في مسعىً لتمكين المواطنين من تحديد القضايا الاجتماعية الأكثر إلحاحاً، مثل تكاليف المعيشة وأزمة السكن والرعاية الصحية، ابتكرت جامعة فليندرز الأسترالية مقاربة ديمقراطية فريدة في تصميم السياسات العامة، من خلال مشروع اعتمد على استطلاع وطني شارك فيه 30 ألف شخص، ما حوّل المواطنين من مستجيبين سلبيين إلى شركاء فعليين في إنتاج المعرفة. منهجية تشاركية تمثل نموذجاً قابلاً للتكرار في سياقات أخرى، وتعيد تعريف العلاقة بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع.
في ظلّ تعقّد الأزمات الاجتماعية وتحوّلها إلى “مشكلات مستعصية”، بمعناها السياسي والسوسيولوجي، بادرت جامعة فليندرز الأسترالية إلى قلب المعادلة التقليدية في إنتاج المعرفة، وسعت إلى جعل المواطنين شركاء في تحديد القضايا الأكثر إلحاحاً. إذ لم تعد الجامعة تنطلق من أروقة الباحثين فقط، بل فتحت أبوابها لثلاثين ألف أسترالي، طلبت منهم أن يدلّوها على المشكلات الحقيقية التي تؤرّقهم، والتي ربما لا تصل إلى أروقة السياسة أو لا تجد طريقها إلى أجندات البحث الرسمية.
تلك المشكلات التي أُطلقت عليها تسمية Wicked Problems ليست مجرد قضايا صعبة. إنها ظواهر مركّبة، متشابكة الأسباب، ومتشعّبة النتائج. ما يجعلها مستعصية حقاً هو أنها لا تندرج ضمن مسار حلٍّ تقني أو إداري بسيط. فالفقر وأزمة السكن والانهيارات المناخية وهشاشة الرعاية الصحية، كلها مشكلات تستدعي حلولاً متكاملة تتقاطع فيها السياسات العامة مع معرفة الناس اليومية وخبراتهم الحياتية.
المبادرة التي أطلقتها جامعة فليندرز كانت مختلفة في بنيتها ومنهجها. قادها البروفيسور إيان غودوين-سميث مع فريق متعدّد التخصصات، واستندت إلى مقاربة مزدوجة: بحث نوعي لاستطلاع الأصوات الأكثر تهميشاً، تلاه استطلاع وطني واسع النطاق شارك فيه عشرات الآلاف من المواطنين من مختلف المناطق والأعمار والخلفيات الاجتماعية. لم يُطلب من المشاركين فقط تسمية القضايا التي تؤثر عليهم، بل كذلك شرحها وتقديم أسبابهم واقتراح ما قد يكون غائباً عن الاستبيان.
ما برز من النتائج لم يكن صادماً، لكنه كان كاشفاً لدرجة تجاهل السياسات التقليدية لتجربة المواطن اليومية. تكاليف المعيشة كانت القلق الأول لدى غالبية المشاركين، بدءاً من أسعار الغذاء والطاقة، وصولاً إلى آثار التضخّم العام. أزمة السكن احتلت المرتبة الثانية، وقد تكرّرت فيها إشارات واضحة إلى تآكل الحلم الأسترالي القديم بامتلاك منزل، وتحول السكن إلى مصدر توتر وجودي. أما الرعاية الصحية، فقد ظهرت كأحد مصادر القلق العميق، لا سيما في المناطق الريفية والنائية حيث تقلّ فرص الوصول إلى خدمات لائقة. البيئة بدورها لم تغب عن المشهد، بل ارتبطت في وعي المشاركين بالحرائق والفيضانات وتبعات تغيّر المناخ التي أصبحت ملموسة في الحياة اليومية. وحتى الجريمة، بكل أطيافها من العنف المحلي إلى الهجمات السيبرانية، وجدت لها حيّزاً معتبراً في وجدان الناس.
اللافت في هذه التجربة ليس فقط ما كشفت عنه من أولويات، بل كيف تمكّنت من التقاط الفروقات الدقيقة بين المناطق. في ولاية نيو ساوث ويلز، على سبيل المثال، كانت أزمة السكن أكثر إلحاحاً من غيرها، فيما ظهرت قضايا النقل والبنية التحتية بشكل أبرز من المتوسط الوطني. مثل هذه التفاصيل لا تظهر في استطلاعات رأي نمطية، بل تحتاج إلى حساسية بحثية عالية، وإلى تصميم منهجي يُراعي التنوّع الجغرافي والديمغرافي.
ما ميّز المشروع أيضاً هو كونه لا يهدف إلى لحظة واحدة من الإصغاء، بل إلى عملية طويلة الأمد. فالمسح الوطني سيُعاد سنوياً، ليتيح تتبع تحوّلات الرأي العام، ويمنح الباحثين وصناع السياسات قدرة أكبر على التكيّف مع المتغيرات. إنه ليس مجرد تقرير عابر، بل بداية لبناء قاعدة معرفية حيّة تُستند إليها قرارات الغد.
مع هذا المشروع تحوّلت الجامعة إلى وسيط بين المعرفة النظرية والخبرة الشعبية، بين التخصص الأكاديمي والواقع الاجتماعي، بين الدولة والمواطن. فالناس لم يعودوا مجرّد “مبحوثين”، بل شركاء في تشكيل الأسئلة ذاتها. وفي ذلك ما يتجاوز البحث العلمي إلى الفعل السياسي، إذ يُعاد تعريف من له الحق في تحديد الأولويات العامة، وما الذي يُعدّ “مسألة مستعصية” أصلاً.
وبالتالي، فإنّ ما تقدمه هذه التجربة ليس مجرد استطلاع رأي، بل هو فضلاً عن ذلك درس في كيفية إرساء شرعية جديدة للسياسات العامة، من خلال إشراك من تمسهم هذه السياسات مباشرة. إنها إعادة اعتبار لسلطة التجربة اليومية، ولذكاء الجمهور حين يُحترم ويُستمع إليه. بل لعلها أيضاً دعوة إلى الجامعات لتتخلى قليلاً عن أبراجها العاجية، وتنزل إلى حيث تصاغ المشكلات الحقيقية، لا في المؤتمرات، بل في الطوابير، وفي الشوارع، وفي رسائل الاعتراض.
في عالم عربي تغيب عنه هذه الآليات في الإصغاء العلمي، وتُصاغ فيه السياسات غالباً بعيداً عن مشاركة المجتمع، تظهر تجربة فليندرز كمثال جدير بالتأمّل وربما بالتبني. ففي زمن تتسع فيه فجوة الثقة بين الناس ومؤسساتهم، يظلّ الإصغاء هو الخطوة الأولى نحو ترميم العقد الاجتماعي.
المراجع:







