كيف طوّرت سنغافورة أول توأم رقمي وطنيّ في العالم

كيف طوّرت سنغافورة أول توأم رقمي وطنيّ في العالم

1 دقيقة قراءة
لتحويل مساحتها الصغيرة إلى إمكانيات غير محدودة، بدأت سنغافورة بجمع البيانات لوضع خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لكلّ ركنٍ من البلاد باستخدام تقنيات التصوير المتقدّمة والنمذجة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

لتحويل مساحتها الصغيرة إلى إمكانيات غير محدودة، بدأت سنغافورة بجمع البيانات لوضع خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لكلّ ركنٍ من البلاد باستخدام تقنيات التصوير المتقدّمة والنمذجة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ.

يشيع وصف سنغافورة بالدولة ذات النموّ الشاقولي، حيث يتزايد عددُ سكّانِها بشكلٍ غير متناسبٍ مع مساحتها المحدودة، ما يجعلها صاحبة ثاني أعلى كثافةٍ سكانية في العالم، حيث تتزاحم الشقق والمكاتب في الأبنية الشاهقة والأقبية.

لكنّ هذا التصميم الفريد يتطلّب منهجياتٍ خاصةً في التخطيط، فالخرائط التقليدية ذات البُعدَين ستعجز لا محالة عن تمثيل هذه البيئة المعقّدة بشكلٍ فعال، نظراً لتداخل المساحتَين الجوية والسطحية مع المساحة تحت-الأرضية التي يندر أن تُقرَن بمعلوماتٍ شاملةٍ ودقيقةٍ أو دائمة التحديث. لذا، يصعب التعامل معها وتخطيط مشاريع البناء فيها، ناهيك عن الخطر الدائم المتمثِّل بإتلاف المرافق تحت-الأرضية أثناء أعمال الحفر.

أمام التحديات الكبيرة والاحتياجات المتزايدة التي يفرضها نمط الحياة المعاصر، ظهرت عدة مقارباتٍ ومن بينها تقنيةٌ ثوريةٌ تُعرف باسم التوأم الرقميّ، وهي عملية إنشاء نُسَخٍ أو تمثيلاتٍ افتراضيةٍ للعمليات والمكونات الحقيقية، لتوقّع آثار لأيّ تغييرات قد تطرأ عليها.

مستغلةً التطور التقني هذا لاجتياز عتبة التخطيط الحضري، تعاونت هيئة الأراضي السنغافورية مع عدة شركاء أبرزهم هيئة الطيران المدنيّ ومجلس المرافق العامة، وذلك لإنجاز أول توأمٍ رقميٍّ في العالم.

بالرغم من انتهاء سنغافورة من هذا المشروع الضخم مؤخراً، بدأ العمل عليه في العام 2014 منطلقاً من عنصرَين أساسيين هما البيانات والناس، ومتبنّياً مبدأ "التقاط المعلومة مرة ليستخدمها الكثيرون". وعليه، انقسم المشروع إلى مرحلتَين، ركّزت المرحلة الأولى على وضع الإطار العام للخريطة، وذلك بجمع بيانات التضاريس المختلفة الطبيعية والحضرية باستخدام التصوير الجوي وتقنية تحديد المدى عن طريق الضوء (الليدار) التي تم تحميلُها على طائراتٍ ثابتة الأجنحة.

أما المرحلة الثانية، فكمّلت البيانات الجويةَ بأخرى أرضية، حيث تم تثبيت أجهزة المسح الليزريّ على المركبات لجمع بياناتٍ أكثر تفصيلاً ودقة. وقد شملت هذه المرحلة شبكة الطرق السنغافوريةَ التي تغطي 5500 كيلومتر، وتم خلالَها التقاطُ أكثر من 3 ملايين صورةٍ بانوراميةٍ و600 مليون نقطةً عبر أجهزة (الليدار) إلى جانب إنشاء نماذج مفصّلة ثلاثية الأبعاد لشبكة الطرق الكثيفة، وذلك باستخدام منصةٍ برمجيةٍ باسم "مايكرو ستيشن"، تُستخدم في المشاريع المعمارية والتخطيطية، وتحقق معدّل دقةٍ يبلغ 0.3 متر، فتوفّر 3 آلاف يوم عملٍ بما يترتّب عليها من تكاليف تشغيلية.

في العام 2017، انتهى إنشاء البيانات الجغرافية الأساسية التي شكّلت المسودة الأولى للخريطة. وقد أخذت البيانات صِيَغاً متعدّدة بمساحة تخزينٍ إجماليةٍ تفوق 50 تيرابايت، وأُضيفَت إليها بيانات هندسية وثنائية الأبعاد وصورٌ جُمعت من المؤسسات المختلفة، كما يجري حالياً نشرُ أجهزة الاستشعار في كلّ أنحاء سنغافورة لتزويد الخريطة بالبيانات الحية.

وقد قررت السلطات أن تكون هذه الخرائط بياناتٍ مجانيةً متاحة عبر منصةٍ إلكترونية، إذ يتم طرحُها على مراحل لتستفيد منها شرائح مختلفة من المستخدمين في احتياجات عملية وعلمية وأمنية وبيئية وغيرها، أياً كانت الأنظمة أو التطبيقات التي يستخدمها الأفراد أو المؤسسات، وبحيث تكون سهلة الاستخدام ليتسنّى لغير المختصين التكيُّف مع المنحنيات الدنيا للتعلّم التقنيّ. على سبيل المثال، يستخدم مخططو مدينة يوهوا المنصةَ لتصميم جسرٍ للمشاة ولمتابعة مشروع "البصمة الخضراء" الذي يغطي منطقةً مستدامةً توفّر موارد الطاقة والمياه وتعيد تدوير نفاياتها.

وفي المرحلة القادمة، سيتم إنشاء توأمٍ رقميٍّ تحت أرضيّ، وترقية خدمات الخرائط الذكية التي يستخدمها المواطنون.

قد يكون متوقّعاً أنّ هذا الكم الهائل من البيانات مختلفة الأشكال والصِّيَغ لن يكون مفيداً ما لم توجد طرائق فائقة التطور للتعامل معه وإدماجه في الوظائف الحكومية، وهذا أول تحديات المشروع، فلا بدّ من بنية تحتية معلوماتية متقدمة وميزانيةٍ سخيةٍ للاستخدام والصيانة والتحديث المنتظم للبيانات وإدماجها وفق معايير البيانات المفتوحة. ولهذا، أطلقت السلطات برنامج رسم الخرائط لضمان استمرار التمويل، وتبنّت استراتيجيةً وطنيةً للاستكشاف المستمر لحلول رسم الخرائط والنماذج القائمة على الذكاء الاصطناعيّ ليتمَ تحديث الخريطة الشاملة كلّ 5 سنوات وبيانات الشوارع كلّ سنتين.

كما لجأت هيئة الأراضي إلى حلولٍ برمجيةٍ مجانيةٍ مستخدمةٍ في الحوسبة السحابية لتسهيل مشاركة البيانات مع مستخدمين مختلفين، الذين يمثّلون تحدياً آخر، فهم سيحتاجون إلى الكثير من التدريب ليتمكنّوا من التعامل مع هذه التقنيات والبيانات المتقدّمة.

بمشاركة البيانات عبر الحكومة بكلّ كياناتها، ستحقق سنغافورة توفيراً كبيراً في جهود قواها العاملة، وستستفيد مؤسساتُها من الخرائط ثلاثية الأبعاد لدعم العمليات اليومية والتخطيط وإدارة المخاطر والفيضانات وسلامة الطيران وغيرها من التطبيقات.

كما ستساهم هذه النقلة في بناء الوعي لدى المواطنين ومساعدتهم على التواصل لتحسين حياة مجتمعاتهم، في حين ستستفيد منها الشركات الخاصة في تخطيط أعمالها وتحديد الاستثمارات المثلى لمواردها، وعلاوةً على ذلك، فهي ستمثّل مرجعاً بحثياً وأكاديمياً بالغ الأهمية تُبنى عليه الابتكارات المستقبلية.

الأهمّ هو أنّ هذه الخرائط ستقدّم بياناتٍ موثوقةً ودقيقةً ليعتمد عليها صناع السياسات في تخطيط مستقبل التنمية في البلاد، كما سيتم استخدامُها في التطبيقات المتعلقة بالأمن القوميّ والتنمية الحضرية واختبار الحلول المختلفة بأقلّ هامشٍ من المجازفة والتكيُّف مع تغيّر المناخ. وبهذا، ستكون إطاراً رقمياً للأمة الذكية التي تطمح سنغافورة في الوصول إليها.

المراجع:

https://www.gim-international.com/content/article/singapore-s-journey-towards-a-nationwide-digital-twin
https://www.sla.gov.sg/
اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

أعضاء على رقاقة … ثورة في اكتشافِ الأدوية والرعاية الصّحيّة

سعياً إلى توفير أدوية أكثر أماناً وفعالية، أثمرت جهود العلماء ابتكاراً سُمي "الأعضاء على الرقاقة"، يقوم على محاكاة العمليات الحيوية على مستوى خَلَويّ، ويَعِد بسدّ الفجوة بين النظرية العلاجية والتطبيق السريريّ.

 · · 30 ديسمبر 2024

توربينات رياح تحصد طاقة الأعاصير في الصين

ابتكرت مجموعة مينج يانج الصينية تقنيةً متطوِّرةً تمكنها من تسخير أكثر ظواهر الطبيعة قسوةً لتوليد طاقةٍ نظيفةٍ ومتجددة، وهي منصّة توربيناتٍ متمركزة في المياه العميقة تحوِّل طاقة الرياح البحريّة إلى كهرباء حتى أثناء الأعاصير الشديدة.

 · · 30 ديسمبر 2024

مشروع "روبو فود": روبوتات صالحة للأكل تفيد قطاعي الصحّة والبيئة

شراكةٌ بين عدّة مؤسساتٍ أكاديميةٍ وبحثية، أثمرت عن تجربةٍ فريدةٍ من نوعها، حيث لا تُصنَع الروبوتات من المعادن، بل من مواد عضويةٍ صالحةٍ للأكل، فتَعِدُ بثورةٍ في الرعاية الصحية المستدامة وحتى في التجارب الغذائية.

 · · 30 ديسمبر 2024

الأمنُ السيبرانيّ في منطقةِ دول مجلس التعاون الخليجي ... لمحةٌ من كلِّ دولة

في عصر الاتصال الرقميّ تتنامى أهمية حماية الفضاء الإلكترونيّ، حقيقةٌ أدركتها دول مجلس التعاون الخليجيّ الساعية لتنويع اقتصاداتها خارج نطاق النفط والغاز، فكانت لكلٍّ منها تجربتُها في هذا السباق العالميّ.

 · · 6 ديسمبر 2024

الخرائط المناخية المصغّرة لمواجهة تأثير الجزيرة الحراريّة الحَضَريّة في سيدني

ضمن استراتيجيّة التكيّف طويلة الأمد، تعمل حكومة مدينة سيدني الأستراليّة بالتعاون مع خبرائها الأكاديميّين، على دراسة تغيُّرات درجات الحرارة عبر مناطقها المختلفة من خلال مسجِّلاتٍ تجمع البيانات، لتحليلِها والبناء عليها في اختيار الوسائل المثلى لمشاريع التبريد المستقبليّة.

 · · 19 نوفمبر 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right