الزراعة الاجتماعية في جنوب أفريقيا

كان للهجرة من الأرياف إلى المدن على مر الزمن، وخصوصاً في أفريقيا، آثارٌ سلبية على الأمن الغذائي لا تزال نتائجها واضحة في بعض الدول.

شارك هذا المحتوى

كان للهجرة من الأرياف إلى المدن على مر الزمن، وخصوصاً في أفريقيا، آثارٌ سلبية على الأمن الغذائي لا تزال نتائجها واضحة في بعض الدول. وتفاقم الوضع في مناطق عدة نتيجة لعدم وجود السياسات العامة الداعمة للأمن الغذائي كحقٍ لجميع أفراد المجتمع. فلم يبقَ أمام سكان الأرياف والمناطق النائية سوى اللجوء إلى المدن طلباً للعمل والعيش الآمن والقوت اليومي، مما شكل عبئاً كبيراً على المدن والمناطق الحضرية وبالتالي اتسعت الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين سكان المدن. وقد سلّطت  جائحة كوفيد-19 الضوء على التحديات الناتجة من عدم التكافؤ في النظام الغذائي في هذه المدن لما سببته من خسائر اقتصادية وتعطيل للأعمال اليومية.

وتعتبر جنوب أفريقيا من الدول التي تعاني من “التفرقة الغذائية” بين سكان مدنها. وهو ما حث ّ مجموعات أهلية ومنظمات مدنية على السعي إلى تحقيق تكافؤ غذائي بين السكان خصوصاً في المجتمعات المحلية المحرومة، من خلال تشجيع الأهالي على الزراعة داخل المدن، وتعزيز تبادل المنتجات والخبرات في كل أنحاء البلاد، بهدف تأمين الغذاء.

والحال في العاصمة كيب تاون لا يختلف عنه في التجمّعات العمرانية الأخرى، إذ يبلغ عدد سكانها 4.4 ملايين نسمة ونسبة نموهم 1.84%ويفتقر القاطنون في 72% من مناطق ذوي الدخل المحدود إلى الغذاء الميسّر، بينما لا تتعدّى نسبة المستفيدين من الزراعات الحَضَرية 4 إلى 5% من أهالي  المدينة، وذلك بسبب سيطرة الشركات الكبرى على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تستخدم لجني  منتجات غذائية تصدَّر إلى الخارج.

من بين المنظمات المدنية المختصة بالمبادرات التطويرية، برز “الصندوق الائتماني للغذاء والزراعة في مدن جنوب أفريقيا”، الذي تتركز مبادراته في العاصمة كيب تاون. يتعاون “الصندوق” مع بلدية العاصمة وجهات معنيّة وشركاء في كل أنحاء البلاد؛ كما يتعامل مع المزارعين، وبخاصة مع المبادرين منهم.

ويسعى “الصندوق” إلى تحقيق التكافؤ الغذائي بين سكان المدينة ودعم الغذاء كحق لجميع أفراد المجتمع. وأخذ منذ بدء نشاطه في 2012، بتشجيع السكان على إقامة حدائق حَضَرية للغذاء ومزارع وأسواق مجتمعية كوسيلة لبناء مجتمعات قادرة على الصمود اجتماعياً وبيئياً واقتصادياً في المدن داخل جنوب أفريقيا وخارجها. ويتعاون مع البلديات المحلية لأهمية دورها الحيوي في تقديم الحلول، خصوصاً فيما يتعلق بتأمين التراخيص لاستغلال الأراضي المتاحة وفرزها وفقاً للاحتياجات.

ومن أولويات “الصندوق” دعم المشاريع الزراعية المستدامة والصديقة للبيئة، حيث يشدد على استخدام منتجات عضوية للزراعة لا تحتاج إلى أسمدة صناعية. ويساعد على تسهيل تواصل المزارعين مع بعضهم لتأمين الموارد الزراعية والتعاون على إدارة عملياتهم وتسويق منتجاتهم بشكل جماعي، توفيراً للتكاليف والأعباء. ويتعامل مع مجتمعات متنوّعة في ثقافاتها وتقاليدها، ويراعي خصوصيات كل منها.

يواجه “الصندوق” في مساعيه عدداً من التحديات، المتمثّلة في ضيق مساحة المناطق العامة التي يمكن زراعتها في المدينة؛ والحاجة إلى توعية سكان المدينة وتحفيزهم للتمسك بحقّهم في الغذاء بالطريقة التي يكفلها الدستور؛ وغياب وزارة تنظّم شؤون الغذاء وقوانين للتجارة تحمي المزارع الصغيرة؛ والعوائق اللغوية واختلاف الثقافات؛ وصعوبة الحصول على تراخيص أو أذونات لزراعة الأراضي.

لكنه، منذ 2014 إلى الآن، حقق “الصندوق” نجاحات في شتى مجالات عمله، ومنها:

  1. تطوير مزرعة اجتماعية حضرية، وهي “مزرعة مدينة أورانجيزخت” مساحتها 0.25 هكتار وتستفيد حالياً من أكثر من 10 آلاف ساعة سنوياً من العمل التطوّعي. حققت المزرعة نجاحاً كبيراً كموقع رائد في تحفيز حركة الزراعة الحضرية في جنوب أفريقيا.
  2. إنشاء السوق التابع لـ “مزرعة مدينة أورنجيزيخت” وتوفير فرص العمل فيه، ويعتبر السوق الأكبر من نوعه حيث يدعم أكثر من 120 من صغار المزارعين المحليين وتجار المواد الغذائية، ويعمل فيه أكثر من 300 موظف، ويستقبل 8 آلاف إلى 12 ألف زائر أسبوعياً.
  3. تطوير مبادئ التصميم للزراعة الاجتماعية في المناطق الحضرية. وهي عبارة عن إرشادات وتوجيهات تساعد على إنشاء مزارع اجتماعية في المدن.
  4. استضافة مؤتمرات وحوارات حول الغذاء والأمن الغذائي وتنظيم برامج متنوعة المواضيع لمتحدثين ومشاركين في حلقات نقاش، بمن فيهم مؤيدون وناشطون من مختلف التوجّهات شاركوا في تشكيل النظام الغذائي؛ والإستفادة من الخبرات المشاركة لإرشاد صناع القرار حول وضع السياسات والاستراتيجيات وتحديد الأولويات بما يلبي حاجات كل قطاعات المجتمع.

ومع انتشار جائحة كوفيد-19، بادر “الصندوق” إلى توحيد الجهود لاحتواء تداعيات الأزمة من خلال توسيع حلقة التعاون وتوثيق العلاقة مع السلطات والشركاء والجهات المعنيّة ومنظّمات المجتمع المدني. يتوجّه “الصندوق” إلى المجتمعات الراغبة في التعاون دعماً لسياساته الهادفة إلى تعزيز المشاركة والتعاون في حلّ تحد الغذاء ونقصه في المجتمعات الحضرية مع إدراكه أهمية توزيع الغذاء حسب الحاجة وليس بالتساوي.

المراجع:

https://icscentre.org/innovationreport/2020/wp-content/uploads/2020/12/ICSC_InnovationReport_201203_web_single.pdf

https://ozcf.co.za/wp-content/uploads/2020/10/Food-Dialogues-Report-2020-LR.pdf

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.