يختار بعض الأشخاص تبني حيوانات أليفة لرعايتها. لكن من كان يتصوّر أن الأشجار قد تجد من يتبنّاها؟ مبادرةٌ فريدة في سيراليون لمواجهة تدهور البيئة، وُلدت عبر تطبيقٍ ذكيٍّ يمكّن المواطنين من تبنّي أشجارٍ جديدة ومتابعتها عبر بياناتٍ دقيقة وصورٍ حيّة، سعياً إلى تحسين جودة الهواء وتخفيف الحرارة وإحياء التنوّع الحيوي، فضلاً عن خلق فرص عملٍ خضراء.
وسط التحديات المناخية التي تضرب مدن الجنوب العالمي، تتخذ فريتاون، عاصمة سيراليون، موقفاً مختلفاً: بدل أن تستسلم لتداعيات التغير المناخي والتوسع العمراني، قررت أن تزرع أشجاراً، وتزرع معها الثقة والمشاركة، والأهم من ذلك، القدرة على الاستمرار. فريتاون لم تكتفِ بحملات تشجير موسمية تنتهي بصور تذكارية، بل طوّرت نموذجاً رقمياً يربط كل شجرة بمواطن، وكل عناية بدفعة مالية، وكل صورة على التطبيق بخطوة نحو مستقبل أكثر اخضراراً.
خلال السنوات الماضية، واجهت المدينة أزمات بيئية متراكمة: من انحسار الغطاء النباتي على التلال، إلى الانزلاقات الأرضية التي خلّفت مآسي بشرية كما في كارثة جبل “شوجر لووف” عام 2017، مروراً بفيضانات موسمية، وتدهور في جودة الهواء، وارتفاع كبير في درجات الحرارة. في قلب هذه التحديات، كانت الأشجار تختفي، بينما تزداد كثافة البناء غير المنظم، ويتراجع التخطيط الأخضر، وتتقلص المساحات التي تمنح المدن توازناً بيئياً طبيعياً.
لكن الحل في فريتاون لم يأتِ من الجهات الدولية أو التمويل الخارجي، بل من داخل المدينة نفسها. فقد انطلقت تحت قيادة رئيسة البلدية حملة في العام 2020 باسم “فريتاون تصبح تري تـاون”، أي مدينة أشجار، بهدف طموح: غرس مليون شجرة بحلول العام 2023. غير أن الطموح لم يكن في العدد فقط، بل في كيفية ضمان بقاء هذه الأشجار على قيد الحياة.
في هذا السياق، جاء الابتكار الحقيقي: تطبيق رقمي بسيط، لكنه محوري، يمكّن السكان من تبنّي الأشجار، وتتبّعها، وتحميل صورها، وقياس نموّها. كل شجرة تُزرع، تُحدَّد إحداثياتها الجغرافية وتُسجّل في التطبيق، وتُربط بشخص من الأهالي، غالباً من الشباب أو النساء، مكلّف بالعناية بها مقابل دخل شهري. لكن هذه الدفعات لا تُمنح تلقائياً، بل تُصرف بناءً على تحديثات دورية في التطبيق، تُظهر أن الشجرة حية وتنمو. هكذا يصبح الشجر مصدر دخل، لا عبئاً، ويصبح البقاء شرطاً للتمويل.
التطبيق لا يخدم الرعاية المحلية فقط، بل يربط بين المزارعين والممولين والداعمين حول العالم. أي شخص، من أي مكان، يمكنه “تبنّي” شجرة، ومتابعة مسارها، والمساهمة في تمويل العناية بها. هكذا تحوّلت الأشجار إلى جسر بين فريتاون والعالم، بين الأرض والمحمول، بين الاقتصاد الأخضر والتضامن الرقمي.
والنتائج لم تتأخر. فبحلول العام 2023، كانت المدينة قد زرعت أكثر من 850 ألف شجرة، بمعدلات بقاء أعلى بكثير من المبادرات التقليدية. الشوارع باتت أقل سخونة، والهواء أنقى، والتنوّع البيولوجي بدأ يستعيد بعضاً من حضوره. والأهم من ذلك، الآلاف من فرص العمل ظهرت، خصوصاً للنساء والشباب الذين غالباً ما يُستبعدون من اقتصاد المدينة الرسمي.
لكن الأثر لا يقف عند البيئة والاقتصاد. البرنامج أعاد تعريف علاقة المواطن بالمدينة. حين يكون لكل شخص شجرة يعتني بها، يتحول الشعور بالملكية من مجرد أوراق قانونية إلى التزام أخلاقي، وشعور بالفخر، ودور فاعل في مستقبل البيئة الحضرية. والمفاجأة الأكبر أن هذا النظام الرقمي البسيط، الذي يربط العناية بالتمويل، فتح الباب أيضاً لتمويل من نوع جديد: المشترون الكربونيون، والمستثمرون ذوو الأثر الاجتماعي، وجدوا في فريتاون نموذجاً شفافاً وقابلاً للقياس في تعويض الانبعاثات الكربونية.
اليوم، ومع اتساع الاعتراف الدولي بهذه المبادرة، تدعو منظمات مثل ائتلاف C40 Cities وغيرها، إلى تعميم التجربة في مدن مشابهة تعاني من التحديات نفسها. فريتاون قدّمت نموذجاً حضرياً أفريقياً يجمع بين البساطة التكنولوجية، والتمكين المحلي، والتمويل المستدام، في معادلة قابلة للتكرار.
ثمة درس مهم تقدمه فريتاون: العمل المناخي لا يحتاج دائماً إلى تقنيات معقدة أو موازنات عملاقة، بل إلى إرادة حقيقية، وأدوات ذكية، ومجتمعات جاهزة لتكون جزءاً من الحل. لقد غيّرت فريتاون الطريقة التي نفكّر بها في التشجير: لم تعد الأشجار مجرد منظر أخضر، بل أصبحت أصلاً مالياً، ومصدر فخر، وعقد شراكة بين المواطن والمدن والعالم.
والأهم أن المدينة أثبتت أن المجتمعات، حين تمتلك الأدوات والثقة والحوافز، لا تزرع الأشجار فحسب، بل تزرع كذلك الأمل.
المراجع:









