تحليلات البيانات في القطاع الحكومي

تتّخذ كل جهة حكومية كانت أو خاصة العديد من القرارات بشكل يومي، حتى أن ممارساتها اليومية تكون عبارة عن سلسلة من القرارات المستمرة حول كيفية تخصيص الأموال وما الذي ينبغي شراءه أو بيعه ومن الجهة الواجب التواصل معها وما هي المهام الواجب إنجازها. وفي الوقت الذي تثمر فيه القرارات السليمة عن ازدهار الجهة ونجاحها، فقد تكون للقرارات الخاطئة تداعيات فادحة. فما المقصود بالقرار “السليم” أو “الخاطئ” بالنسبة للقطاع الحكومي؟ القرارات السليمة هي تلك المبنية على أسس موضوعية وعقلانية بغض النظر عن المصالح المحدودة لفئة اجتماعية واقتصادية معينة. ويكون القرار موضوعيًا وعقلانيًا عندما يستند إلى دلائل مستقاة من تحليلات علمية ومنهجية لبيانات صحيحة وموثوقة. ومع إعادة اكتشاف قيمة المعلومات القائمة على البيانات، باتت ممارسات “تحليلات البيانات” من أكثر الممارسات شيوعًا لكل جهة حكومية وخاصة. وفي ظل البيئات المتغيرة بوتيرة سريعة، أصبحت الجهات مطالبة باتخاذ قرارات قائمة على المعلومات ومدعومة بتحليل البيانات.

يستعين القطاع الخاص بتحليلات البيانات لغايات تحسين الإنتاجية وكشف النقاب عن فرص العمل الجديدة، أما القطاع الحكومي فهو يوظف ممارسات تحليلات البيانات لابتكار أساليب عمل جديدة وتصميم خدمات على قدر أعلى من الجودة وتقديمها لأفراد المجتمع. بالرغم من ذلك، لا يزال القطاع الحكومي في دول عدة متأخرًا وغير مستعد للاستفادة من الفرص القيّمة الناشئة عن تحليلات البيانات. في المقابل، فقد بدأ القطاع الخاص في البيئات القائمة على البيانات والممثلة بالبيانات الضخمة بالتحرك بسرعة وتسخير تحليلات البيانات ليس فقط لتعزيز الكفاءات الإدارية والتشغيلية وإنما أيضًا لفهم احتياجات المتعاملين والتنبؤ بسلوكيات السوق.

لا يمكننا استثناء القطاع الحكومي لأن بعض الدول طبقت ممارسات تحليلات البيانات على سياسات مثل مراقبة حركة المرور وخدمات الرعاية الصحية وغيرها من المجالات بهدف الكشف عن طبيعة التحديات المتشابكة والخروج بحلول أفضل. ومن الأمثلة على ذلك سياسة النقل العام؛ إذ يمكن لهيئة النقل جمع بيانات المرور في الوقت الفعلي من مصادر متعددة كأجهزة الاستشعار على الطريق والكاميرات وأجهزة تحديد المواقع داخل السيارات ورسائل الإشعارات البسيطة SNS. وبفضل التقنيات التحليلية الجديدة، يمكن لهيئة النقل معالجة تلك البيانات وتحليلها لتزويد السائقين بمعلومات في الوقت الفعلي عن حركة المرور. وعندما تكون البيانات حول كثافة حركة المرور وحجمها وسرعتها مدمجة مع الظروف الجوية وجودة الطريق، يمكن لهيئة النقل التنبؤ بخطر التعرض لحوادث وبالتالي تنبيه السائقين ليأخذوا الحيطة والحذر. ويعد هذا النوع من نظام النقل الذكي القائم على البيانات الضخمة أحد العناصر الرئيسية في البنية التحتية لأي مدينة ذكية.

بالرغم من جهوده المبذولة في هذا الإطار، لم يستفد القطاع الحكومي من فوائد تحليلات البيانات بشكل كامل. وإذا ما اتفقنا على أهمية تحليل البيانات، يمكن تحديد مدى نجاح جهات القطاع الحكومي بناءً على مدى قدرتها على استخلاص المعارف والرؤى من هذه التحليلات.

