في إنجاز هندسيّ غير مسبوق، بَنَت الحكومة الهولندية موقف الدراجات الأول من نوعه في العالم، الذي يمتدّ تحت الماء ويفضي إلى محطة أمستردام المركزية، ويتسع لـ7 آلاف دراجة ستنظّم حركة راكبي الدراجات وتجعل خيارات التنقّل أسهل وأكثر جاذبية.
صُمِّمَت المدن عبر التاريخ لتلبّي احتياجات متعدّدة وتحاكي التطوّر البشريّ، بحيث كان لكلِّ قفزةٍ حقّقها البشر أثرٌ في رسم أشكال المدن، وكان من الطبيعيّ مثلاً أن يفرض اختراع السيارات وانتشارها الجنونيّ طابعاً معيّناً عليها.
لكنّ من غير المنطقي أن تُبنى المدن وفق احتياج السيارات لا الناس، خاصةً حين تتعارض هذه الاحتياجات، كما في حالة العاصمة الهولندية أمستردام التي خاضت تاريخاً من التقلّبات في منظومة النقل. ففي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت حقبة ازدهار الاقتصاد الهولنديّ، وازدادت معها القدرة الشرائية للمواطنين ومعها رفاهيتُهم، لتتضاعف أعداد السيارات بشكلٍ مطّرد، وتُمحى أحياء بأكملها لتحلّ طرقٌ سريعة محلّها، بينما تكرّس انطباع بأنّ ثقافة الدراجات إلى زوال، مع انخفاض أعداد مستخدميها بنسبة 6% كلّ عام.
آثار كثيرةٌ صاحبت هذا التحوّل، من تلوث البيئة إلى حوادث المرور التي كان جلُّ ضحايا من الأطفال، لترتفع نداءات التغيير التي دعمتها الحكومة وتعاونت معها بهدف ترقية منظومة النقل الحضرية وجعلها أكثر أماناً. ومن ضمن هذه الجهود، كان التركيز على الدراجات التي تلائم طبيعة البلاد الهولندية ذات الأرض المنبسطة والمناخ المعتدل.
نتيجة سنواتٍ من تعديل البنى التحتية والعمل صوب تغيير الثقافة الشعبية، أصبحت أمستردام عاصمة الدراجات في العالم، حيث يفوق عددُ الدرّاجات عددَ المواطنين، ويعتمد 35% من سكانها على الدراجات في تنقّلاتهم اليومية، لتكون نسبة الرحلات المقطوعة بالدراجة أعلى بمرةٍ ونصف من تلك المقطوعة بالسيارة.
وفيما تمضي الحكومة في تحويل السيارات الشخصية إلى ذكرى، تشهد منظومة السير في المدينة مشكلاتٍ تتعلّق بالمواقف العامة، حيث يتزاحم الناس لركن دراجاتهم بفوضوية، وربطِها بالأشجار ومصابيح الشوارع واللافتات، أو حتى تركِها على أي مساحة فارغة لتتعرّضَ للسرقة، أو في أفضل السيناريوهات، لتشغلَ الرصيف وتعوق المشاة ومستخدمي الكراسي المتحرّكة من عبور شوارع المدينة المعروفة بكونها ضيقة ومزدحمة. كلّ هذا جعل سكان العاصمة في حاجةٍ ماسّة إلى مساحاتٍ أكثر عدداً وتنوّعاً، وبنى تحتية أكثر ملاءمةً لواقع المدينة، وهذا ما تحاول الحكومة المحلية تحقيقه عبر مشاريع عدةٍ تتابعت عبر السنوات.
انطلق آخر هذه المشاريع في العام 2019، بتكلفة بلغت 60 مليون يورو، وكانت نتيجتُه أول مرآب دراجات يُبنى تحت الماء.
اختار المهندسون لهذا المشروع موقعاً مثالياً، قبالة محطة أمستردام المركزية التي يتجاوز عمرها 150 عاماً، والتي تستقبل يومياً 200 ألف مسافرٍ على متنٍ القطارات التقليدية والترام والمترو والعبّارات والحافلات، والدراجات بالطبع. وهناك، يقع حوضٌ مائيّ ستُبنى تحته تحفة هندسية على مدى 4 سنوات.
