رؤية "صفر نفايات": حالة إدارة النفايات المبتكرة في كيل

رؤية "صفر نفايات": حالة إدارة النفايات المبتكرة في كيل

1 دقيقة قراءة
في ظل تفاقم ظاهرة التغير المناخي، تبنت مدن العالم مجموعة من الحلول للتعامل مع مشكلة النفايات، ومع ذلك بقيت تلك الحلول جزئية، قصرت عن معالجة المشكلة بشكل كامل. فما تزال مكبات النفايات تلوث التربة والمياه الجوفية، والمحارق تبث غازات الاحتباس الحراري، والفضلات تلوث البحار. لكن مدينة "كيل" الألمانية قطعت شوطاً كبيراً في مسارها لأن تصبح مدينة خالية كلياً من النفايات، أو ما يسمى بمفهوم "صفر نفايات"، وذلك من خلال تطوير استراتيجية شاملة في إدارة النفايات تعالج جميع جوانب انتاج، وإعادة تدوير، وتراكم النفايات، وتساهم في تحويل المشكلة إلى فرص اقتصادية مستدامة.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

في ظل تفاقم ظاهرة التغير المناخي، تبنت مدن العالم مجموعة من الحلول للتعامل مع مشكلة النفايات، ومع ذلك بقيت تلك الحلول جزئية، قصرت عن معالجة المشكلة بشكل كامل. فما تزال مكبات النفايات تلوث التربة والمياه الجوفية، والمحارق تبث غازات الاحتباس الحراري، والفضلات تلوث البحار. لكن مدينة "كيل" الألمانية قطعت شوطاً كبيراً في مسارها لأن تصبح مدينة خالية كلياً من النفايات، أو ما يسمى بمفهوم "صفر نفايات"، وذلك من خلال تطوير استراتيجية شاملة في إدارة النفايات تعالج جميع جوانب انتاج، وإعادة تدوير، وتراكم النفايات، وتساهم في تحويل المشكلة إلى فرص اقتصادية مستدامة.

تمثل ألمانيا، وهي من أكبر اقتصادات أوروبا، حالة غريبة بعض الشيء، فهي دولة رائدة عالمياً في مجال إعادة تدوير النفايات، لكنّها مع ذلك تعد بين أكثر دول القارة تلوثاً بالنفايات. حيث بلغ معدل إنتاج الفرد الواحد للفضلات نحو 646 كغ في العام، مقارنة بمعدل وسطي أوروبي بلغ 530 كغ، وفق إحصاءات العام 2021. وسجلت أربع دول أوروبية فقط معدلات أسوأ من ألمانيا. لكن مدينة "كيل" تميزت في ألمانيا بعد أن نجحت في خفض كميات النفايات بشكل ملفت، ما جعلها تفوز بلقب "مدينة صفر نفايات" الذي منحته لأول مرة شبكة "أوروبا- صفر نفايات" غير الربحية، المؤلفة من منظمات غير حكومية، والتي تتشارك في رؤيتها أكثر من 480 بلدية وهيئة محلية في مختلف دول الاتحاد الأوروبي، في مسعىً إلى مساعدة المدن على تنمية اقتصادها الدائري.

ورغم أن الشهادة التي تمنحها هذه الشبكة غير رسمية، إلا إنها تسلط الضوء على الرؤية والممارسات التي تتبعها المدن المشاركة في إدارة النفايات بهدف خفضها وإزالة أثرها على المجتمع والبيئة. يجدر بالذكر أن هذه الشهادة لا تعني أن المدينة قد حققت بالفعل المعدل الصفري في التخلص من النفايات، بل أنها وضعت خارطة طريق للارتقاء بإدارة النفايات، والتزمت باستراتيجيات شاملة تهدف إلى خفض إنتاج النفايات، وإعادة استخدامها وتدويرها، بالإضافة إلى تبني إدارة مبتكرة للموارد. ويمكن اختصار الفكرة العامة بأنها السعي نحو خفض الفضلات إلى أدنى مستوى، وفي ذات الوقت رفع القدرة على استغلال الموارد المتضمنة في النفايات إلى أعلى مستوى، ما يؤدي بدوره إلى تقليص عمليات التنقيب عن المواد الخام واستخراجها، وخفض البصمة الكربونية المرتبطة بتلك العمليات. بينما تساهم الاستراتيجيات المتعلقة بفرز النفايات، وبرامج إعادة التدوير والتصنيع، والتشجيع على استخدام المواد المستدامة على تخفيف العبء على مكبات النفايات.

