اليابان تعلّق آمالها على الهيدروجين لمستقبل أخضر

اليابان تعلّق آمالها على الهيدروجين لمستقبل أخضر

2 دقائق قراءة
رسمت اليابان أهدافاً طموحةٍ لمستقبلٍ محايدٍ لمستويات الكربون، فوضعت الاستراتيجية الوطنية الساعية إلى مجتمعٍ قائمٍ على الهيدروجين وبشكلٍ مجدٍ اقتصادياً، فافتتحت محطة عالمية للهيدروجين الأخضر، وأطلقت أولى سفن نقل الهيدروجين المسال، وصمّمت سياسات الدعم الحكوميّ وعقدت الشراكات الدوليّة لبلوغ رؤية العام 2050. عقب الإجماع العالميّ على هدف مواجهة تغيّر المناخ وتحقيق الحياد الكربونيّ، تخرج الحكومات […]
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

رسمت اليابان أهدافاً طموحةٍ لمستقبلٍ محايدٍ لمستويات الكربون، فوضعت الاستراتيجية الوطنية الساعية إلى مجتمعٍ قائمٍ على الهيدروجين وبشكلٍ مجدٍ اقتصادياً، فافتتحت محطة عالمية للهيدروجين الأخضر، وأطلقت أولى سفن نقل الهيدروجين المسال، وصمّمت سياسات الدعم الحكوميّ وعقدت الشراكات الدوليّة لبلوغ رؤية العام 2050.

عقب الإجماع العالميّ على هدف مواجهة تغيّر المناخ وتحقيق الحياد الكربونيّ، تخرج الحكومات يومياً بسياساتٍ وابتكاراتٍ جديدةٍ لإيجاد البدائل وتسريع المسيرة صوب الطاقة النظيفة.

لم تكن حكومة اليابان بمعزلٍ عن هذا التوجّه، بل صمّمت خطةً لتعزيز أمن الطاقة، فهي وبخلاف التوقّعات، لديها معدّل اكتفاءٍ ذاتيٍّ متدنٍّ لم يتجاوزْ 20.3% في العام 2010، ليأتي زلزال شرق اليابان الكبير في العام 2011 ويخفّضه إلى 6%. ولم تفلح سنوات من الجهود الحكومية المكثّفة في إنعاشه، فوصلَ في العام 2018 إلى 11.8% ولم يرتفع منذ ذلك الوقت.

ازداد التحدّي تعقيداً حين سرّعت الحكومة أهداف خفض الانبعاثات من 26% إلى 46% قبل العام 2030، إذ وجدت أنّ محركات مستقبل الطاقة هي الهيدروجين، بناءً على توقّعات مجلس الهيدروجين العالميّ بقدرة الهيدروجين على توفير 18% من الطلب العالميّ على الطاقة بحلول العام 2050.

ما تهدف إليه اليابان فعلياً هو تسويق مخططات إنتاج الهيدروجين من مصادر الطاقة المتجدّدة، أي ما يُعرف بـ "الهيدروجين الأخضر"، وتطوير البنى التحتية اللازمة لذلك، وتوفير الإطار التشريعيّ والدعم الماليّ للصناعات التي تسهم في تسيير سلاسل توريد الهيدروجين والأمونيا.

وتتكئ الحكومة على تفوّقها التكنولوجيّ لتطوير صناعاتٍ تنمويةٍ جديدةٍ توظّف الهيدروجين في مجالاتٍ أبعد وأوسع من توليد الطاقة والنقل، فوضعت في العام 2017 اللمسات الأخيرة على "استراتيجية الهيدروجين الأساسية"، وهي برنامج ثلاثيّ المراحل للانتقال خطوةً بخطوة إلى مجتمعٍ قائمٍ على الهيدروجين.

ستتضمّن الاستراتيجية سياساتٍ لتنسيق العمل ضمن الحكومة لإنتاج الهيدروجين الخالي من الكربون واستخدامه بتكلفة منخفضة، واجتياز التحديات التكنولوجية حتى يصبح مكافئاً حقيقياً للطاقة التقليدية.

