في سعيها للحد من استخدام الموارد الطبيعية وتحقيق الحياد المناخي بحلول العام 2035، انطلقت فنلندا في رحلة الاقتصاد الدائريّ بعد أن رسمت خريطة طريقٍ واضحةً تتعاون فيها القطاعات، وتنظِّمها سياساتٌ منفتحة، ويدعمها مجتمعٌ محليّ تتم تَنشِئَتُه على ثقافة الاستدامة.
لم تمتلك الطبيعة يوماً مكبَّ نفايات، فقامت كلّ النّظم البيئية على مبدأ الحركة المتكررة للمادة، حيث تكون نفايات كائنٍ حيّ غذاءَ كائنٍ ثانٍ، وحين تنتهي حياة الأخير، يغذّي التربة بدوره في دورةٍ لا تنقطع أبداً.
ومع أنّ هذا النهج أثبت جدواه لعصور، اختارت البشرية تبنّي نهجٍ خطيٍّ لا دائريّ ازدهر عقب الثورة الصناعية. يقوم هذا النمط الاستهلاكي على مبدأٍ بسيط، وهو أخذ المورِد البكر، ثم استخدامه، ومن ثم التخلّصَ منه، بشكل لا يتناسب مع محدودية الموارد على الكوكب.
ربما تأخّرت البشرية قليلاً في إدراك هذه الحقائق، لكنها سرعان ما تيقّنت من أنّ الحلّ يكمن في السعي إلى تحقيق تنميةٍ مستدامة. سباقٌ برزت فيه الحكومة الفنلندية عبر جهودٍ مكثّفةٍ ممتدّةٍ لـ 10 سنوات، تعاونت خلالَها مع صنّاع السياسات والمؤسسات البحثية المتطورة والقطاع الخاص الديناميكيّ، وكانت الدولةَ الأولى التي تضع خارطة طريقٍ وطنيةً للاقتصاد الدائريّ بتوجيهٍ من صندوق الابتكار الفنلنديّ، وهو مؤسّسةٌ عامةٌ مستقلّةٌ تعمل تحت إشرافٍ مباشر من البرلمان الوطنيّ، فتضع الخطوات والإجراءات والتغييرات المطلوبة، وتجمع آراء أصحاب المصلحة، وتساعد الحكومة في تأمين التمويل الكافي للمشاريع والشركات الناشئة والأبحاث والابتكارات.
لعل من أبرز الدروس المستفادة من التجربة الفنلندية هو تشجيع ثقافة المسؤولية البيئية وفكرة محدودية الموارد، فقبل رواج مصطلح "الاقتصاد الدائريّ" بسنوات، كانت فنلندا تطوّر حلولاً دائرية. وهذا ما يميّز الحكومة والشعب الفنلنديَين، حيث تعمل الحكومة على وضع القرارات والخطط لتحفيز ثقافة الاستدامة خلال جميع المراحل الدراسية، بينما توفر القطاعات الخاصة للطلاب فرصاً عملية للتعرف على التطبيقات المستدامة على أرض الواقع، ومن ضمنها تطبيقات الاقتصاد الدائري.
يظنّ الكثيرون– مخطئين– أنّ الاقتصاد الدائريّ يعني إعادة تدوير المواد المستعملة، لكنّ حقيقة المفهوم أبعد من ذلك بكثير، وهو يتقاطع مع مجالاتٍ مختلفةٍ من الإدارة العامة والأنشطة التجارية والعلوم الإنسانية، ويقوم عل استبدال أنماط الإنتاج والاستهلاك المفرطة المتبّعة حالياً بأخرى مستدامة، مثل تطوير إنتاج الطاقة المتجدّدة لتقنين استخدام الموارد الطبيعية، وهذا ما فعلته فنلندا باستخدام النفايات في توليد الطاقة على سبيل المثال.
وللابتعاد عن شراء السلع المفرط، يشجع الاقتصاد الدائري على مشاركة المنتجات والخدمات. سهلت فنلندا الطريق أمام عدة نماذج أعمالٍ مطوَّرةٍ تتيح مشاركة المنتجات كتأجير الأثاث والمعدات لفترات محدودة، وإنشاء تصاميم جديدة للسلع تطيل عمرها الافتراضيّ بحيث تُستخدم عدّة مراتٍ محافِظةً على القيمة نفسها وقابلةً دائماً للإصلاح، وهذا يعني إمعان التفكير في دورة حياة المادة البكر. هذه النقطة تستهدفها فنلندا عبر تخصيص حوافز للشركات التي تقدّم منتجاتٍ من هذا النوع، وفرض عقوباتٍ على نظيراتها التي تفرط في إهدار الموارد أو تتبنّى ممارساتٍ غير مستدامة.