تشمل خطة "صفر نفايات" التي وضعتها مدينة "كيل" مجموعة إجراءات يزيد عددها عن المئة، تهدف إلى خفض مستوى توليد النفايات بمعدل 15 بالمئة للفرد الواحد بحلول العام 2035. كما تهدف إلى خفض كميات النفايات العامة المتبقية (غير القابلة لإعادة التدوير) إلى النصف. ومن أهم مقومات نجاح المدينة في إعادة التدوير تطبيقُ خطة شاملة متعددة الأوجه، تتكامل من خلالها مجموعة من الإجراءات والمقاربات، مدعومة باستراتيجيات مختلفة للتعامل مع شؤون فرز النفايات، وبنية تحتية قوية، وتقنيات مبتكرة لإعادة التدوير. وركزت بعض المقاربات على التأثير الإيجابي على سلوكيات سكان المدينة لجذب مشاركتهم الفعالة في إنجاح الخطة.

بدأت المدينة، على سبيل المثال، بتطبيق نظام "ادفع قدر ما ترميه من نفايات" بشكل تجريبي. وقد نجح هذا النظام الذي يفرض رسوماً على البيوت وفق كمية النفايات العامة التي تجمعها البلدية منها، في خفض تلك النفايات بنسبة 25 بالمئة لدى تطبيقه في مدن أخرى في ألمانيا. كما وفرت المدينة حوافز مالية وعينية للاستغناء عن بعض المنتجات الصحية التي تستخدم لمرة واحدة فقط، مثل حفاضات الأطفال الشائع استعمالها، حيث تقدم المدينة منحة بقيمة 200 يورو (210 دولار أميركي) لكل أسرة لديها طفل حديث الولادة لشراء منتجات قابلة لإعادة الاستخدام.

من جهة أخرى، فرضت المدينة حظراً على استخدام المنتجات التي تستخدم لمرة واحدة، مثل الأكواب البلاستيكية، في المؤسسات العامة. كما تم تركيب نوافير لمياه الشرب في مختلف أنحاء "كيل" للحد من استخدام الزجاجات البلاستيكية. وكانت "كيل" قد بدأت منذ زمن بتطبيق نظام استقطاع مبلغ تأمين صغير لكل عبوة زجاجية يتم شراؤها، يمكن للمستهلك استرداده عندما يعيد العبوات الفارغة للمتجر، حيث يتم غسلها وإعادة استخدامها.

وفي سعيها للابتكار والحلول العملية، تعمل مدينة "كيل" أيضاً في مجال إعادة التدوير إلى منتجات أعلى قيمة، وحتى في إعادة تدوير النفايات المعدومة القيمة نظرياً إلى منتجات مفيدة، حيث شجعت الابتكارات في هذا المجال. على سبيل المثال، تقوم إحدى الشركات بتحويل نفايات الشعر التي يتم جمعها من متاجر الحلاقة وتصفيف الشعر إلى مواد تستخدم كمرشحات لفصل الزيوت عن الماء في بعض عمليات الصيانة.

يمكن القول إنّ ثقافة إعادة التدوير منتشرة لدى المجتمع الألماني، لكنْ ما تزال هناك تحديات تعرقل التطبيق المثالي لنظام النفايات في "كيل"، وألمانيا بشكل عام، تشمل الفرز الخاطئ للنفايات من قبل المستهلك. كما تشمل التحديات السلوكية المفهوم السائد لدى غالبية المستهلكين بأن إعادة التدوير هو الحل الحاسم لمشكلة النفايات، على الرغم من أنه يساهم فقط في خفض كمية النفايات التي يتم ردمها في المكبات. وهكذا يغفلون عن أن خفض النفايات يعتمد بالدرجة الأولى على تجنب إنتاجها. فالمجتمع الألماني يلقي في القمامة ما يبلغ معدله 11 مليون طن من فضلات الطعام في العام، أكثر من نصفها (%59) ينتج عن المنازل، ويأتي الباقي من نفايات المطاعم. وكانت الحكومة الفدرالية قد أعلنت عن عزمها خفض فضلات الأغذية إلى النصف بنهاية العقد الحالي، إلا أن الاستجابة العامة لهذه الدعوة لا تزال ضعيفة. وبينما تشجع مدينة "كيل" المطاعم على تقديم المأكولات المتبقية لموظفيها أو من هم بحاجة لها، إلّا أن هذا الحل ليس مستداماً على الأمد الطويل، ولا يغني عن الممارسة الصحيحة المتمثلة بخفض هدر الطعام.

