في بيئة يندر فيها الماء ويشتد فيها القيظ، قرر سكان حي دنبار سبرينغ التاريخي في مدينة توسان بولاية أريزونا الأمريكية، كسر المعادلة. لم ينتظروا سياسات حكومية أو استثمارات ضخمة، بل صنعوا حلولهم بأيديهم. اليوم، وبعد ما يقارب 30 عاماً، صار الحي بمثابة مختبر حيّ للاستدامة البيئية، يُدرّس في الجامعات ويُلهم الأحياء الأخرى. تجربة تُصغي جيداً لما تقوله الأرض وما يطلبه السكان.
ففي واحدة من أكثر المدن الأمريكية ارتفاعاً في درجات الحرارة، ومن بين شوارع توسان المتربة، تنهض واحة غير متوقعة، لا يحدّها سور، ولا تحمل لافتةً تُرحّب بك، لكنك حين تدخلها تشعر وكأنك تعبر من مناخ إلى مناخ آخر. فالظلال الكثيفة، والنسيم الرطب نسبياً، ورائحة الخضرة التي تتسلل من بين الأغصان، كلّها مؤشرات على أنك وصلت إلى "مخزن طعام حي" في دنبار سبرينغ. إنها ليست غابة بالمعنى التقليدي، بل مساحة حضرية صممها السكان أنفسهم لتكون أكثر من مجرد مكان: إنها مشروع مقاومة للجفاف، وعدالة مناخية، وتجسيد حي لمبدأ "العيش مع الطبيعة لا ضدها".
كانت البداية في العام 1996، حين بدأ عدد من سكان الحي بزرع الأشجار لتوفير الظل في صيف أريزونا القاسي. لم يكن في حسبانهم آنذاك أن هذه المبادرة الصغيرة ستتحوّل خلال العقود التالية إلى واحدة من أنجح التجارب الأمريكية في التكيّف المجتمعي مع تغيّر المناخ.
من أبرز ما يميّز "مخزن الطعام الحي" هو النظام الذكي لجمع مياه الأمطار. يقود هذه الجهود براد لانكستر، أحد سكان الحي ومؤلف متخصص في تقنيات الحراجة الحضرية. استلهم لانكستر وفريقه تقنيات تقليدية استخدمها السكان الأصليون، مثل "قطع الرصيف"، التي تسمح بتحويل مياه الأمطار المتدفقة في الشوارع إلى أحواض صغيرة تروي الأشجار والنباتات.
وكانت النتيجة غابة حضرية تضم أكثر من 1700 شجرة من أنواع مقاومة للجفاف، مثل المسكيت والبالو فيردي وخشب الحديد، إلى جانب نباتات محلية تنتج ثماراً صالحة للأكل مثل التين الهندي وتوت الغوجي. في أحد شوارع الحي، يمكن العثور على أكثر من 100 نوع من النباتات — تنمو من دون ري صناعي، وتسهم في خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء.
لم تقتصر الفكرة على الزراعة لأجل الظل. فقد تحوّلت الأشجار المنتِجة، مثل المسكيت الشبيهة بالفاصولياء، إلى مصدرٍ للغذاء، من خلال فعاليات سنوية لطحن قرونها وتحويلها إلى دقيق المسكيت. شكّلت هذه اللقاءات تظاهرات مجتمعية تعزز الاكتفاء الذاتي وتحفظ تقاليد الأكل الصحّي، كما تُعيد ربط السكان بأرضهم من خلال الغذاء.
أثبتت بيانات الحرارة أن المشروع أكثر من مجرد حديقة جميلة. في إحدى أيام سبتمبر، سجّل أحد شوارع الحي غير المظللة 50 درجة مئوية، بينما لم تتجاوز الحرارة في الشوارع المظللة 30 درجة. فرق قدره 20 درجة مئوية، بفعل الأشجار فقط. ومن حيث التنوع البيولوجي، تحوّل الحي إلى موئل للطيور والملقّحات والحشرات المفيدة، مما أعاد التوازن البيئي إلى بيئة كانت قد فقدته. لكنّ قوة المشروع لا تقتصر على بعده البيئي فقط، بل تمتد إلى عمقه الاجتماعي. دنبار سبرينغ حي يقوده سكانه: هم من يزرعون، يسقون، ينظفون، ينظمون الورشات التعليمية، ويصونون ما بنوه معاً.
في زمن يتطرف فيه المناخ، تثبت سكان حي دنبار سبرينغ أن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة، من أهالي الحي لا من الجهات الرسمية، وتبرهن على أنّ المعرفة تُزرع كما تزرع الأشجار، وأن بساطة التقنية لا تعني ضعف الأثر.
باختصار، يقدم حي دنبار سبرينغ نموذجاً يمكن أن تتبناه مدن أخرى، بشرط أن تُصغي جيداً لما تقوله الأرض وما يطلبه السكان. ففي الوقت الذي تخنق فيه الحرارة مدناً حول العالم، ويزداد اعتمادها على مكيفات الهواء والمواد الصناعية، تقترح هذه التجربة المبتكرة طريقاً مختلفاً: العودة إلى البساطة، واحترام الماء، وزراعة الغذاء والمعرفة في آن. فالغابة ليست مجرد تجمّع أشجار، بل هي رؤية لمستقبل أكثر لطفاً، وهي مساحة لظل ومصدر لغذاء، وهي كذلك ذاكرةٌ لجذور لا تُنسى.
المراجع:
https://www.theguardian.com/environment/2023/mar/21/urban-food-forest-dunbar-spring-tucson-arizona-climate-crisis-drought
https://www.fs.usda.gov/about-agency/features/urban-food-forests
https://smileymovement.org/news/an-arizona-neighborhood-is-an-urban-forest-and-community-pantry#:~:text=A%20neighborhood%20outside%20of%20Tuscon,its%20become%20something%20else%20entirely






