماً: لا ينبغي أن تكون البنية التحتية مجرد أنابيب ومضخّات، بل يمكن أن تكون أرجوحة، شجرة، أو ملعباً، يخفي تحته حلّاً كبيراً لمشكلة أكبر.
المراجع:
- https://www.ciceroindependiente.com/english/cicero-news-inside-climate-news-climate-change-environmental-injustice-flood-mitigation-playground-hoboken-new-jersey
- https://www.theguardian.com/environment/2025/jan/03/hoboken-new-jersey-kids-play-stormwater-capture-zone-playground
- insideclimatenews.org/news/27092024/hoboken-new-jersey-childrens-playground-flood-mitigation/







