لمواجهة التحديات الحضرية المتزايدة، أطلقت مدينة كورية جنوبية مبادرة مبتكرة تعيد تعريف مفهوم الفضاء العام، من خلال منصة رقمية تشاركية يمكن فيها للسكان اقتراح استخدامات جديدة للأماكن العامة والتصويت عليها، في ممارسة تتجاوز البيروقراطية وتمكّن المجتمعات من رسم ملامح بيئتها. المشروع، الذي بدأ بتجربة محلية، يفتح آفاقاً جديدة للحوكمة المدنية، ويجمع بين التكنولوجيا والاستدامة والمشاركة المجتمعية. نموذجٌ يعكس تحوّلاً في التفكير الحضري، تصبح فيه المدينة فضاءً ديناميكياً يُدار من القاعدة، وتُبنى فيه العلاقات والمبادرات من الداخل، وبصوت الناس أنفسهم.
في إطار محاولة فعلية لتقويض هيمنة البيروقراطية التقليدية على المجال الحضري، واستبدالها بنموذج تشاركي يعيد تعريف العلاقة بين الناس وبيئتهم العمرانية، لم تعد الفضاءات العامة في دايغو، رابع أكبر مدينة في كوريا الجنوبية، تقتصر على الأرصفة والساحات والحدائق، بل يجري اختبار تصور جديد لما تعنيه "الملكية العامة"، من خلال مشروع طموح يمنح السكان السلطة الكاملة لإدارة تلك المساحات، اقتراحاً وتنفيذاً وتطويراً.
فقد وجدت دايغو، وسط التحديات التي تعصف بالمدن الكبرى، من أزمات سكن وهجرة وتغير مناخي وانقسامات اجتماعية متفاقمة، أن الوقت قد حان لتجريب طريقة جديدة في إدارة الحياة الحضرية من خلال مبادرة تحمل اسم "إعادة ترخيص المدينة". تمثل هذه المبادرة تحولاً جذرياً في طريقة التخطيط الحضري، فهي تنطلق من حاجة المجتمع إلى أن يكون فاعلاً في صياغة شكل المدينة وتحديد كيفية استخدام مواردها.
في قلب هذا التحول، تقف منصة رقمية صُممت لتكون أشبه بسوق مفتوح للأفكار والمبادرات. تتيح المنصّة لأي ساكن في المدينة أن يقترح نشاطاً لاستخدام أحد الفضاءات العامة، كتنظيم فعالية ثقافية، أو إنشاء مطبخ مجتمعي مؤقت، أو إطلاق مبادرة بيئية، أو حتى إقامة ورشة لإصلاح الدراجات. وبمجرد تسجيل الفكرة، تصبح متاحة لتقييم المجتمع المحلّي، الذي يصوّت عليها ويغربلها، في عملية جماعية شفافة تشبه إلى حدّ بعيد ديناميكية وسائل التواصل، لكن بغاية حضرية.
من الناحية التقنية، يبدو النظام بسيطاً: واجهة إلكترونية سهلة الاستخدام، قائمة مقترحات جاهزة أو مفتوحة، وآلية تصويت تشاركي. لكن من الناحية الاجتماعية، فإنه يخلخل أنماط السلطة التقليدية التي طالما نظّمت الفضاء العام كامتداد للسلطة السياسية أو الإدارية. فبدلاً من أن تكون الأماكن العامة موضوعاً للمصادقة من جهة رسمية، تتحوّل إلى فضاء حيّ تحكمه ديناميكيات جماعية متجددة، تحرّكها الرغبة في التلاقي والتجريب والابتكار.
وراء هذا المشروع يقف تعاون مؤسسي متين. فبلدية دايغو، بوصفها الجهة الحاضنة للمبادرة، أتاحت الفضاءات الأولى التي يتم تجريب النموذج عليها، وحددت موقعين ثقافيين مهجورين كمختبرين مدنيين للاختبار. وإلى جانبها مؤسسة غير ربحية تُعنى بابتكار حلول حضرية خارج الأطر التقليدية، تساهم في تصميم النظام الرقمي، ووضع الأطر الاجتماعية التي تضمن انضباط التجربة من دون أن تقيّدها. وفي الخلفية "تحدي بلومبرغ العالمي لرؤساء البلديات"، المسابقة التي اختارت دايغو ضمن قائمة "المدن الرائدة" في العام 2021.
