في تغييرٍ للشكل التقليديّ لرعاية المسنين، تتبنّى عدة دولٍ أوروبية نهجاً جديداً يتمحور حول الفرد، فتنقل المسنّ من القاعات المعقّمة إلى مجتمعاتٍ تحاكي الحياة اليومية، يعيش مقيموها في حرية وألفةٍ وصُحبة.
في معظم بلدان العالم ومعظم مخيّلات البشر، تنحصر رعاية المسنّين في الدور التقليدية التي تلبّي احتياجاتهم الطبية والفيزيولوجية وتوفّر لهم بعض الأنشطة الترفيهية، حيث يمكنهم قضاء شيخوختهم بسكينة وأمان.
لكنّ هذه الدور الشائعة غالباً ما تقصّر في توفير الدعم العاطفيّ والاجتماعيّ والنفسيّ، لا سيما مع ارتفاع حالات الخَرَف على مستوى العالم، حيث لم يعد اتباع نماذج الرعاية التقليدية كافياً لاستيعاب الاحتياجات الفريدة للأفراد الذين يعانون بسبب التدهور المعرفيّ.
اليوم، تمثّل ظاهرة الخَرَف مشكلةً صحيةً عالمية، حيث ارتفع عددُ المصابين بالخَرَف من 35 مليوناً في العام 2009 إلى أكثر من 55 مليوناً وفق الإحصائيات الأخيرة. كما تشير توقعات منظمة الصحة العالمية إلى أنّ هذا الرقم قد يصل إلى 78 مليون حالةٍ بحلول العام 2030، وهذه زيادةٌ هائلة ستثقل كاهل القطاعات الصحية والأُسر ومقدّمي الرعاية بتحديات كبيرة.ٍ
الخَرَف أكثر من مجرد فقدانٍ للذاكرة، فهو يؤثر على التفكير والمنطق والقدرة على إدارة الحياة اليومية، الأمر الذي يجعله يتطلب رعايةً خاصةً للمصابين. وهنا، يظهر ضعف دور الرعاية، فبيئاتها المنظمة المصمّمة لحماية هؤلاء الأفراد من التعرض لأي أذى قد تؤدي إلى حالةٍ من العزلة والإحباط وفقدان الاستقلالية لدى المقيمين، لأنها ببساطةٍ تركّز على إدارة الأعراض والوقاية منها. ولمواكبة الواقع العالميّ الآخذ في التغيّر، لا بدّ لها من التحوّل إلى نماذج أكثر ديناميكيةً وإنسانيةً واعترافاً باحتياج النزلاء إلى التواصل مع الآخرين والعيش بحرية والإحساس بوجود غايةٍ لحيواتهم ووجودهم.
من هذا الاعتراف، وُلدت فكرة “قرى الخَرَف” التي تقوم على مبدأ بسيط: يجب تكييف بيئات الرعاية مع احتياجات الأفراد، بدلاً من إجبار الأفراد على التكيف مع الأنظمة الصارمة للمؤسسات.
أُسِّسَت القرية الأولى في هولندا في العام 2009، وحملت اسم “هوغيويك”، وحقّقت نجاحاً ألهمَ تجارب مماثلةً في أنحاء عديدةٍ من العالم، مثل قرية “كارب ديم” في النرويج و”نيو دايركشن كير” في أستراليا، التي تخطّت في نموذجها عتبةً جديدةً وأدمجت منشأتها ضمن أحياء كبيرةٍ لتعزيز التفاعل بين نزلائها وأفراد المجتمع.
صُمِّمَت كلّ هذه القرى على غرار المجتمعات الحقيقية، حيث توفّر أماكن مألوفةً وتجارب يوميةً أشبه بما يحدث في الحياة الواقعية مع ضمان السلامة وتقديم الرعاية الاحترافية، كما تسمح للأفراد المقيمين فيها بالتحرك بحرية لتقليل الضيق والإحباط.
في التجربة الهولندية مثلاً، تضمّ قرية هوغيويك منازل ومتاجر ومطعماً ومسرحاً ونادياً، ويعيش نزلاؤها ضمن مجموعاتٍ صغيرةٍ حيث يحظى كلٌّ منهم بغرفة نومٍ خاصةٍ ومساحاتٍ مشتركةٍ يتقاسمها مع رفاق مجموعته. أما مقدّمو الرعاية باختصاصاتهم المختلفة، فيندمجون في الحياة اليومية لأداء عملهم، بدلاً من التدخل دون مقدّماتٍ وفرض بعض الإجراءات بمنطق صاحب اليد العليا.