على سبيل المثال، افتتحت اليابان في العام 2020 إحدى أكبر محطات الهيدروجين الأخضر في العالم بالقرب من مركز كارثة فوكوشيما النووية، والتي استغرق إنشاؤها عامين، وتعتمد على منظومةٍ من ألواح الطاقة الشمسية المُثبّتة حول محيطها، لتَمُدَّها بـ 20 ميجاواط من الطاقة تحوِّلها المنشأة إلى 1200 متر مكعّب من الهيدروجين الأخضر كلّ ساعة، تستخدمها أو تخزِّنها لملاءمة تقلُّبات العرض والطلب.

وحين انتصف العمل على المحطة، دشّنت الحكومة سفينة "سويسو فرونتيير"، لتكون أول باخرةٍ لنقل الهيدرجين المسال في العالم، وهي حصيلة تعاونٍ مع الحكومة الأسترالية، وتأتي ضمن إطار مشروع "سلسلة إمداد الطاقة الهيدروجينية" الذي تبلغ قيمتُه 500 مليون دولار أسترالي.

كما تعاونت الدولتان لإنتاج الهيدروجين من الفحم البنيّ، فقدّمت حكومة اليابان أكثر من 1.6 مليار دولار من صندوق الابتكار الأخضر لتمويل المشروع الذي سيحوّل فحم وادي "لاتروب" بمدينة فيكتوريا إلى غاز، لتحريض تفاعلٍ بين المركّبات الناتجة والماء، لتوليد الهيدروجين الذي لن يكون عديم الانبعاثات تماماً، لكنّه سيتّسم بمركزية الإنتاج التي ستنعكس على ضبط التلوث.

شراكةٌ مماثلة جمعت اليابان بالولايات المتحدة في مسعى تطوير الطاقة النظيفة. والهدفُ ذاتُه دفع 9 شركاتٍ يابانيةٍ رائدةٍ لتشكيل "جمعية الهيدروجين اليابانية"، ومهمتها بناء الشراكات الدولية، وإنشاء سلاسل موثوقةٍ لتوليد الهيدروجين، ومدّ الحكومة بالمشورة بشأن تخطيط السياسات.

أهمّ هذه السياسات كانت سياسة الدعم التي صمّمتها وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة أواخر العام 2022، ويمكن وصفُها بخطةٍ مؤقّتةٍ لإرساء سلسلة توريدٍ بحلول العام 2030. بموجبِها، ستقدّم الحكومة الدعم الماديّ لتغطية فرق السعر بين مادتي الهيدروجين والأمونيا من جهة، والوقود الأحفوريّ من جهةٍ أخرى، في إجراءٍ سيستمرّ 15 عاماً وسيكلّف الحكومة قرابة 52 مليار دولار.

تكثّف الحكومة جهودَها لتكريس الهيدروجين في الثقافة المحلية كمصدرٍ مُعتمَدٍ للطاقة، فمن إطلاق شركة "تويوتا" لأول سيارةٍ تعمل بالوقود الهيدروجينيّ في العالم، إلى أسطول الحافلات الهيدروجينية التي تعبر شوارع طوكيو يومياً، إلى إيقاد شعلة الأولمبياد باستخدام الهيدروجين الذي رافق الحدث العالميّ، ما من مركبةٍ أقلّت الرياضيين أو الفِرَق الفنية ضمن الفعاليات، إلّا وكانت تعمل بالهيدروجين.

لم تسلم هذه الجهود من الانتقادات والأصوات المطالِبة بتسريع العمل لإزالة الكربون وإنتاج الهيدروجين الأخضر. وكعادتها، تردّ الحكومة اليابانية بمضاعفة جهودها لكسب ثقة الجمهور الذي تشغله أزمة الطاقة والمناخ.

وتنشغل الحكومة بتحديات عالميةٍ تتعلّق بسلاسل الإنتاج والإمداد التي قد تعوق رؤيتها، فمهما دعمت مجتمعها المحليّ للتحول إلى الهيدروجين، لا يمكنه البقاء معزولاً عن المجتمع الدوليّ الذي لا يشهد زخماً مماثلاً، خاصةً بالنظر إلى ارتفاع التكلفة، فسعر مركبات خلايا الوقود الهيدروجينية مثلاً أعلى بكثيرٍ من كلّ الخيارات الأخرى بما فيها الكهربائية.