لكن لماذا كانت هناك حاجة إلى مثل هذا التحول الجذري؟ ببساطة لأن النماذج السائدة في إدارة الفضاء العام باتت عاجزة عن مواكبة التغيرات السريعة في المجتمعات الحضرية. كثير من هذه النماذج يعتمد على مركزية خانقة، تطيل إجراءات الترخيص، وتستبعد السكان من القرار، وتحوّل المكان العام إلى بيئة باهتة لا تُلهم أحداً. أما في الأحياء المهمّشة، فالنتيجة تكون أشد وطأة: تهميش مزدوج، مادي ورمزي، يجعل السكان يشعرون بأنهم غرباء حتى داخل أحيائهم.
في المقابل، تأتي تجربة دايغو لتُعيد الاعتبار إلى الناس كمحرّك أساسي للمدينة. فعندما يُمنح المواطنون الأدوات المناسبة، والمنصة التقنية، والدعم المؤسسي، فإنهم يصبحون أكثر من مجرد مستخدمين للمكان: يتحولون إلى شركاء في تشكيله. وفي هذا السياق، لا تكون الفضاءات العامة مجرّد مواقع جغرافية، بل حوامل للذاكرة الجمعية، وروابط الانتماء، ومختبرات للعيش المشترك.
تعد المرونة واحدة من أقوى مميزات هذا النموذج. فالمنصة لا تحدد مسبقاً ما هو مقبول وما هو غير مقبول، بل تفتح المجال أمام الابتكار، وتشجع التجريب. يمكن أن تُستخدم ساحة ما اليوم لإقامة معرض فني، وفي الأسبوع التالي تتحوّل إلى حديقة مجتمعية، أو مسرح مفتوح، أو حتى مساحة لتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا بالضبط ما يمنح المدينة طابعها الديناميكي، ويمنع تجميد المكان في وظيفة واحدة ضيقة.
كما أن المنصة تتيح دمج البُعد البيئي ضمن هذه التجربة الحضرية الجديدة. من خلال ربطها بأجهزة استشعار موزعة في الفضاءات العامة، يمكن مراقبة جودة الهواء، واستهلاك الطاقة، وكثافة المرور، ما يسمح بتغذية المنصة ببيانات حيّة تساعد على توجيه القرارات بشكل مستدام. بل يمكن تتبّع مؤشرات اجتماعية مثل العزلة أو الشعور بالانتماء، ما يفتح الباب أمام سياسات أكثر حساسية لتجربة المواطن.
لا يتوقّف الأثر عند حدود الابتكار المحلي. فبما أن المدن الكبرى حول العالم تواجه مشكلات متشابهة، من احتكار الفضاء العام، إلى تصاعد الفجوات الاجتماعية، فإن قابلية تعميم نموذج دايغو تصبح مرجعية. خصوصاً في المدن التي تستقبل موجات من اللاجئين أو المهاجرين، أو التي تعاني من نقص الموارد، أو التوترات البيئية. المنصة الرقمية تتيح حلولاً آنية وقابلة للتكيف، من دون الحاجة إلى مشاريع بنية تحتية ضخمة.
تُظهر تجربة دايغو أن إصلاح المدن لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بتحرير خيال السكان ومشاركتهم كمبدعين. التكنولوجيا ليست بديلاً عن العلاقات، بل وسيلة لتعزيزها. إشراك الفئات الهشّة شرط للعدالة، والمرونة المُنظّمة تفتح المجال لمدن أكثر تنوّعاً وابتكاراً وإنصافاً. وما تفعله هذه المدينة ليس مجرد تجربة محلية، بل دعوة عالمية لإعادة تخيّل المدينة من جديد: مدينة لا تُملى من أعلى، بل تُبنى من القاعدة، مدينة يكون فيها كل مواطن صانعاً للحياة العامة لا متفرجاً عليها.
المراجع:
https://bloombergcities.jhu.edu/news/city-putting-its-people-charge-public-space
https://provocations.darkmatterlabs.org/re-permissioning-the-city-unlocking-cities-growing-underutilised-spatial-assets-for-an-emergent-1550997714a4











