أمام أخطار كثيرة ومتنوعة تواجه رجال الإطفاء، من الأبنية الآيلة للانهيار إلى حالات الوهج الشديد التي قد تحدث في أي لحظة عند ارتفاع درجات حرارة الحرائق أو حرائق الغابات التي تلتهم كلّ ما في طريقها، لجأت عدة مدن أمريكية للذكاء الاصطناعيّ، بغية ترتيب أولويات هدم الأبنية القديمة، وإرشاد فِرَق الإطفاء في مهامها، والتنبؤ بحالات الانفجار الناتجة عن الحرائق الشديدة.
في مكانٍ ما من العالم، يتجه إطفائي الآن إلى عمله ليبدأ مناوبته، مثله في ذلك مثل عشرات الآلاف ممن يمارسون واحدة من المهن الأكثر إنسانية والأكثر خطورة في آنٍ معاً. يدرك كل واحد من هؤلاء أنّ فقدان الحياة احتمالٌ قائمٌ في كلِّ يوم عملٍ روتينيّ.
إلى جانب فقدان الحياة، تواجه طواقم الإطفاء احتمالاتٍ دائمةً بالإصابة بإعاقات أو فقدان زملائهم، ناهيك عن الآثار النفسية لمهنتهم التي تعتلي لائحة المهن الأكثر خطورة حول العالم، فكثيراً ما تلتهمهم ألسنة اللهب وهم يحاولون إخمادَها، أو تخنقهم الأبخرة السامة بينما يقتحمون الأبنية لإنقاذ العالقين فيها، أو تنهار الأسقف والجدران فوق رؤوسهم قبل أن يتمكّنوا حتى من إحصاء الضحايا المحتملين.
واقع مؤلم تشهده الولايات المتحدة الأمريكية التي تسجّل أيضاً أحد أعلى معدّلات الحرائق الحَضَرية والبرية، ففي العام 2022 وحده، أودت الأسطح المنهارة بحياة عشرات رجال الإطفاء عبر البلاد. وقع آخر هذه الحوادث المؤسفة في مدينة بالتيمور بولاية ماريلاند، حيث مات 3 من طواقم الإطفاء إثر انهيار سقف أحد الأبنية المهجورة التي قارب عدُدها في المدينة 15 ألف مبنى. أبنية معرّضة للانهيار في أية لحظةٍ ويتعذّر إصلاحُها، وستكلّف مبالغ باهظة إذا ما أرادت الحكومة هدمَها كلّها، وهي عملية محكومة بمدى ازدحام المنطقة وتوفّر الموارد.
تداعيات حادثة الانهيار دفعت وزارة الإسكان وتنمية المجتمع لإعادة النظر في طرائق حماية طواقم الإطفاء وإدخال حلولٍ أكثر حداثة وتطوراً، وفي مقدّمتها الذكاء الاصطناعيّ، وذلك بالتعاون مع مجموعة أبحاث علوم البيانات من أجل المجتمع في جامعة "كارنيجي ميلون".
طوّرت الوزارة أداة للكشف عن أسطح المنازل الآيلة للانهيار عبر خوارزميات ترصد علامات التلف، وذلك بالعودة إلى القوانين المعتمدة حالياً والبيانات المجموعة من عدة مصادر، أبرزُها نظم المعلومات الجغرافية والصور الملتقَطة من الجو أو التي وصلت إليها الوزارة عبر جهود مسبقة، مثل إحدى ورشات العمل التي عقدتها في العام 2018، والتي ضمّت عدداً من المتدرّبين، حيث عمل هؤلاء على مراجعة صور مُلتقطة لكلّ الأبنية المهجورة، وسرد خصائص المبنى وعيوبه. والحقيقة أنّ هذه الصور كانت مرجعاً بالغ الأهمية في بناء أداة الذكاء الاصطناعيّ، وعلى أساسها تم تحديد العقارات التي ينبغي هدمُها، قبل إدماج الأداة بنظام الإرسال بمساعدة الحاسوب المُعتمد لتوجيه فرق الاستجابة.
وقد طوّر المعهد الوطني للمعايير والتقنية بالتعاون مع جهات أخرى أداة باسم "فلاش نت" تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لرصد الوميض الذي يسبق اندلاع ألسنة اللهب الشديدة بثوانٍ. يحدث هذا الوميض اللاهب عند احتراق أو انفجار عدة أجسام قابلة للاشتعال في آن واحد بدرجة حرارة قد تصل إلى 600 درجة مئوية، والذي مما أيضاً يتسبّب في حدوث درجات حرارة مضاعفة.