وحتى داخل اليابان، ما يزال عدد محطات الهيدروجين محدوداً، رغم أنّها تتيح تعبئة المركبة خلال أقلّ من 5 دقائق، متفوِّقةً على المركبات الكهربائية التي تستغرق ساعةً لإعادة الشحن.

ولا تقتصر أهداف اليابان على المناخ، فهي تسعى لحجز مكانةٍ كمنافسٍ قويٍّ في سوق الطاقة النظيفة. هذا ما تؤكده تقارير وكالة الطاقة الدولية والمكتب الأوروبي لبراءات الاختراع، حيث تتشارك اليابان الصدارة مع الاتحاد الأوروبيّ في براءات الاختراع والابتكارات المتعلّقة بالهيدروجين.

بدورها، ستسهِم سياسات الدعم الحكومية والشراكات الدولية في إنشاء بيئةٍ للتنافس والخروج بسلاسل قيمةٍ عالميةٍ وتحويل الهيدروجين إل خيارٍ عمليّ لتحقيق الفوائد الاقتصادية وبناء مستقبل طاقةٍ أنظف.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

تمكين العقول الشابة … كيف تعزّز منطقة واترلو الابتكار

في قلب أونتاريو، حيث يلتقي الابتكار بالتعاطف، تعمل مبادرةٌ على تشكيل المستقبل بالعمل مع عقول الشباب، في مختبر الابتكار، بمنطقة واترلو الذكية، الذي يقوّي قدراتهم على حلّ المشكلات عبر التعلّم القائم على المشاريع ومقاربة تحدّيات العالم الحقيقيّ.

 · · 3 فبراير 2025

مبادرة "مليون جينوم وأكثر" في أوروبا … أفقٌ جديدٌ للبحوث الطبيّة

لإحداث ثورةٍ في الرعاية الصحية من خلال الطبّ الشخصي، أطلق الاتحاد الأوروبيّ مبادرةَ "مليون جينوم وأكثر" التي ستُرسي بنيةً تحتيةً آمنةً للبيانات الجينومية والسريرية، وتعزِّز التعاون بين 25 دولة، وتسهم في وضع المعايير الدولية في هذا المجال.

 · · 3 فبراير 2025

التقويم البيئي: خبرة الشعوب الأصلية وسيلةً صوبَ المرونة المناخية

على الجبال الوَعِرة وحول ضفاف الأنهار الجليديّة، تواجه المجتمعات الأصلية آثر تغيّر المناخ متكئةً إلى خبراتها وتقاليدها، فتتشارك مع خبراء الدراسات البيئية في إعادة إحياء حكمتها القديمة لتنسِّقَ سُبُلَ عيشِها وتحقق سيادتِها وأمنها الغذائيين.

 · · 3 فبراير 2025

برنامج الطبّ الدقيق في جنوب أفريقيا: دراسة التركيبة الجينية لإحداث نقلةٌ في الرعاية الصحيّة

لمواجهة التحدّيات الصحّية التي تهدّد سكان جنوب أفريقيا، بحث العلماءُ عن المفتاح في مورِّثاتِهم، فانطلقت مبادرةٌ باسم الطبّ الدقيق، الذي يصمّم التدخُّلات العلاجية بناء على الخصائص الفردية، بدلاً من تطبيق بروتوكولاتٍ موحَّدةٍ على جميع المرضى.

 · · 6 ديسمبر 2024

الزراعة المستدامة، نظم الأغذية المرنة، الزراعة العضوية، البنية الأساسية العامة الرقمية

بهدف تعزيز سبل العيش الزراعية المستدامة، بادرت حكومة ولاية كيرالا الهندية بابتكارٍ أسمته "منصة الأغذية"، وسَعَت من خلاله إلى إنشاء شبكة تعاونياتٍ عبر مختلف القطاعات، من الزراعة إلى منتجات الألبان وتوزيع الأغذية العضوية وغيرها، وذلك لمقاربة التحدّيات التي تواجهها وزيادة متانة منظومتها الزراعية وشفافيّتها وعدالتها.

 · · 6 ديسمبر 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right