ومن أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة ضرورة الشراكة مع القطاع الخاص ووضع أطر داعمة تسهّل انتقاله من نماذج استهلاك مفرطة إلى أخرى أكثر استدامة. تحرص السلطات الفنلندية على تنظيم ورش العمل والمشاريع التي تجمع القطاعين الحكوميَّ والخاص وتدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما في برنامج السنوات الأربع الذي أطلقته مؤسسة فنلندا للأعمال، وهي المنظمة الحكومية للابتكار والتمويل، والتي خصصت مبلغ 300 مليون يورو لدعم التجارب المبتكرة مثل المشروع التجريبيّ للزراعة المتجدّدة، الذي يشمل أكثر من 100 مزارعٍ يتعاونون لاكتشاف الطريقة المثلى لزيادة امتصاص وعزل الكربون في التربة، وقد أفضت جهودهم إلى إنشاء منصة عمل الكربون التي تدعم مخرجات تجاربِهم في الحقول بالأبحاث المخبرية.
ترى حكومة فنلندا أنّ الوصول إلى الحلول لا يتطلب من الجميع– أفراداً ومؤسسات– أن يكونوا على سويةٍ واحدةٍ من حيث المعارف والخبرات، بل يتطلّب فهماً مشتركاً للمبادئ، ومفرداتٍ واضحةً وموحَّدة، فهذا يسهِّل على أبناء المجتمع العملَ معاً. لهذا، قرّرت استهدافَ فئة الشباب فأطلقت المبادرات التعليمية التي تنشر مبادئ الاقتصاد الدائريّ وتزرعها في أذهان الأطفال الذين سيكونون مستقبلاً مواطنين ومبتكِرين ورجال أعمالٍ وصنّاع قرار. وهكذا، منذ مراحل دراسيةٍ مبكرة، يبدأ الأطفال التفكير كيف يمكنهم تقليل هدر الطعام ويتعلّمون فرز النفايات لتتطوّر المنهجية التعليمية مع تطوّر بناهم العقلية وصولاً إلى التعليم العالي.
ومن الجدير بالذكر أنّ نشر هذه الطريقة تطلّب سنواتٍ من الجهود حيث كانت في بدايتها مجرد تجارب فرديةٍ خجولةً ومحدودة.
لا تكتفي فنلندا بهذا، بل وتتطلّع إلى مشاركة تجربتها مع الدول الأخرى، فوقّعت دليلاً إرشادياً لرسم خارطة الطريق بمراحلها المختلفة، وأطلقت المنتدى العالميّ للاقتصاد الدائريّ، ليكون فعاليةً تجمع خيرة الخبراء والسياسيين والمبتكِرين لتبادل الرؤى.
داخلياً، علّمت المبادرة التعليمية الحكومية (2017 – 2019) أكثر من 70 ألف طفلٍ ويافعٍ في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية والمهنية والجامعات البحثية والتطبيقية، وعن طريق منظّمات المجتمع المدنيّ أيضاً.
حقّقت فنلندا الكثير خلال عقدٍ من الزمن. فمنذ أن صمّمت الحكومة نظام الوديعة المالية الصغيرة التي تُضاف إلى ثمن المرطّبات وتُعاد قيمتُها إلى أصحابها عند إرجاع العبوات الفارغة المعدنية والزجاجية والبلاستيكية، فهي الآن تعيد تدوير 95% من عبوات المرطّبات، أي حوالي ضعف النسبة العالمية وفقاً لجمعية الألومنيوم، بالإضافة إلى 49.2% من نفاياتها الإلكترونية.
الملفت هو أنّ أكثر من ثلاثة أرباع الفنلنديين يدعمون حكومتهم ويرون أنّ عليها المضي قدماً في هذه المسيرة وإن تأخّرت عنها بقية دول العالم.
واليوم، لا تتعدّى نسبة نفايات هذا الشعب 7.4% من إجماليّ استهلاكه المحليّ، باستثناء النفايات المعدنية الرئيسية، مقارنةً بمتوسط المعدل الأوروبي الذي يقارب 13%.
إنّ تبنّي الاقتصاد الدائريّ يعني الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل النفايات وتحفيز الابتكار الأخضر وتوليد فرص العمل، وهو إذ يحقق الاستدامة الاقتصادية، فهو أيضاً يحفّز أبناء المجتمع على التفكير خارج الصندوق في كلّ خطوةٍ من أيامهم.
المراجع:
- https://www.businessfinland.fi/en/for-finnish-customers/services/funding/investment-aid-for-circular-economy#:~:text=The%20ministry's%20circular%20economy%20grant,the%20development%20of%20circular%20economy.
- https://www.weforum.org/agenda/2021/06/transition-to-a-circular-economy-the-right-roadmap-can-help-sitra/
- https://www.sitra.fi/en/publications/wcef2023-summary-report/#towards-a-nature-positive-tomorrow-together-with-future-leaders
- https://time.com/6132391/finland-end-waste/
- https://toolbox.finland.fi/business-innovation/finland-a-global-forerunner-in-circular-economy/
- https://www.helsinkipartners.com/article/20-circular-economy-companies-paving-the-way-in-finland/
- https://www2.deloitte.com/content/dam/Deloitte/fi/Documents/risk/The%20circular%20city%20in%20Finland.pdf