مواقع MBRCGI
|
Ibtekr.org
|
MBRCGI.gov.ae
|
UAE Innovates
|
Edge of Government
|
Pitch@Gov

فرانكفورت تتنفس: كيف استعانت المدينة بنسائم الطبيعة لمقاومة حر المدن

فرانكفورت تتنفس: كيف استعانت المدينة بنسائم الطبيعة لمقاومة حر المدن

1 دقيقة قراءة
في مواجهة ظاهرة الجزر الحرارية وتكرار موجات الحر، اعتمدت فرانكفورت نهجاً مبتكراً عبر إنشاء ممرات لتوجيه الهواء البارد من الغابات والتلال المحيطة صوب قلب المدينة. تقوم هذه الشبكة على حلول طبيعية منخفضة التكلفة، تستخدم تدفّق الهواء الليلي لتبريد الأحياء من دون الاعتماد على مكيفات الطاقة العالية. هذه المبادرة، التي تستند إلى تخطيط حضري دقيق، حققت […]
شارك هذا المحتوى

في مواجهة ظاهرة الجزر الحرارية وتكرار موجات الحر، اعتمدت فرانكفورت نهجاً مبتكراً عبر إنشاء ممرات لتوجيه الهواء البارد من الغابات والتلال المحيطة صوب قلب المدينة. تقوم هذه الشبكة على حلول طبيعية منخفضة التكلفة، تستخدم تدفّق الهواء الليلي لتبريد الأحياء من دون الاعتماد على مكيفات الطاقة العالية. هذه المبادرة، التي تستند إلى تخطيط حضري دقيق، حققت نتائج إيجابية على أكثر من صعيد: تبريداً فعالاً، وتحسيناً من جودة الهواء، وخفضاً من استهلاك الطاقة، الأمر الذي يجعل من هذه التجربة نموذجاً أوروبياً يحتذى به في التكيّف الحضري المستدام.


مع تكرار موجات الحرّ وازدياد حدّتها في أوروبا، لم يعد تغيّر المناخ مجرد أزمة مستقبلية، بل هو واقع ملموس يخترق جدران المدن ويهدد جودة حياة سكانها. وبينما تتسابق بعض المدن لنشر أجهزة التكييف أو رصف المزيد من الإسفلت، اختارت فرانكفورت طريقاً مغايراً تماماً: طريق الهواء.


مدينة تعيد هندسة استجابتها المناخية


تُعدّ فرانكفورت من أكثر المدن الألمانية عمراناً واكتظاظاً. تغطي المواد غير المنفذة للماء، كالخرسانة والزجاج والأسفلت، أكثر من نصف مساحتها، ما يجعلها أرضاً خصبة لظاهرة الجزر الحرارية الحضرية. هذه الظاهرة، التي تحتفظ المدن بموجبها بالحرارة داخل مبانيها وشوارعها، تجعل الأجواء داخل المدينة أكثر حرارة من محيطها الريفي بدرجات قد تصل إلى عشر درجات مئوية، خاصة خلال الليل. ووفق التقديرات، قد يتضاعف عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية في فرانكفورت بحلول العام 2050، ما يجعل من التبريد قضية وجودية للصحة العامة.


وقد اعتادت فرانكفورت، مثلها مثل مدن أخرى، الاعتماد على التكييف كحل سهل لمشكلة الحرارة. بيد أنّه حل مكلف بيئياً واقتصادياً: فمكيفات الهواء تستهلك كميات كبيرة من الطاقة وتزيد انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يساهم في تفاقم الأزمة ذاتها التي يُفترض أن تعالجها. إلى جانب ذلك، فإن تحديث البنية التحتية للتبريد بشكل شامل في مدينة كبيرة يُعدّ عبئاً مالياً ضخماً، لا يمكن تعميمه بسهولة على جميع الأحياء، خصوصاً في مناطق ذوي الدخل المحدود.


الرياح تتولى المهمة


أمام هذه المعضلة، اختار مخططو فرانكفورت النظر إلى الطبيعة لا باعتبارها ضحية، بل شريكاً في الحل. فبدلاً من فرض التبريد الميكانيكي، اتجهوا إلى ما تُعرف بالحلول القائمة على الطبيعة، فكانت البداية من حيث لا يتوقع أحد: الريح.


تعتمد خطة فرانكفورت على مفهوم بسيط في ظاهره، لكنه يتطلب هندسة حضرية دقيقة: توجيه تدفقات الهواء البارد القادمة من غابات وتلال “تاونوس” المحيطة بالمدينة إلى المناطق الداخلية الأكثر حرارة. أُطلِق على هذه المساحات اسم “ممرات توجيه الهواء”، وهي ليست مجرّد شوارع أو حدائق، بل شبكة متكاملة من الممرات البيئية تتكوّن من أراضٍ خضراء، ضفاف أنهار، ومناطق غير مبنية، تتصل ببعضها البعض لتسمح بحركة الهواء البارد في الليل باتجاه المدينة.


في الليل، تنخفض درجات الحرارة في التلال المحيطة، ويبدأ الهواء البارد بالانحدار بفعل الجاذبية. عبر إبقاء هذه الممرات خالية من الحواجز العمرانية، يمكن لهذا الهواء أن يتدفق بحرية نحو الأحياء الداخلية، فيخفف من حدة الحر ويجدّد الهواء. وتُعد هذه العملية بمثابة “نظام تنفّس طبيعي” للمدينة، لا يحتاج إلى كهرباء ولا أجهزة ضخمة.


التخطيط الحضري يلتقي بهندسة المناخ


لكن إنشاء هذه الممرات لم يكن عشوائياً. فقد استخدمت المدينة أدوات متقدمة لنمذجة حركة الرياح ورسم خرائط الحرارة. وبناء على ذلك، طوّرت ما تُعرف بـ”خريطة تخطيط المناخ”، وهي كناية عن أداة حضرية تُستخدم لتقييم أي مشروع عمراني جديد في ضوء تأثيره على تدفّق الهواء. فلا يمكن بناء أي منشأة داخل هذه الممرات ما لم تكن مصمّمة للحفاظ على انسيابية الرياح.


كما أُعيد توزيع الأشجار والمساحات الخضراء بطريقة استراتيجية. فالأشجار، عندما تُزرع في أماكن مختارة، لا تحجب الرياح بل تساعد في ترطيب الجو عبر التبخر والتظليل، من دون عرقلة المسارات الهوائية. كما أُدخلت تحسينات على المباني البلدية لتشمل أسطحاً عاكسة للحرارة وحدائق سطحية، بما يكمّل أثر ممرات الرياح.


ما بعد الحرارة: الهواء، العدالة، والنظم البيئية


لم تقتصر فوائد هذه الاستراتيجية على خفض درجات الحرارة. فالمناطق التي تتمتع بتدفق هواء كافٍ سجّلت انخفاضاً في حالات الطوارئ الصحية المرتبطة بالحرارة، وتحسناً في جودة الهواء، وانخفاضاً في استهلاك الطاقة. كما أسهمت الممرات في تعزيز التنوع البيولوجي داخل المدينة، من خلال الحفاظ على المساحات الخضراء وربطها ببعضها البعض.


ولعلّ الأهم، أن هذه التجربة رسّخت مفهوم التكيّف الحضري القائم على الطبيعة، أي استخدام الحلول التي تتناغم مع الأنظمة البيئية بدلاً من معاداتها. وهذا النهج يتسم بالاستدامة والمرونة وقابلية التكرار، دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة أو موارد طاقة إضافية.


نموذج لعالم تزداد درجة حرارته


نجاح تجربة فرانكفورت لم يمرّ بصمت. فقد بدأت مدن أوروبية عديدة، من باريس إلى فيينا، في دراسة النموذج الألماني عن كثب، باعتباره مساراً مبتكراً لتحقيق التبريد الحضري من دون تكلفة بيئية باهظة. فبينما يتجه العالم نحو مزيد من التحضّر والاحترار، تبرز أهمية التفكير الاستباقي في تصميم المدن، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الضرر.


فرانكفورت لم تخترع الهواء، لكنها قررت احترامه. استعادت ما كانت الطبيعة تمنحه لها منذ قرون، ومنحته حق المرور وسط الأبنية والشوارع. بهذا، أثبتت أن الحلول العظيمة قد تبدأ من أشياء بسيطة: نسمة باردة، وممر مفتوح.


المراجع:
https://innovationorigins.com/en/how-urban-planning-solutions-and-architecture-help-cool-down-cities/


https://gca.org/5-cool-ideas-that-will-stop-frankfurt-getting-too-hot/

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

منبه نقاط التحول المناخي لرصد ساعة اللاعودة في مناخ الأرض

بالاستناد إلى تقنيات متقدمة تشمل الاستشعار الفضائي والذكاء الاصطناعي ونماذج علوم الأرض، واعتماداً على تحليل بيانات ضخمة لرصد تغيرات دقيقة في نظم المناخ، أطلقت المملكة المتحدة مشروعاً رائداً لإنشاء نظام إنذار مبكر قادر على رصد العلامات المبكرة لانهيارات بيئية لا رجعة فيها، مثل ذوبان الجليد أو زوال الغابات. يقود هذا المشروع فريق متعدد التخصصات يشعى […]

 · · 19 يناير 2026

“مخزن طعام” حي في قلب الصحراء: كيف أعاد حي دنبار سبرينغ رسم ملامح الحياة في أريزونا

في بيئة يندر فيها الماء ويشتد فيها القيظ، قرر سكان حي دنبار سبرينغ التاريخي في مدينة توسان بولاية أريزونا الأمريكية، كسر المعادلة. لم ينتظروا سياسات حكومية أو استثمارات ضخمة، بل صنعوا حلولهم بأيديهم. اليوم، وبعد ما يقارب 30 عاماً، صار الحي بمثابة مختبر حيّ للاستدامة البيئية، يُدرّس في الجامعات ويُلهم الأحياء الأخرى. تجربة تُصغي جيداً […]

 · · 2 يناير 2026

واحة اصطناعية تُعيد الحياة لمنظومة بيئية مفقودة

في قلب صحراء مكسيكالي القاحلة، يروي مشروع “لاس أرينيتاس” حكاية غير مألوفة: مياه صرف صحّي تبعث الحياة في أرض ميتة. فبعدما واجهت المنطقة لعقود تلوّثاً بيئياً حاداً، برزت هذه المحطة كنموذج يجمع بين المعالجة الهندسية والحلول الطبيعية. ومن خلال أرض رطبة اصطناعية صُممت بعناية، عاد النظام البيئي إلى الحياة، في تجربة أثبتت أن الاستدامة تبدأ […]

 · · 2 يناير 2026
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right