سنغافورة تستعد للفيضانات وارتفاع منسوب مياه البحر

اختارت الهيئة الاستثمارَ في تقنية الرادار لزيادة دقة تنبؤات الهطول المطريّ، حيث تتبع لها 6 رادارات تعمل على مراقبة غزارة الأمطار في دائرةٍ بقطر 60 كيلومترٍ في الأجزاء الشمالية والشرقية والغربية من سنغافورة. ومن خلال البيانات التي تجمعُها هذه الأجهزة، تتم تغذية أول نظام نمذجةٍ حاسوبيةٍ في البلاد، والذي سيتم تطويره على مدى 4 سنوات بكلفة 13.4 مليون دولار ليقوم بتحليل المعطيات وإصدار تنبؤاتٍ قبل قرابة نصف ساعة من بدء هطول الأمطار، وذلك عبر تتبُّع درجات الحرارة وتكوين السحب الماطرة وسرعة حركتها. سيحاكي النموذج الساحليّ للنظام التغييرات المحتملة للأمواج والرياح قرب الشاطئ، فيما سيعالج نظيرُه الداخليّ الفيضانات الناتجة عن الأمطار أو تغيّر منسوب مياه البحر. بهذا، يقيِّم النموذجان المخاطر وفق سيناريوهاتٍ مختلفة.
A general view of the skyline in the central business district of Singapore July 2, 2015. Singapore economy unexpectedly contracted in the second quarter as sluggish global demand knocked the city-state's manufacturing sector, dimming the outlook as growth in key trade partner China continues to cool. Picture taken July 2, 2015. REUTERS/Edgar Su

شارك هذا المحتوى

لتعزيز قدرة المجتمع السنغافوريّ على الصمود أمام الفيضانات المفاجئة، تطوِّر الهيئة الوطنية للمياه عدة أدوات تكنولوجية للتنبؤ بهذه الظواهر واحتواء آثارِها.

تشير الإحصائيات إلى أن الفيضانات هي أكثر الكوارث الطبيعية شيوعاً، ونظراً لتعدُّد أسبابها وتنوُّعِها تطال الكثير من الأراضي حول العالم، إلا أنّها تتكرّر في المناطق الساحلية والاستوائية بصورة خاصة.

في سنغافورة، لا يتجاوز ارتفاع قرابة 30% من أراضيها خمسة أمتار عن مستوى سطح البحر فقط، وهذا المعدّل في ازدياد وفقاً لتقرير تقييم المناخ الصادر عن دائرة الأرصاد الجوية السنغافورية في العام 2019. كما أنّ العاصمة عبارة عن شريط ساحليّ استوائيّ، ما يعرِّضها لظروف جوية قاسية كالعواصف الشديدة ومعدّلات الهطول المطري المرتفعة مما يزيد من إمكانية حدوث الفيضانات. واقعٌ فاقمه تغيّر المناخ بذوبان الصفائح الجليدية وارتفاع درجة حرارة المحيطات وعدم انتظام هطول الأمطار، حيث جعل كل هذا الفيضانات أكثر حدةً وتواتراً إلى درجة استحالة التنبؤ بها. ومع أنّها عادةً تستغرق نصف ساعةٍ لتبدأَ في الانحسار وتصبَّ في المصارف التي أنشأتها الحكومة عبر سنوات، يبقى خيارُ توسيعِ المصارف أو تعميقِها خياراً مرتفعَ الكلفة وغيرَ عمليّ. وإلى جانب الآثار المباشرة للفيضانات من خسائر للأرواح والممتلكات، فهي تتسبّب بتدمير المحاصيل الزراعية وفقدان الماشية وتعطيل الطرق والأعمال.

ولتبنّي استراتيجياتٍ أكثر كفاءة، تزيد الهيئة الوطنية للمياه في سنغافورة اعتمادها على التكنولوجيا في الوقاية من الفيضانات واحتواء آثارها، وذلك بالاشتراك مع الجامعة الوطنية في سنغافورة ومعهد المعلوماتية المائية.

بدايةً، طوّرت الهيئة نظامَ مراقبة ذكياً ينقل البيانات الحية من جميع أنحاء المدينة ومن مصادر مختلفة كأجهزة الاستشعار التي تقيس مستويات المياه في الخزانات والمصارف، أو التي تتتبّع معدّلات الهطول المطريّ، أو كاميرات أنظمة المراقبة بالفيديو.

تَرِد كلّ هذه المعطيات إلى لوحة قيادةٍ يديرُها طاقم مركز القيادة. ومن خلالها، يتابعون المناطق المعرّضة للفيضانات، ويتخذون القرار بشأن الفِرَق الميدانية التي ينبغي إرسالُها إلى منطقةٍ ما عقب تعرُّضِها لفيضان. ولهذا الغرض، استعانت الهيئة بـ13 مركبةً جديدة للاستجابة بسرعة للحالات المفاجئة، فحين يحدث فيضان في مكان ما، ينبغي أن تصل الفِرَق الميدانية بأسرع ما يمكن لإنشاء حواجز محمولة لإغلاق الطرق المتضررة، وتحويل حركة المرور عبر المسارات البديلة، وتقديم العون للمشاة الذين تقطّعت بهم السُبُل. كما زُوِّدت مركبات الاستجابة بأجهزة تعقُّب تعمل وفق نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) المتصل بكاميرات المراقبة، والذي يتيح المتابعة المباشرة لتدفّق الفيضان.