لا شك أن تجربة "كيل" ستكون مفيدة لباقي المدن التي تطمح إلى بيئة تنعدم فيها النفايات. وأهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك التجربة هي أن الاستراتيجية الشاملة ومتعددة الجوانب تثمر نتائجَ أفضل، وأن الحوافز المالية والعينية تسهم في تغيير سلوكيات المستهلك، وتعزيز شعوره بالمسؤولية. كما تؤكد التجربة على أهمية توعية المستهلك وتثقيفه حول الأساليب الصحيحة التي يتوجب عليه اتباعها في تيسير عملية إعادة التدوير، وتجنب الهدر، وخفض كمية النفايات التي ينتجها.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

تمكين العقول الشابة … كيف تعزّز منطقة واترلو الابتكار

في قلب أونتاريو، حيث يلتقي الابتكار بالتعاطف، تعمل مبادرةٌ على تشكيل المستقبل بالعمل مع عقول الشباب، في مختبر الابتكار، بمنطقة واترلو الذكية، الذي يقوّي قدراتهم على حلّ المشكلات عبر التعلّم القائم على المشاريع ومقاربة تحدّيات العالم الحقيقيّ.

 · · 3 فبراير 2025

مبادرة "مليون جينوم وأكثر" في أوروبا … أفقٌ جديدٌ للبحوث الطبيّة

لإحداث ثورةٍ في الرعاية الصحية من خلال الطبّ الشخصي، أطلق الاتحاد الأوروبيّ مبادرةَ "مليون جينوم وأكثر" التي ستُرسي بنيةً تحتيةً آمنةً للبيانات الجينومية والسريرية، وتعزِّز التعاون بين 25 دولة، وتسهم في وضع المعايير الدولية في هذا المجال.

 · · 3 فبراير 2025

التقويم البيئي: خبرة الشعوب الأصلية وسيلةً صوبَ المرونة المناخية

على الجبال الوَعِرة وحول ضفاف الأنهار الجليديّة، تواجه المجتمعات الأصلية آثر تغيّر المناخ متكئةً إلى خبراتها وتقاليدها، فتتشارك مع خبراء الدراسات البيئية في إعادة إحياء حكمتها القديمة لتنسِّقَ سُبُلَ عيشِها وتحقق سيادتِها وأمنها الغذائيين.

 · · 3 فبراير 2025

برنامج الطبّ الدقيق في جنوب أفريقيا: دراسة التركيبة الجينية لإحداث نقلةٌ في الرعاية الصحيّة

لمواجهة التحدّيات الصحّية التي تهدّد سكان جنوب أفريقيا، بحث العلماءُ عن المفتاح في مورِّثاتِهم، فانطلقت مبادرةٌ باسم الطبّ الدقيق، الذي يصمّم التدخُّلات العلاجية بناء على الخصائص الفردية، بدلاً من تطبيق بروتوكولاتٍ موحَّدةٍ على جميع المرضى.

 · · 6 ديسمبر 2024

الزراعة المستدامة، نظم الأغذية المرنة، الزراعة العضوية، البنية الأساسية العامة الرقمية

بهدف تعزيز سبل العيش الزراعية المستدامة، بادرت حكومة ولاية كيرالا الهندية بابتكارٍ أسمته "منصة الأغذية"، وسَعَت من خلاله إلى إنشاء شبكة تعاونياتٍ عبر مختلف القطاعات، من الزراعة إلى منتجات الألبان وتوزيع الأغذية العضوية وغيرها، وذلك لمقاربة التحدّيات التي تواجهها وزيادة متانة منظومتها الزراعية وشفافيّتها وعدالتها.

 · · 6 ديسمبر 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right