علاجاً لضعف المشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي، لجأت مدينة أمريكية صغيرة إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لفهم أعمق لأصوات السكان. من خلال تحليل آلاف الآراء الواردة من المنصات الرقمية باستخدام خوارزميات معالجة اللغة الطبيعية، تمكنت المدينة من تلخيص اتجاهات الرأي العام وصياغة سياسات أكثر استجابة. هذا الابتكار لا يستبدل الإنسان بالآلة، بل يُعزّز قدرة المسؤولين على الاستماع بفعالية وتحديد أولويات المجتمع. النموذج يعكس تحولاً نحو ديمقراطية أكثر شمولاً ومرونة، ويؤكد أن التكنولوجيا قد تكون حليفاً حقيقياً للحكم العادل إذا استُخدمت بمسؤولية وشفافية.
في مدينة ساوث بيند الصغيرة بولاية إنديانا، التي لا تتجاوز أعداد سكانها حاجز المئة ألف نسمة، تجري تجربة جريئة قد تُعيد تعريف العلاقة بين الناس وحكوماتهم المحلية. في مشهد مألوف في الولايات المتحدة، تغيب معظم أصوات المواطنين عن جلسات البلديات، وتظل صناديق الاقتراحات خاوية إلا من الرسائل المتكررة، بينما يعاني المخططون من ضبابية الأولويات الحقيقية للمجتمع. غير أن هذه المدينة قررت قلب الطاولة، مستعينةً بأداة غير معتادة في عالم الحوكمة: الذكاء الاصطناعي.
لطالما كانت المشاركة المدنية حجر الزاوية في العمل البلدي، لكنها تعاني من أزمات صامتة. فالوقت واللغة وانعدام الثقة، هي عوامل تمنع الكثيرين من إبداء رأيهم. والنتيجة: قرارات تصدر بأصواتِ حفنةٍ لا تعبّر عن النسيج الكامل للمجتمع. في مواجهة هذا “العجز الديمقراطي”، لجأ فريق العمدة إلى أدوات تحليل ذكية قادرة على التقاط نبض السكان من مصادرهم المباشرة، سواءً أكانت تعليقات على الإنترنت، أو كانت رسائل نصية، أو حتى منشورات عفوية على منصات التواصل.
يعمل النظام الجديد وفق خوارزميات متطورة لتحليل اللغة الطبيعية، يستطيع من خلالها فهم محتوى الآراء وسياقها العاطفي، وتلخيص آلاف الملاحظات في خطوط واضحة ترشد صانعي القرار. فحين سُئل السكان عن آرائهم في تطوير حديقة مركزية، لم يكن على مسؤولي المدينة فرز الجوابات يدوياً أو الركون للحدس؛ بل قدمت الأداة تحليلاً مُفصلاً بيّن أن ما يهم الناس حقاً هو الظل والأمان ومساحات مفتوحة للأنشطة المجانية. وبدلاً من اختزال الناس في أرقام، بات بالإمكان الاستماع إليهم وهم يتحدثون بلغتهم الخاصة.
النتائج الإيجابية بدأت تظهر. فخلال أشهر قليلة، تضاعف عدد المشاركات التي يمكن تحليلها، وانخفض الوقت المطلوب لمعالجة البيانات، في حين تحسّن نوع القرارات المتخذة، وصار لدى السكان ما يدل على أن صوتهم له صدى. هذه الاستجابة لم تكن فقط تقنية، بل عاطفية أيضاً: إذ يشعر المواطن الآن أن ملاحظاته لا تذهب في الفراغ، بل تُؤخذ بجدية وتُترجم إلى واقع ملموس.
لكن ساوث بيند لا ترى في الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الإنسان، بل شريكاً له. فالأداة تقدم الخيوط، بينما يحافظ الموظفون والمجالس المحلية على مهمة ربطها بسياقها، وتصفية الضجيج عن الجوهر، مع مراعاة العدالة الاجتماعية في كل قرار. وهذا ما يميز التجربة: إنها تعزز العمل الجماعي بين الإنسان والآلة، لا على حساب أحدهما.
اليوم، توسّع المدينة نطاق استخدام هذه الأداة لتشمل مجالات أخرى من التخطيط، وتشارك نتائج تجربتها مع مدن أميركية مشابهة عبر شبكات مثل مبادرة “What Works Cities” التابعة لمؤسسة بلومبرغ الخيرية. ورغم أن المشروع لا يخلو من التحديات — مثل تحيّزات الخوارزميات، وقضايا الخصوصية، ومخاطر الاعتماد المفرط على الأتمتة — إلا أن ساوث بيند تسير في طريق شفاف وأخلاقي لتوظيف الذكاء الاصطناعي بما يخدم المصلحة العامة. إنها تطرح سؤالاً جريئاً على الديمقراطية المحلية: ماذا لو لم يكن الحل في اختراع آليات جديدة للمشاركة، بل في تحسين قدرتنا على الإنصات لما يُقال فعلاً؟
ما بين خوارزميات معالجة اللغة الطبيعية وخوارزميات تعلّم الآلة، ثمّة أمرٌ بدأ يتبلور في هذه المدينة الصغيرة، حيث تتحدث البيانات ويُسمع صوت الناس أخيراً.
المراجع:
MIT Technology Review: A Small US City Experiments with AI to Find Out What Residents Want