معنى تحليلات البيانات

يُشير مفهوم “تحليلات البيانات” في السياق المعتاد إلى وظيفة “تحليل البيانات”، وتشير كلمة تحليل إلى “الفحص والمعاينة المفصلة لأي شيء متشابك بغرض فهم طبيعته أو تحديد خصائصه الأساسية”. أما كلمة “تحليلات” فمعناها “طرق التحليل المنطقي”.  لدى تطبيق هذه المصطلحات في مجال علم البيانات، يصبح نطاق تحليل البيانات أوسع بحيث يشمل تحليلات البيانات رغم أنهما مجالان متداخلان. وعلى نحو أكثر دقة، يفسر علماء البيانات تحليل البيانات على أنه عملية “فحص البيانات وتنقيحها ونقلها ونمذجتها” لاكتشاف معلومات هامة. 

بالحديث عن تحليل البيانات من منظور مؤسسي تنظيمي، فإن الغرض النهائي منه هو تحقيق الاستفادة القصوى من نتائج التحليل للتوصل إلى رؤى وأفكار تساعد باتخاذ القرارات السليمة. في المقابل، ترتبط تحليلات البيانات بالاستخدام الفاعل للأدوات والتقنيات. بالرغم من اختلاف تعريف كل منهما، إلا أنه لا يمكن الفصل بين تحليل البيانات وتحليلات في الممارسة الفعلية. فعلى سبيل المثال، إذا رغبت أي جهة بتحقيق قيمة من بيانات معينة، ينبغي تحليل أنماط البيانات المنظمة وغير المنظمة والعلاقات فيما بينها وذلك من خلال تطبيق الأدوات والتقنيات التحليلية ذات العلاقة. ولتحقيق ذلك، لا غنى عن المعرفة الأساسية بعلوم الرياضيات والإحصاء ممزوجة بمهارات الحاسوب.

أهمية تحليلات البيانات في القطاع الحكومي

تُشكل الجهات الحكومية سواء كانت جهات حكومية أو جهات مملوكة للدولة أو غير ذلك ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني. وقد شهد القطاع الحكومي في العديد من الدول نموًا سريعًا خلال السنوات الماضية ليملك اليوم حصة كبيرة من التوظيف والإنفاق في الاقتصاد الرقمي. وبالنظر إلى تزايد الطلب على الخدمات الحكومية المتنوعة، فلا يتوقع أن يتضاءل دور القطاع على الأقل في المستقبل القريب. ولذلك، يجب إدارة القطاع الحكومي بطريقة أكثر فعالية وكفاءة تقوم على الشفافية والمساءلة. ومن بين النهج التي يمكن للقطاع الحكومي اتباعها لتلبية هذا الطلب هو اتخاذ قرارات مستندة إلى دلائل وبراهين.

في الماضي، كانت البيانات الموثوقة محدودة وتطلّب جمع البيانات وتحليلها قدرًا كبيرًا من الوقت والمال، وهذا ما جعل من الصعب اتخاذ قرارات مستندة إلى أدلة وبراهين. واليوم، بفضل التطور الذي تشهده البيئات الجديدة القادرة على توليد كم كبير من البيانات في الوقت الفعلي سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو البحث في الإنترنت أو إنترنت الأشياء أو غيرها من المصادر، أصبح بإمكان الجهات الحكومي جمع البيانات بسرعة ليس لها مثيل. علاوة على ذلك، أصبحت تقنيات تحليلات البيانات الجديدة متاحة لتمكن القطاع الحكومي من الحصول على رؤى تساعده على اتخاذ قرارات أفضل.

من المؤكد أن هذه البيئات المتغيرة توفر فرصًا غير مسبوقة للقطاع الحكومي. وفي حال أخفق بالاستفادة من هذه التغييرات، ستضعف قدرته التنافسية لأنه يعتمد منهج “العمل كالمعتاد” دون تطور يُذكر. وفي ظل هذه الظروف، لم تعد المسألة مسألة اختيار، وإنما هي ضرورة وواجب على القطاع الحكومي أن يضمن تحليلات البيانات ويرسخها في العمليات والسياسات والإدارة لتحقيق الأهداف المنشودة.

