إنقاذاً للشّعاب المرجانية من الانهيار، طوّر علماءٌ تقنيةً تقوم على بث أصوات الشعاب السليمة في المواقع المتضررة عبر مكبّرات صوت مثبّتة تحت الماء. هذا الإثراء الصوتي يعيد إحياء الصوت الطبيعي الذي تجتذب به الشعاب الكائنات البحرية، ما يحفّز الأسماك ويرقات المرجان على العودة والاستقرار. أظهرت التجارب الميدانية نتائج مذهلة، حيث زادت معدلات التجمعات البحرية والاستيطان المرجاني بنحو سبعة أضعاف. هذه التقنية منخفضة التكلفة وسهلة التطبيق تُعدّ رافعة جديدة لجهود الاستعادة البيئية، وتقدّم نموذجاً غير تدخّلي يدمج بين العلم والطبيعة لإعادة بناء ما فُقد.
في الأعماق الصامتة للمحيطات، حيث كانت الشعاب المرجانية تضجّ بالحياة، تحوّلت الألوان إلى رماد، والأصوات إلى فراغ. لعقود، واجهت هذه “غابات البحر” تراجعاً حاداً بفعل تغيّر المناخ، وارتفاع حرارة المياه، والتلوث، والصيد الجائر. ومع كل موجة بيضاء من التبيّض، تخسر الشعاب مزيداً من تنوّعها، وتُهجر من الكائنات البحرية التي كانت تعتمد عليها مأوى وغذاءً وملاذاً.
لكن في مواجهة هذا التدهور البيئي غير المسبوق، جاءت محاولة إنقاذ لا تشبه الطرق التقليدية: لا تعتمد على زراعة الشعاب، ولا على إنشاء هياكل صناعية، بل على الأصوات. نعم، الأصوات.
في واحدة من أكثر الابتكارات غرابة وجرأة في مجال الحفاظ على البيئة، طوّر علماء من جامعة إكسيتر البريطانية، بالتعاون مع باحثين أستراليين، تقنية جديدة تقوم على بث تسجيلات لصوت الشعاب المرجانية السليمة عبر مكبّرات صوت تُزرع في قاع البحر. الهدف؟ إغراء الأسماك واليرقات البحرية بالعودة، وبناء حياة جديدة في أماكن هجرتها الكائنات وأصابت فيها الصمت.
البداية كانت على الشعاب الميتة في الحاجز المرجاني العظيم، حيث وُضعت مكبّرات صوت تحت الماء، تبثّ تسجيلات عالية الجودة لمواقع شعاب مزدهرة. ما حدث فاق التوقعات: عادت الأسماك الصغيرة إلى الموقع بأعداد أكبر بكثير من المعتاد، وارتفعت معدلات استقرار يرقات المرجان بواقع سبعة أضعاف مقارنة بالمناطق التي لم تُستخدم فيها الأصوات.
الابتكار لم يقف عند هذا الحد. بل طوّرت الفرق البحثية لاحقاً مجسّمات ثلاثية الأبعاد تُشبه الشعاب المرجانية، ومزوّدة بسماعات خفيّة تنشر الصوت بشكلٍ غامر ومتوازن في أرجاء الموقع. هذا الدمج بين التصميم الفني والدقة الصوتية خلق بيئة صوتية أكثر إقناعاً للكائنات البحرية، وأقرب إلى “الصوت الطبيعي” الذي تبحث عنه عند اختيار مواقعها الجديدة.
تكمن قوة هذا الابتكار في بساطته وتكلفته المنخفضة مقارنة بالوسائل التقليدية التي تتطلب غوصاً يدوياً، ونقل مستعمرات مرجانية، أو إنشاء هياكل إسمنتية ضخمة. هنا، لا يتم إدخال أجسام غريبة أو العبث بالنظام البيئي، بل يُعاد إحياء أحد عناصره الأساسية: الصوت. فكما يوجّه الطيور في البرّ نداء أقرانها، تعتمد يرقات الأسماك والشعاب في البحر على الضجيج الطبيعي للشعاب الصحية كي تهتدي إلى المكان المناسب للاستقرار.
ومن الطبيعي أن هذا الابتكار لم يمرّ مرور الكرام. فقد بدأ يلفت انتباه إدارات المحميات البحرية والمنظمات البيئية حول العالم، خاصة في الدول الساحلية محدودة الموارد. بفضل سهولة تطبيقه، وفاعليته العالية، وإمكانية نشره في مناطق نائية، صار “الإثراء الصوتي البيئي” أداة واعدة في معركة إنقاذ الشعاب المرجانية.
لكن الأثر يتجاوز الجوانب البيولوجية. فتقنيات الصوت هذه تُستخدم أيضاً في التوعية العامة والسياحة البيئية، عبر “تركيبات صوتية تحت الماء” تتيح للزوار سماع نبض الحياة البحرية، والتواصل مع نظام بيئي لا يُرى عادةً، لكنه يُسمَع. وهذا بحدّ ذاته بُعد إنساني وفني جديد يقرّب الناس من المحيط بطريقة غير تقليدية.
اليوم، وفي ظل تسارع تهديدات تغيّر المناخ وازدياد حموضة المحيطات، يصبح لزاماً علينا أن نبحث عن حلول مرنة، مبتكرة، ومستدامة. ومع أن الصوت لا يعوّض فقدان الكتلة المرجانية الميتة، فإنه يمنح النظام الطبيعي فرصة لالتقاط أنفاسه والبدء من جديد. فحين تعود الأسماك، وتحط اليرقات، وتبدأ السلسلة الغذائية في التشكّل مجدداً، تتشكل دورة حياة جديدة، لا بفضل أدوات البناء، بل بفضل الأصوات المنسية.
في زمن نحاول فيه تقليل الضجيج على اليابسة، تذكّرنا المحيطات أن بعض الضجيج… يُعيد الحياة.
المراجع:









