ليكون الناس جزءاً حقيقياً من إيجاد الحلول لمشكلاتهم، تتبنّى مدينة ريسيفي البرازيلية سياسة الابتكار المفتوح التي تفسح المجال لأصحاب الأفكار، وتقدّم لهم الدعم لإنشاء النماذج الأولية لحلولهم، ثم تأخذ بيدهم لتحويل أفكارهم ونماذجهم إلى منتجاتٍ قادرةٍ على المنافسة في السوق.
تمثّل الحكومة، بالنسبة لمواطنيها، أكبرَ وأهمّ مشغّلي الأيدي العاملة في معظم دول العالم، إذ تقدم للناس أغلب احتياجاتهم، وهذا ما يُعرف بالخدمات العامة التي تشمل الصحة والتعليم والأعمال البلدية وإيصال أساسيات الحياة من ماءٍ وكهرباء وإدارةٍ للطرق وغيرها الكثير، وقد تخطئ أو تصيب في تقييم احتياجات السكان وتحديد أولوياتهم.
لكنّ ثمة حاجةً ملحّةً إلى تغيير الثقافة السائدة وإرساء سياساتٍ أكثر كفاءة وفاعلية وإشراك الناس في اتخاذ القرار والاستفادة مما لديهم من طاقاتٍ وابتكارات. إذ في مرحلةٍ معينة، لا يعود بالإمكان أن يقتصر تصميم المشاريع العامة وتطوير حلول المشكلات وتخطيط الخدمات الواجب تقديمُها على مجموعةٍ من الفرق الحكومية.
هذا هو الحال في مدينة ريسيفي البرازيلية التي أدركت سلطاتُها أنّ الناس الذين يعيشون المشكلة هم الأقدر على اقتراح الحلول لها، لكنّهم مع ذلك يبقون بمعزلٍ عن تصميمِ هذه الحلول. فأطلقت بلدية المدينة برنامج "فريق التحوّل والابتكار المفتوح" ليكون محرِّكاً لإحداث تغييرٍ جوهريّ في ثقافة الخدمات العامة.
اعتمدت المدينة في هذا المشروع على قطاع التكنولوجيا المتقدّم لديها، ورسمت خطَّتَها التي تبدأ بتحديد التحدّيات والموارد المتاحة وإطلاق دورات الابتكار وإدارة عملياته، وسيتم ذلك عبر 4 مساراتٍ متوازية.
أولاً، إطلاق دورات الابتكار باستخدام الإطار القانونيّ الذي ينظم عمل الشركات الناشئة، فيما يأتي ثانياً، مدّ قنوات التواصل مع الأوساط الأكاديمية وتأسيس شراكات مثمرة مع المرجعيات العلمية، أما ثالثاً، فجاء إطلاق المسابقات التي تُعرَف بماراثون الأفكار، والهادفة لتوليد حالة من التنافس بين الابتكارات المختلفة واختيار الأفضل منها بأيدي لجان متخصصة، وأخيراً، إنشاء المختبرات الحية.
ستلتزم العملية بمبادئ الابتكار المفتوح وستتوزّع على 3 مراحل رئيسية. تعتمد المرحلة الأولى على الإحاطة بالتحديات العامة من قبل مختصين يملكون فهماً متيناً للسياق العام. بعدئذٍ، يمكن للمهتمين تسجيل مشاركاتهم لتقديم حلول للتحديات التي تهِمُّهُم أو تمسُّهُم أو سبق لهم أن واجهوها، ليتم اختيار مجموعة من الفِرَق لاجتياز المرحلة التمهيدية والبدء بتطوير نموذج أوليّ غير وظيفيّ، لتحويل الفكرة أو التصوّر إلى حلّ قابل للتطبيق على أرض الواقع وفي بيئةٍ منضبطة، على أن يكون هذا الحل قادراً على تأكيد نظرياتهم وإثباتها بالأدلة القاطعة. بهذا، تنتهي المرحلة الثانية التي تستغرق قرابة 6 أشهر، لتبدأ بعدها المرحلة الثالثة، حيث يقدّم مجلس المدينة الجوائز للفِرَق ويعرض التعاون مع المشاريع الأفضل أو توظيف أصحابها بمناصب حكومية.
