نظام إنذار مبتكر ضد الزلازل في الصين

شكلت الظواهر الطبيعية أحد أخطر العوامل التي هددت العديد من الحضارات عبر التاريخ، وقد كان للصين حصَّتُها الوافرة منها، لا سيما الزلازل التي أدّت إلى كوارث كبرى وأحدثت خسائر بشرية واقتصادية.

شارك هذا المحتوى

شكلت الظواهر الطبيعية أحد أخطر العوامل التي هددت العديد من الحضارات عبر التاريخ، وقد كان للصين حصَّتُها الوافرة منها، لا سيما الزلازل التي أدّت إلى كوارث كبرى وأحدثت خسائر بشرية واقتصادية. وبغية التصدي لخطر الزلازل، قدّمت الحكومة الصينية مؤخراً عبر ” إدارة الزلازل الصينية” (CEA) ابتكارها الأحدث في مجال الاستجابة للكوارث، وهو نظام الإنذار المبكّر والذي يرصد الموجات الأولى للزلازل ويرسل التنبيهات ضمن محيط الكارثة، وعبر وسائل تواصل مختلفة خلال 5 إلى 10 ثوانٍ فقط، لتنبيه السكان وإطلاق عمليات الاستجابة السريعة للزلزال.

كما أن الزلازل والأعاصير والبراكين وغيرُها من الكوارث الطبيعية تهدد سلامة مدن كثيرة حول العالم وتثير قلق السلطات المعنية بعمليات الإغاثة وفرق الدفاع المدني. ولذلك تعمل الحكومات منذ عقود على تطوير سبل الوقاية من الكوارث الطبيعية والاستجابة لها، وتواصل المراكز البحثية جهودها لابتكار تقنيات تساهم في التنبؤ باقتراب حدوثها والتحذير منها. وفي واقع الأمر هناك فرق بين التنبؤ بالزلازل والتنبيه بوقوعها، لأن التنبؤات تتم قبل وقوع الزلزال، وهي تحدٍّ عالميٌّ مُلِحّ يتطلب بحوثاً ومراقبة دائمة للعديد من الظواهر الطبيعية، وأما التنبيهات، فهي محاولات لإنذار السكان والسلطات بعد بدء الزلزال، أي أنّها تتم ضمن إطارٍ زمنيٍّ ضيق، وتتطلب تنسيقاً عالياً وتقنياتٍ متقدِّمة.

وفي الصين، وهي من الدول الرائدة تكنولوجياً، فقد ضربَ زلزالٌ مدمِّر مقاطعة “ونتشوان” في العام 2008 وأودى بحياة أكثر من 69 ألف شخص، كما أدى إلى خلخلة التربة مما جعل المنطقة عرضةً للكوارث الجيولوجية كانزلاق التربة. وفي أعقاب هذه الواقعة، توجهت مختبرات الإنذار المبكِّر للزلازل في الصين نحو تطوير أنظمة إنذارٍ لمنع تكرار كارثةٍ كهذه. ولكن أنظمة الاستجابة للكوارث وخصوصاً الزلازل تحتاج إلى خاصيتين مهمتين وهما القدرة على العمل بسرعةٍ ودقةٍ لا متناهيتَين.

وضمن الجهود الساعية لتطوير أنظمة الإنذار المبكر للزلازل، فإن “إدارة الزلازل الصينية” تعمل منذ العام 2018 على إعداد شبكةٍ للإنذار المبكر كأحدث ابتكارٍ تقدِّمه الحكومة الصينية في هذا المجال، لتبدأ الشبكة عملها بحلول نهاية العام المقبل. وستعمل هذه الشبكة على إصدار التنبيهات باقتراب الزلزال قبل ثوانٍ من بدء موجاته المدمِّرة، عبر إرسال تحذيرات إلى الأشخاص المتواجدين في مسافة تغطي أكثر من 20 كيلومتراً على محيط مركز الزلزال، وذلك لتمكينهم من تجنب الخطر والتواجد في أماكن آمنة. حيث يقوم النظام بتوجيه رسائل الإنذار المبكِّر عبر التلفاز والإذاعة وتطبيقات الهواتف الذكية والمنصات الإعلامية، وستشمل هذه التنبيهات العديد من المرافق الحيوية، ومن بينها أكثر من 3 آلاف مدرسة وعشرات السكك الحديدية، حيث تم بناء محطات مراقبةٍ تغطي حوالي 40% من شبكة القطارات الصينية وتمتدّ لمسافةٍ تقارب 13 ألف كيلومتر.

