إزاءَ التحدّيات المناخيّة والغذائيّة والديمغرافيّة المتصاعدة، أطلق برنامج حصاد أفريقيا التابع لوكالة ناسا، مشروعاً يهدف إلى تحسين الممارسات الزراعيّة عبر الاستفادة من البيانات الحيّة وصور الأقمار الصناعيّة.
في عصر التقدُّم السريع للتكنولوجيا، والوتيرة الهائلة لتغيُّر العالم، تصنع التقنيات الحديثة تحوّلاتٍ في مختلف المجالات، وهي لا تبشِّر بتعزيز الفعالية والكفاءة فحسب، بل وبحلّ مشكلاتٍ تعانيها بعض القطاعات منذ أجيال.
من القطاعات التي تستدعي الاهتمام قطاع الزراعة الذي تضرر أكثرَ من غيره بسبب تغيّر المناخ. ففي قارّةٍ كأفريقيا، بكلّ خصوصيّة بيئتها وسكّانها، تتراجع إنتاجية الحقول وجودة المزروعات، ويعايش الفلّاحون في بلدان كأوغندا صعوباتٍ جمّةً في محاولة التكيّف مع الظواهر المناخيّة مثل عدم انتظام هطول الأمطار وتدهور التربة وارتفاعات درجات الحرارة. كلُّ هذه التحدّيات أوصلت البلاد إلى حالةٍ من ندرة الموارد وانخفاض غلّة المحاصيل، وصعَّبت على المزارعين الحفاظ على سبل عيشهم ولو بالحدّ الأدنى، ووضعت القارّة عموماً في سعيٍ لاهثٍ وراء أمل الأمن الغذائيّ.
في ضوء كلِّ هذه المعطيات، يعمل برنامج حصاد أفريقيا التابع لوكالة ناسا عبر علمائه وباحثيه دائماً على إيجاد الحلول وتطوير البرامج، من خلال شراكاتٍ مع المنظمات المحلية والمؤسسات البحثية والشركات الخاصة، حيث حملَ أحدث مشاريعه اسم “خوذات وَسْمِ المحاصيل”.
يعتمد هذا البرنامج على تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعيّة، حيث يستند العلماء إليها في تقييم صحّة الغطاء النباتيّ. فعلى مدار الساعة، تدور الأقمار الصناعية حول الأرض بأطوال موجيّةٍ مختلفة وتجمع كمياتٍ هائلةً من البيانات. ومن خلال جمعها وفرزها وتحليلها، يمكن للباحثين تحديدُ أنواع مختلفةٍ من الغطاء النباتيّ وتقييمُ غلّة المحاصيل، وحتى اكتشاف أيّ تهديداتٍ أو آفاتٍ أو أمراضٍ قد تواجهها.
الحقيقة أنّ فعّالية بيانات الأقمار الصناعية تعتمد على بياناتٍ دقيقة من العالم الحقيقي لتطوير خوارزميات التعلُّم الآليّ القادرة على تحليلها، ولهذه الغاية تتبنّى ناسا نهجاً مبتكراً. فبخلاف الطرائق التقليديّة لجمع الصور عبر نشر الفِرَق المتخصّصة التي تتطلّب الكثير من الوقت والتكلفة، يعتمد هذا المشروع طريقةٍ أكثر ملاءمةً للمناطق الكبيرة والنائية في أفريقيا، وهي ببساطةٍ شبكةٌ من الكاميرات المثبّتة على أغطية السيارات وخوذات الدراجات الناريّة. تعمل هذه الكاميرات على جمع الصور الميدانية بينما يتحرّك السائقون وركّاب الدراجات في مواقع محددة وفقاً لخطوط السير التي كُلِّفَ بها كلٌّ منهم، فيجمعون البيانات لمساحاتٍ شاسعةٍ على نحوٍ أسرع.
بعد ذلك، تمرّ الصور بعدّة خطواتِ معالجةٍ باستخدام إطار عملٍ طوَّرته وكالة ناسا، ويُسمّى “ستريت 2 سات”. في البداية، توضَع علاماتٌ جغرافية على الصور لربطها بمواقع محدّدة، ثم تساعد خوارزميات التعلّم الآليّ في اكتشاف الغطاء النباتيّ وتصنيفه في الصور، وذلك باستخدام تقنيات تقدير العمق لتحديد المسافة بين الكاميرا والحقل. وأخيراً، تضمن بروتوكولات مراقبة الجودة دقة البيانات قبل إنشاء مجموعة البيانات.
تلعب الأخيرةُ دورَ بيئة التدريب القوية الخاصة بخوارزميات التعلُّم الآليّ. ومن خلال تحليل بيانات العالم الحقيقيّ وصور الأقمار الصناعيّة، تحدّد هذه الخوارزميات محاصيلَ معيّنةً بناءً على الخصائص الفريدة لكلٍّ منها.
وعلى الرغم من كلِّ التوقّعات الواعدة، تواجه مبادرة ناسا هذه العديد من التحدّيات. على سبيل المثال، هناك حالةٌ قويّةٌ من عدم اليقين إزاء قدرة المزارعين على اتخاذ القرارات القائمة على البيانات، وما لم تتوفّر هذه القدرة، سيبقى هذا العنصر عقبةً كبيرةً في وجه تقدّم العمل.
علاوةً على ذلك، فإنّ بعض المناطق تفتقر إلى البنى التحتية اللازمة لتحقيق الاستفادة الكاملة من هذا المشروع، مثل الاتصال المأمون والمستمرّ بالإنترنت بالإضافة إلى المهارات التقنية اللازمة لاستخدامه. ولمقاربة هذه الصعوبات، يجب تكييف هذه التقنيات مع خيارات الاتصالات المحلية وقيود البنية التحتية وتخصيصها من خلال عدة وسائل، مثل البث الإذاعي وتطبيقات الهاتف المحمول والخرائط ولوحات المعلومات.
يتطلّب التغلّب على هذه التحديات وغيرها توظيفَ كامل الموارد والمعارف ووجودَ تمويلٍ غير منقطعٍ وتعاوناً وثيقاً بين الحكومات والشركات الخاصة والمنظمات الدولية، إلى جانب برامج تدريبيةٍ للعاملين في المجال الزراعيّ، مع استكشاف خيارات التمويل المختلفة لدعم وصول صغار المزارعين إلى هذه التقنيات الثورية.
على أية حال، فإنّ مزايا هذا المشروع تفوق عيوبه. فعلى سبيل المثال، أثبتت دراسةُ حالةٍ أُجريَت في كينيا أنّ المزارعين استفادوا من أنظمة التنبؤ وخرائط الغطاء النباتي في تحديد المحاصيل المقاوِمة للجفاف وتحسين مواعيد الزراعة وممارسات الريّ، ما حسّن إنتاجيتهم ومستوى معيشتهم.
تنتج الخوارزميات خرائط دقيقةً للمحاصيل وتغذّي برامج الإنذار المبكّر وتوفّر معلوماتٍ قيّمةٍ للمزارعين والمستثمرين وصانعي السياسات.
بناء على ما سبق، فإنّ المشروع يتصدّى لتحدّيات الزراعة الأفريقية بطرائق أكثر مرونةً وفعّاليةً من حيث التكلفة، وينبغي النظر إليه بوصفه نقطة انطلاقٍ نحو رؤيةٍ أوسعَ وأعمقَ تأثيراً، فهو يقدّم مقارباتٍ لقضايا حيويةٍ من قبيل عدم وصول المزارعين إلى الأسواق ومحدودية توفّر الموارد والفقر وغيرها الكثير.
المراجع:
- https://www.devex.com/news/how-a-nasa-backed-scientist-uses-satellites-to-help-african-farmers-105010
- http://nasaharvest.org/project/helmets-labeling-crops
- http://nasaharvest.org/project/helmets-labeling-crops
- https://arxiv.org/abs/2307.08933
- http://arxiv.org/pdf/2211.09110
- https://www.frontiersin.org/journals/sustainable-food-systems/articles/10.3389/fsufs.2022.1013701/full
- https://www.frontiersin.org/journals/sustainable-food-systems/articles/10.3389/fsufs.2022.1013701/full
- http://nasaharvest.org/project/helmets-labeling-crops
- https://paperswithcode.com/area/computer-vision/depth-estimation
- https://core.ac.uk/download/pdf/288437098.pdf
- https://link.springer.com/article/10.1007/s12571-023-01398-w