كانت البداية بتجفيف المسطّح المائيّ عبر سدّ مداخله وضخّ المياه إلى خارجه بالكامل، ثم تجريف طبقاتٍ سميكةٍ من الرمال لتشبُّعِها بالمياه وعدم ملاءمتها لتركيب أساسات المبنى. ثم حان دور تدعيم حواف الحوض بجدران من الخرسانة تمهيداً لصبّ الأرضية التي تتوزّع فوقها الأعمدة العملاقة التي حملتها البوارج إلى الموقع. وعلى هذه الأعمدة، امتدّ السقف المتين الذي سيحمي الدراجات من أيّ تسرُّبٍ لمياه الحوض، ومن ثم أُعيدَ فتح مداخله لتعود المياه إلى موقعها الطبيعيّ.
في زاويةٍ من ميناء القوارب السياحيّة، بُني مدخل المرآب، تعلوه علامة زرقاء كبيرة وشعار دراجة، ليكون مرئياً للقادمين من بعيد، إلى جانب شاشةٍ تُظهر عدد الأماكن المتاحة. وهو يفضي إلى مصعدين كهربائيين لنقل ركاب الدراجات صعوداً أو نزولاً، شرطَ ألا يكونوا على متن دراجتهم حرصاً على سلامتهم.
عند المدخل، توجد أجهزة خاصة للتعرف على بطاقات الاشتراك بخدمات النقل، تُسدّد قيمتها تلقائياً من الحساب المصرفيّ، فيما يستطيع المواطنون الذين لا يملكون تلك البطاقات، الحصول على علامةٍ خاصة يتم وضعها على الدراجات، عبر عمليةٍ تستغرق دقيقتين فحسب، ليعبروا هذه المنطقة إلى المرآب المفتوح لهم على مدار الساعة، حيث يثبّتون دراجاتهم على المنصات المخصصة خلال الساعات الـ24 الأولى مجاناً، وبرسم 1.35 يورو لليوم الواحد فيما بعد. أما في الداخل، وعلى الأعمدة الضخمة، فتوجد أضواء حمراء وخضراء لترشد المستخدمين إلى الصفوف التي تتضمّن أماكن شاغرة لركن دراجاتهم، ويكفي بعدها السير إلى الجانب الآخر من المرآب للوصول إلى محطة أمستردام المركزية.
بمجرد افتتاح المرآب، شرعت الحكومة في إزالة المنصات القديمة التي كانت مُعتَمَدة سابقاً، والتي بدأت تتحوّل تدريجياً إلى معلم سياحيّ، بينما تتنامى ثقافة مشاركة السيارات والتحوّل إلى بدائل موثوقة وصديقة للبيئة.
وبقدر أهميته الهندسية، لا يخلو المرآب الجديد من العيوب، فقد أغفل بُناتُه تخصيص منصاتٍ للدراجات الكبيرة التي تستخدمها العائلات لنقل أطفالها، كما أنّه يخلو من أي نقاط شحنٍ للدراجات الكهربائية، علماً أنّها تمثّل نصف مبيعات الدراجات منذ عدة سنوات. ورغم هذه الهفوات التي يمكن تصحيحها، سيحلّ هذا المرآب أزمةً طال أمدُها، ويقدّم لراكبي الدراجات مكاناً آمناً وميسور التكلفة لدراجاتهم، ويضبط الفوضى التي تسبّبها في الشوارع، ويشجّع المزيد منهم على ركوب القطارات سواء لتنقُّلاتهم اليومية أو للرحلات الطويلة خارج المدينة.
المراجع:
- https://www.bloomberg.com/news/articles/2023-01-25/amsterdam-opens-a-65-million-underwater-parking-garage-for-bikes
- https://www.theguardian.com/world/2023/jan/18/underwater-bike-garage-solves-amsterdam-stations-storage-headache
- https://www.theverge.com/23572761/amsterdam-underwater-bike-garage-future-of-transport
- https://www.theguardian.com/cities/2015/may/05/amsterdam-bicycle-capital-world-transport-cycling-kindermoord