النمذجة الرياضية والمحاكاة الحاسوبية لتحسين سياسات الصحة النفسية والعقلية في أستراليا

استجابةً لما خلَّفته جائحة كوفيد-19 من تبعاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ، وما صاحبَ كلَّ ذلك من آثارٍ نفسية، قامت أستراليا بتطوير نظام يعتمد على النمذجة الرياضية والمحاكاة الحاسوبية للتعرف على عدّة سيناريوهات تهدف إلى دراسة حالات المرض النفسي لدى السكان والتنبؤ بها مستقبلاً.

شارك هذا المحتوى

استجابةً لما خلَّفته جائحة كوفيد-19 من تبعاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ، وما صاحبَ كلَّ ذلك من آثارٍ نفسية، قامت أستراليا بتطوير نظام يعتمد على النمذجة الرياضية والمحاكاة الحاسوبية للتعرف على عدّة سيناريوهات تهدف إلى دراسة حالات المرض النفسي لدى السكان والتنبؤ بها مستقبلاً. وقد نجح المشروع بتزويد صنّاع القرار بأدواتٍ للتنبؤ بتأثير السياسات على الصحة النفسية والعقلية للمواطنين وتخطيط الاستراتيجيات بناءً عليها.

تعتمد الصحة العقلية والنفسية على تبادل العلاقات الديناميكية عبر مختلف الأنظمة المادية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، لتُنتِجَ شبكةً معقَّدةً من المتغيرات التي باتَ استخدام أساليب التحليل التقليدية للتعامل معها أمراً صعباً وغير مجدي. ويقف علم الأمراض النفسية والعقلية اليوم أمام مرحلة حساسة، ما حثَّ السلطات الصحية في أستراليا على الابتكار لتخفيف حدة التهديدات المرتبطة بجائحة كوفيد-19، والأزمات الاقتصادية والنفسية التي أعقبتها. حيث يعاني 1 من كلِّ 5 مواطنين أستراليين من مستوياتٍ عاليةٍ جداً من التوتر النفسي المرتبط بالجائحة، كما يشكِّل الشباب والنساء الفئتَين الأكثر عرضةً للأزمات النفسية.

وحتى وقتٍ قريب، كان المجهود الأكبر للعاملين في قطاع الصحة النفسية يركز على تقييم ودراسة الأحداث الماضية، وبالتالي لم تكن تتوفر الفرص الكافية للتنبؤ بمستقبل الصحة النفسية وتقدير الآثار الناتجة عن الإجراءات والسياسات المقترحة لمعالجة تحدياتها. وتوجهت أستراليا مؤخراً إلى الاعتماد على تقنيات النمذجة الرياضية التي تسمح للباحثين بمحاكاة السيناريوهات البديلة لبرامج الرعاية مثل تخطيط السلامة أو تمكِّنهم من اختبار أثر مكوّن أو عدّة مكوِّنات أساسية للبرامج الوقائية كمدَّتها ونطاقها لاختيار الأنسب بينها، وهي البرامج الجديرة بتحقيق الأثر الأمثل على السكان. وكلُّ هذا يقدِّم رؤى حيويةً لتصميم برامج الصحة النفسية بعنايةٍ قبل تطبيقها على نطاقٍ واسع.

ولتحقيق هذا الهدف، عملَ علماء أستراليون على مدى السنة الماضية من خلال تقنيات النمذجة الرياضية على تطوير سلسلةٍ من النماذج على مستوى الأقاليم والولايات والبلاد عموماً، وقد درست تلك النماذج التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيد-19 على الصحة النفسية والعقلية من خلال محاكاة حالات المرض النفسي وعرضها على مدار 5 إلى 10 سنوات قادمة، كما قدمت النماذج تحليلاً لمستويات استخدام خدمات الصحة النفسية وأوقاتِ الانتظار المتوقعة للوصول إلى الخدمات والسلوكِ الانتحاري. وقد طبَّق العلماء نظام المحاكاة على المستويَين الفرديّ والمجتمعيّ، فاتّجهوا إلى دراسة أثر التدابير الوقائية الاجتماعية كالتوظيف والتعليم وبرامج دعم الدخل والصحة العقلية والنفسية وبرامج الوقاية من الانتحار. وتم بعدها إطلاقُ حملات التوعية وتوسيعُ قدرة الخدمات وتعزيز الرعاية النفسية للناجين من محاولات الانتحار.

ويعود اهتمام الحكومة الأسترالية بالصحة النفسية مؤخراً إلى ما قد كشفته دراسةٌ استقصائية أجراها “مكتب الإحصاء الأسترالي”، حيث تشير إلى أن تفشي فيروس كورونا والإجراءات الحكومية للحد منه كإغلاق المدن وفرض التباعد الاجتماعي أدَّت لزيادة الضغوط النفسية لتبلغَ معدلات عالية بين السكان، لا سيما أن الكثيرين منهم قد خسروا وظائفهم مما ترتب عليه ضوائق مادية أدت إلى حالات توتر وأزماتٍ نفسية. واستدعى كل ذلك استجابة الحكومة لتحسين الصحة النفسية لمواطنيها. بيدَ أنّ تخطيط الاستجابة لتلك التحديات في غياب مدخلاتٍ من الفئات المعنية قد يكون عرضةً لطرح سياسات وبرامج وقائية أو علاجية بعيدة عن الواقع قد لا تحقق الأثر المنشود. كما يمكن أن يفضي ذلك إلى قراراتٍ سياسيةٍ وتخطيطيةٍ تفتقر للدعم المجتمعي.

وتمكّنت السلطات عبر تقنيات النمذجة الرياضية وتقدير أثر العوامل المختلفة على الصحة النفسية من تحديد المواقع الأكثر حاجة للدعم للعمل عليها في الوقت المناسب قبل إطلاق الاستراتيجيات وتنفيذِها. وبالتالي، فقد ساهمت هذه الجهود في رفع وعي الجمهور، وحثِّ الحكومة الأسترالية على زيادة الاستثمار في قِطاع الصحة النفسية والعقلية، ليبلغَ قرابة 1.72 مليار دولار أمريكي على مدى 5 سنوات. وبالإضافة لذلك، أسس هذا التوجه نهجاً شفافاً وشاملاً ساعد في حشدِ الدعم المجتمعي وإعادةِ بناء الثقة بين المجتمعات وصانعي القرار لتعزيز الصحة النفسية.

ومن شأن هذا التطور تعزيزُ الصحة النفسية المدعومة بالتقنيات الحاسوبية كمجالٍ ناشئ، عبر تحليل البيانات، والتي تشمل معدّلات استخدام خدمات الصحة النفسية ونتائجَها، وترصد التغييرات التي تطرأ بمرور الوقت، وعبر تحسين جودة البيانات وتطوير البرامج وتمكين الفئات المعنية التي لا تمتلك الخبرات التقنية من الوصول إليها، سيكون له أثراً ايجابياً في مشاركة الفئات كافة في التصميم والاختبار حتى في غياب المعرفة التقنية.

ويمكن للمنصات الرقمية – في حال تم نشرِها في المواقع الأكثر حاجة – أن تؤمن رقابةً حقيقيةً وحيّةً لرصد محاولاتٍ إيذاء النفس أو الانتحار. وعبر المعلومات التي تقدِّمها مدعومةً بتقنيات التعلّم الآليّ، ستطور أنظمةً دائمة التحديث لدعم اتخاذ القرارات وتسهيل الاستجابة السريعة لأزمات الصحة العقلية والنفسية على المستوى المجتمعيّ.

ويجري ضمنَ تجربة “أمل” (هوب) التي تقودها ولاية فيكتوريا تصميم برنامجٍ جديدٍ لدعم فئة الشباب ممن لجأ للرعاية الطارئة بعد محاولة إيذاء النفس. فيما انطلقت، بالتزامن مع التجربة الأسترالية، جهود مماثلةٌ في بلدان أخرى مثل كولومبيا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، لاعتماد نمذجة الأنظمة لتخطيط سياسات الصحة النفسية.

 

المراجع:

https://www.scientificamerican.com/article/mathematical-modeling-and-computer-simulations-guide-better-mental-health-policy/

https://www.theguardian.com/world/2021/jul/14/covids-mental-health-toll-one-in-five-australians-report-high-levels-of-psychological-distress

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.