اختارت الهيئة الاستثمارَ في تقنية الرادار لزيادة دقة تنبؤات الهطول المطريّ، حيث تتبع لها 6 رادارات تعمل على مراقبة غزارة الأمطار في دائرةٍ بقطر 60 كيلومترٍ في الأجزاء الشمالية والشرقية والغربية من سنغافورة. ومن خلال البيانات التي تجمعُها هذه الأجهزة، تتم تغذية أول نظام نمذجةٍ حاسوبيةٍ في البلاد، والذي سيتم تطويره على مدى 4 سنوات بكلفة 13.4 مليون دولار ليقوم بتحليل المعطيات وإصدار تنبؤاتٍ قبل قرابة نصف ساعة من بدء هطول الأمطار، وذلك عبر تتبُّع درجات الحرارة وتكوين السحب الماطرة وسرعة حركتها. سيحاكي النموذج الساحليّ للنظام التغييرات المحتملة للأمواج والرياح قرب الشاطئ، فيما سيعالج نظيرُه الداخليّ الفيضانات الناتجة عن الأمطار أو تغيّر منسوب مياه البحر. بهذا، يقيِّم النموذجان المخاطر وفق سيناريوهاتٍ مختلفة.

بالإضافة إلى هذا، أقامت الهيئة ما يسمى بالحواجز الآلية، التي تنخفض تلقائياً إلى تحت مستوى الأرض مع تراجع منسوب المياه، دون الحاجة إلى أيّ تدخّل بشريٍّ أو ميكانيكيّ. وكانت التجربة الأولى لهذه الحواجز في العام 2021، حيث تمّ تركيبُها عند مدخل إحدى الوحدات السكنية. وقد أضافت الهيئة مؤخراً جهازاً جديداً يحمل اسم “بوابة الفيضان”، وهو مصنوع من إطارات فولاذية فائقة القوة ومغلّفة بطبقة مطاطية مقاومة للماء، وما يميِّزه هو قابلية التوسُّع في حال حدوث فيضان مفاجئ وإمكانية تثبيتِه عند مداخل المباني السكنية والتجارية والصناعية. وحيث يبلغ طول هذه الأجهزة 0.68 متر، فقد عملَ الفريق التقنيّ على إتاحةِ خيارات متنوّعة من حيث العرض تتراوح بين 0.77 و1.52 متر، كما يمكن ربطُ هذه الأجهزة معاً بحسب أبعاد المكان المُراد حمايتُه، سواءٌ أكان مبنى أو واجهة متجر أو أي منشأة أخرى.

ولزيادة التنسيق مع السكان المحليين، تعمل الهيئة على تطوير نظام إنذارٍ مبكّر لإعلام المواطنين بمواقع الفيضانات المحتملة عبر قنوات متعددة كالرسائل النصية، وصفحات وقنوات التواصل الاجتماعي وتطبيقٍ مختصٍّ بالمعلومات المتعلقة بالبيئة.

وبطبيعة الحال، ستواصل الحكومة تحسين أعمال الصرف الصحي، فخصّصت 1.63 مليار دولار لهذا الغرض على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ستستفيد الهيئة من تقنيات النمذجة المتقدّمة لبناء خبراتها، وتعزيز الدقة والسرعة في التنبؤ بالفيضانات ومواجهتها، وتقييم فعالية البنية التحتية المقترحة، وتحسين إدارة العمليات، ورصد تحدّيات المنهجية وآثارها.

بدورها، تتيح أنظمة المراقبة إدارةً أفضلَ لأسطول المركبات، حيث تُوجَّه فِرَق الاستجابة إلى النقاط المتضررة بسهولة وفي الوقت المناسب.

 وفقاً للهيئة الوطنية للمياه، فقد أثبتت حواجزُ الفيضانات الآليةُ كونَها حلاً فعالاً وقابلاً للتطبيق ومجدياً من حيث الكلفة. واليوم، تشجِّع السلطات السنغافورية مالكي المباني على تركيب حواجز كإجراءٍ احترازيٍّ لحماية ممتلكاتهم، لا سيما بالنظر إلى المرونة التي تتيحُها “بوابات الفيضان” الجديدة والمعلومات المباشرة التي توفِّرها قنوات التواصل، والتي جذبت أكثر من 10 آلاف مشتركٍ خلال الأيام الخمسة الأولى لإطلاقها.

وبمتابعة الجهود الحكومية على مدار خمسة عقود، فقد انخفض خطر الفيضانات في سنغافورة من مساحة 3200 هكتارٍ في السبعينات إلى 28 هكتار، مع استمرار هذا المسعى لحماية السنغافوريين من المخاطر الكوارث الطبيعية.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.