وصلت دقة الأداة إلى 92.1% خلال 30 ثانية، وهي نتيجة مرتبطة ببيئات مألوفة، ما يتناقض مع طبيعة عمل فِرَق الإطفاء التي قد تضطر للعمل في مناطق تجهلها تماماً، لذلك قام الباحثون باستخدام الأداة لمحاكاة آلاف الحرائق في 17 مبنى مختلف وزوّدوها ببيانات من حوالي 25 ألف حريق سابق وقعت في أنواع مختلفة من المباني، بتصاميم متنوّعة، ومعطياتٍ متباينة بين حريق وآخر من حيث المنشأ ونوع الأثاث وعدد منافذ الهواء وغيرها، إلى جانب السيناريو الذي تواجهه طواقم الإطفاء أغلب الأحيان، وهو غياب أي معلومة حول تفاصيل المبنى أو الحريق المستعِر بداخله. وأخيراً، تم اختيار 16 ألف حالة لمرحلة الاختبار النهائي، والتي ستكون افتراضيةً بالطبع.
من الجدير بالذكر أنّ ولاية كاليفورنيا قد احتضنت تجربةً مشابهة، لكنّها استهدفت الغابات، حيث قامت الحكومة بتركيب شبكة مكونة من 1000 كاميرا عالية الدقة ومزوّدة بخاصية التكبير والتصغير والإمالة وبنطاق رؤيةٍ يفوق 190 كيلومتر في يومٍ صافٍ. تتصل هذه الكاميرات بالمركز الحاسوبيّ العملاق الواقع في مقر جامعة الولاية، لترسل بياناتها مباشرة من أجل النمذجة والتحليل التنبؤي، ليتم تحديد مصدر أي دخان تلتقطه الكاميرات.
لا يمكن إنكار فائدة تطوير خوارزمية قائمةٍ على الخبرة والتقييم البشريَين، لكنّ هذا ليس بالحل السهل، فهو يتطلّب مجهوداً هائلاً وآلاف ساعات العمل وكلفةً مرتفعةً تجعله لا يصلح كحلٍّ دوريّ، ويبقى محصوراً في نطاق دراسةٍ تُجرى كلّ بضع سنوات.
ستؤسس هذه الأدوات لنهج استباقيّ في التعامل مع قضايا الأبنية المعرّضة للانهيار وحرائق الغابات، وستفيد في تحذير المستجيبين وتخطيط عملياتهم.
وقد تفوّقت أداة "فلاش نت" على 5 أدوات ذكية أخرى مستخدَمة للحماية من الحرائق وسجلت أقل عدد من الإنذارات الكاذبة، وأكسبت بالتيمور جائزة الابتكار على مستوى المقاطعة.
المراجع:
- https://www.smartcitiesworld.net/ai-and-machine-learning/baltimore-utilises-ai-tool-to-detect-collapsed-rooftops
- https://www.usatoday.com/story/money/2019/01/08/most-dangerous-jobs-us-where-fatal-injuries-happen-most-often/38832907/
- https://statescoop.com/baltimore-ai-data-abandoned-buildings/
- https://www.nist.gov/news-events/news/2022/08/ai-may-come-rescue-future-firefighters
- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0952197622003220
- https://www.zdnet.com/article/how-ai-is-saving-homes-and-lives-in-california-during-wildfire-season/
- https://www.nfpa.org/News-and-Research/Data-research-and-tools/Emergency-Responders/Firefighter-fatalities-in-the-United-States
- https://www.nytimes.com/2022/06/18/us/philadelphia-building-collapse.html
- https://www.usnews.com/news/best-states/new-york/articles/2022-04-24/nyc-firefighter-dies-in-collapse-at-brooklyn-house-fire
- https://www.cbsnews.com/baltimore/news/new-details-surface-about-the-fire-that-killed-three-firefighters/
- https://www.wypr.org/wypr-news/2022-07-14/baltimore-city-council-member-pushes-to-demolish-thousands-of-vacant-properties
- https://www.washingtonpost.com/graphics/local/baltimore-life-death-and-demolition/
- https://dhcd.baltimorecity.gov/sites/default/files/30%20Day%20Vacants%20Memo%203.10.22_0.pdf