بعد ذلك، تنتقل النماذج الأولية إلى مرحلة التجربة الموسَّعة، حيث يجري تقييمُها وإجراء أيّ عملية تطوير أو تعديل تحتاجُها وإصلاح أيّ خلل قد يعترضها. وفي حال اجتاز النموذج كلّ هذه المراحل وأثبت كونَهُ حلاً مستقبلياً، فسيكون الطريق أمامه مفتوحاً لكي يتحوّل إلى سلعةٍ منافِسة ضمن سوق الابتكارات.
كما يتم نشر كلّ التحديات والحلول المقترحة لها على الموقع الرسمي لمجلس المدينة، مع شرحٍ تفصيليّ حولها وما إذا كانت تصبّ في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. وتتنوّع مواضيع هذه التحديات من القضايا الصحية كزيادة التزام المرضى بمواعيدهم وفحوصاتهم الدورية، وليس انتهاءً بقضية المناخ، مثل البحث عن طرائق لزيادة مشاركة المواطنين في احتواء آثار تغيّر المناخ والحفاظ على البيئة وتحقيق التوازن بين حماية البيئة والرفاه الاجتماعيّ.
وينظّم مجلس المدينة مجموعة من الفعاليات في كلّ من هذه المراحل، مثل اليوم الذي يتم فيه عرض التحديات، أو اليوم الذي يتضمّن مناقشات الطاولات المستديرة وتبادل الرؤى والطروحات، ويوم عرض الأفكار، ويوم تسليم النماذج الأولية. وفي هذه الفعاليات، يلتقي مهتمّون من القطاع التكنولوجيّ والمؤسسات الكبرى الحكومية والخاصة والشركات الناشئة والأوساط البحثية والأكاديمية.
في الوقت الراهن على الأقل، ستبقى سياسة الابتكار المفتوح محدودة النطاق، فإدخال تغيير من هذا الحجم صعب، لا سيما في ظل منظومات بالغة التعقيد والبيروقراطية السائدة، كما أنّه يحتاج إلى تمويل هائل، ويواجه تحديات السرية والأمن السيبرانيوالمُلكية الفكرية. بالإضافة إلى أن دعم قيادة البلد ليس كافياً ما لم تتجاوب السلطات المحلية في كلّ مدينة وتبدي اهتماماً لخوض هذا التغيير. ولا بدَّ من تعديل السلوك والثقافة العامة، وكذلك اللوائح والأُطُر التنظيمية، لتزويد المبتكرين بالأدوات القانونية التي تقدّم لهم مساراً واضحاً للعمل.
هذا ما تسعى إليه سلطات المدينة بنشرها لسياسة الابتكار المفتوح، وتطويرها لاتفاقية المُلكية الفكرية المشتركة، وتأسيسها لقنوات التعاون مع أصحاب المصلحة الاستراتيجيين، وتخصيص التمويل الكافي لدعم الابتكارات.
خلال أقل من عام، وقّعت سلطات المدينة 6 عقود عامة للابتكار، كما بلغت نسبة نجاح دورات الابتكار 70% مقارنة بالخطة، واستطاعت المدينة تحقيق توفير بنسبة 83% في وضع النماذج الأولية مقارنةً بمشاريع أخرى لم تعتمد سياسية الابتكار المفتوح.
تقدّم هذه السياسة للحكومة فرصةً لمشاركة العديد من الجهات الفاعلة في تصميم الخدمات. والأهم هو الاستنارة بآراء أولئك الذين تستهدفهم، وهذا يعني تصميم المشاريع بشكل أفضل، بل وبالشراكة مع مستحقيها.
المراجع:
https://apolitical.co/solution-articles/en/revolutionising-public-innovation-in-brazil
https://sites.google.com/recife.pe.gov.br/eita-recife/p%C3%A1gina-inicial
https://blogs.worldbank.org/sustainablecities/how-implement-open-innovation-city-government
https://www.bbc.com/future/article/20131016-brazil-tech-hubs-big-ambitions