وفي قرية كارب ديم بالنرويج، تمتدّ ساحةٌ تحيط بها الصالونات والمتاجر والحدائق ذات المناظر الطبيعية، في مشهدٍ يشجع أفراد المجتمع المحلي على التفاعل مع النزلاء.
أما قرية نيو دايركشن كير في أستراليا فقد صُمِّمَت أصلاً لتبدو وكأنها مدينةٌ صغيرة، حيث يعيش نزلاؤها المسنون وكأنّهم سكان مدينةٍ عادية، والنزلاء الآخرون المصابون بالخَرَف ما هم إلا جيران وأصدقاء، في نهجٍ يسعى إلى تعزيز الاندماج والحدّ من وصمة العار التي تلحق بالمصابين وبعائلاتهم ضمن المجتمعات الكبيرة.
وما تزال الفكرة تنمو وتتطور، ففي الولايات المتحدة، يجري الآن تجهيز مركز “أفانديل”، الذي سيقدّم الرعاية لمرضى الخَرَف ويتضمن عيادة عصبية إدراكية ومركزاً للتجمع واستقطاب المسنين والعامة للحوار والتعرف والتثقيف.
لكنّ الأفكار العظيمة والملهِمة وحدَها لا تكفي، ونُبْلُ الفكرة لا يضمن نجاحها، بل ربما يزيد التحديات أمامها، وهذا ما حصل مع أصحاب هذه الرؤية، فقد كان عليهم اجتياز تحدي تحقيق التوازن بين الحرية والسلامة، والسماح للمقيمين بالتحرك باستقلاليةٍ وأريحيةٍ مع حفظ سلامتهم في الوقت نفسه، وهو ما فعلوه من خلال تبنّي أنظمة مراقبةٍ سريةٍ حيث يتلقّى موظفون محدّدون تدريباتٍ مخصّصةً لمراقبة النزلاء والتدخّل باحترافيةٍ عند الضرورة.
ومع أنّ الفكرة ملهِمةٌ بحقّ، سيكون توسيعُ نطاقها تحدياً آخر، فلا بدّ من استثماراتٍ ضخمةٍ لبناء مجتمعٍ مصغَّرٍ بكلّ هذه الخدمات الممتازة وكلّ هذا التركيز على الاحتياجات الخاصة بكلّ فرد. وعليه، لا بدّ من الكثير من العمل قبل أن تتحوّل هذه الفكرة إلى تجربةٍ قابلةٍ للتعميم حول العالم.
يحملنا هذا إلى تحدٍّ ثالث، وهو بناء القبول المجتمعيّ لهذه الفئة من الأفراد وتحريرهم من عبء الوصمة أو نظرات الشفقة، وهذا يتطلب بناء الوعي والفهم بأنّ التدهور المعرفيّ أمرٌ طبيعيّ لا يختلف عن أيٍّ من أعراض التقدّم في السن.
تحسّن قرى الخرف بشكل كبير من جودة حياة المقيمين فيها وصحتهم النفسية، فتمنحهم استقلاليةً أكبر في اتخاذ القرارات واختيار كيفية قضاء الوقت والمشاركة في الأنشطة التي يستمتعون بها، كما أنّها تسهّل عليهم الاندماج المجتمعيّ وتبني بيئاتٍ تكسر الحواجز بينهم وبين مجتمعاتهم.
ويبدو أنّ النظرية قد أثبتت صحتها، إذ تشير الإحصائيات إلى أنّ قرى الخَرَف تشهد معدّلاتٍ أقلَّ من نوبات الغضب والقلق لدى نزلائها مقارنةً بدور رعاية المسنين التقليدية. ومن شأن هذا النجاح أن يكون مصدر إلهامٍ لمؤسساتٍ أخرى حول العالم لكي تتبنّى مبادئ جديدةً في هذا العمل الإنساني.
المراجع:
- https://www.research.colostate.edu/healthyagingcenter/2023/09/26/dementia-villages-a-new-way-to-approach-memory-care/
- https://www.theguardian.com/society/2022/dec/30/dementia-village-in-warwick-is-a-pioneer-in-person-centred-care
- https://www.abc.net.au/news/2025-01-02/dementia-village-the-hogeweyk-changing-care/104685250