وتعتمد هذه الأنظمة على طبيعة الموجات الزلزالية، وعادةً ما تكون الموجات الزلزالية الأولى ضعيفةً ومحدودة الأثر نسبياً، لكنَّها تمهِّد للموجات التالية الأقوى أثراً. ولذلك، فقد تمت برمجة النظام لرصد الموجات الأولى عبر أجهزة الاستشعار واستخدام الأقمار الصناعية لإرسال تحذيراتٍ قبل ثوانٍ من الموجات الثانية التي تسبب اهتزازاتٍ أرضيةً قويةً. وقد تم توصيل المحطات بأنظمة المراقبة وشبكات الاتصالات ومعالجة البيانات وأنظمة خدمة معلومات الزلازل الطارئة. وبعد تلقّي التنبيهات، تتمكن السلطات من اتخاذ التدابير اللازمة لإجلاء السكان وحماية البنى التحتية والمرافق الحيوية والمشاريع الهندسية، إلى جانب القيام بإجراءات الإيقاف الطارئ للقطارات الفائقة السرعة وإغلاق أنابيب الغاز.

ومنذ انطلاقة المشروع، قامت “إدارة الزلازل الصينية” ببناء أكثر من 15 ألف نقطة مراقبةٍ منتشرةٍ على مساحة البلاد ووضعها قيد التشغيل التجريبيّ، بعد أن اختبرت على مرِّ السنوات الثلاث الفائتة محطاتٍ محددةً في عدّة مقاطعات.

ونظراً لتعذُّر جمع كل البيانات اللازمة من موقعٍ واحد، لا سيما في المناطق الأكثر عرضةً للزلازل، فقد قررت “إدارة الزلازل الصينية” مواجهة هذا التحدي وذلك بتكثيف محطات المراقبة في مواقعَ محددة. وبهذه الطريقة، تم نشر عدّة سلاسل من محطات المراقبة في بعض المناطق الرئيسية مثل شمال الصين ومنطقة الحزام الزلزاليّ والمنطقة الساحلية بحيث تفصل 12 كيلومتراً بين كلِّ محطةٍ والتي تليها.

وخلال هذا العام وحده، ساعدت تحذيرات النظام في الوقاية من 3 زلازل في مقاطعة “يونّان”، تراوحت شدّتها من 5.0 إلى 6.4 درجةً على مقياس ريختر. وفي مقاطعة “يانغبي”، التي ضربَها أقوى الزلازل الثلاثة، استطاع النظام إيصال التنبيه إلى 14 ألف وحدةٍ سكنية عبر التلفاز في غضون 7 ثوانٍ من الهزات الأولى. وقد أسهم ذلك في تهدئة السكان وتمكين السلطات من إطلاق الاستجابة الطارئة في الوقت المناسب.

إن هذا النظام يغطي حالياً 31 مقاطعةً وبلديةً، وقد أصدرَ منذ إطلاقه 40 إنذاراً لم يكن أي منها خاطئاً. وكانت “إدارة الزلازل الصينية” قد قدّرت عند بدء تنفيذ المشروع قبل بضعة سنوات أن يستغرق إنجازُه 5 سنوات، وأنّه سيلعب دوراً مهماً في الحد من الكوارث وتوفير معلوماتٍ جوهريةٍ حول تقنيات الإنذار المبكر، لدراسة الكوارث الطبيعية وتحقيق استجابةٍ سريعةٍ وفعّالةٍ مبنية على أسس علمية. كما أنّه حقق معدّلَ سرعةٍ متقدِّماً على مستوى العالم، لتكونَ الصين الدولة الثالثة بعد اليابان والمكسيك التي تمتلك هذا المستوى المتقدّم من القدرة على التحذير من الزلازل.

ومن الجدير بالذكر أنّ أنظمة الإنذار المبكّر بالأخطار المتعددة محط اهتمام الأمم المتحدة التي وضعت خطةً لنشرِ هذه الأنظمة وتشغيلها في معظم دول العالم بحلول العام 2030.

 

المراجع:

http://english.www.gov.cn/statecouncil/ministries/202108/09/content_WS611081a2c6d0df57f98de376.html

https://www.globaltimes.cn/content/1203521.shtml

http://english.www.gov.cn/news/videos/202109/14/content_WS61400a4fc6d0df57f98e025d.html

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.