لا تقتصر فوائد تحليلات البيانات على تمكين اتخاذ قرارات قائمة على المعلومات بشكل أفضل؛ إذ يواجه القطاع الحكومي تحديات تنشأ عن توقعات الأفراد الذين يبحثون عن فرص عمل جديدة قائمة على البيانات. أي بمعنى آخر، يعتقد القطاع الخاص أن البيانات العامة قادرة على تزويد السوق بفرصة لخلق القيمة والمطالبة بمستوى أعلى من الحكومة الشفافة. وبينما تبقى كيفية استخدام البيانات العامة رهن اختيار القطاع الخاص، يجب على القطاع الحكومي في الوقت نفسه الاستفادة من تحليلات البيانات لتحديد أنواع البيانات التي ينبغي نشرها ليطلع عليها أفراد المجتمع.

تحديات رئيسية تواجه تحليلات البيانات في القطاع الحكومي

بالرغم من أهمية تحليلات البيانات، لا يزال القطاع الحكومي في العديد من دول العالم غير مستعد بعد لاستخلاص القيمة من البيانات العامة التابعة للقطاع الحكومي. وفي المقابل، يواجه القطاع عقبات كثيرة تمنعه من تحقيق المكاسب المحتملة من تحليلات البيانات. فيما يلي بعض الأسس التي تضمن الاستخدام الفاعل لتحليلات البيانات والتي يتجاهلها القطاع الحكومي في بعض الأحيان.

فهم أساسيات تحليلات البيانات

هناك العديد من الأدوات الجديدة التي يمكن للقطاع الحكومي الاستعانة بها لتحليل البيانات. نذكر على سبيل المثال برمجيات SAS وR التي أصبحت اليوم من الأدوات الشائعة في التحليل الإحصائي ونمذجة البيانات، بالإضافة إلى Tableau و Python اللتين تستخدمان بشكل كبير في مجال تصوّر البيانات. وبالرغم من إمكانية تنفيذ تحليلات البيانات من قبل علماء بيانات من داخل القطاع أو خبراء خارجيين؛ إلا أن موظفي القطاع الحكومي مطالبون بامتلاك المعرفة والمهارات الأساسية التي تتضمن علم الإحصاء كجزء لا يتجزأ منها. لا يمكن استخلاص الأفكار والرؤى المطلوبة لتعزيز عملية اتخاذ القرار بمجرد مراقبة نتائج التحليل؛ بل يجب اكتساب معرفة عن كيفية جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها وتصوّرها.

تشييد البنية التحتية الرقمية لجمع البيانات وإدارتها وفتحها

تبدأ تحليلات البيانات بالخطوة الأولى وهي جمع البيانات؛ حيث يقوم القطاع الحكومي بعدة مهام وهذا ما يجعله أمام مصادر متنوعة للبيانات. وخلال عملية جمع البيانات، قد يغفل القطاع الحكومي في بعض الأحيان عن معايرة البيانات وتوحيدها بحيث يكون لها صيغة وهيكل مشترك. وفي غياب توحيد البيانات، من الصعب دمج البيانات واستخلاص معلومات قيّمة منها. كما يجب رقمنة البيانات المجمعة وتخزينها على المستوى التنظيمي والوطني. وللقيام بذلك، يحتاج القطاع الحكومي كما هو الحال في العديد من جهات القطاع الخاص إلى تعيين مسؤول بيانات وتشكيل فريق مخصص لإدارة جودة البيانات. يجب أن تكون البيانات المجمعة متاحة للجميع بما يثمر عن تعزيز شفافية عمليات وإجراءات القطاع الحكومي وخلق فرص جديدة للأعمال.

ترسيخ ثقافة دمج البيانات ومشاركتها

ينبغي بالقطاع الحكومي أن يدرك أن البيانات عنصر هام وأساسي لتصميم سياسات أفضل وتطبيقها بفعالية أكبر. وبغية الاستفادة من دور البيانات، يجب توحيد البيانات المجمعة من خلال التنقيح والتنظيم والتحويل. غير أن البيانات غالبًا ما تكون مجزأة ومنتشرة في جهة ما وعبر جهات مختلفة، الأمر الذي يحول دون استخدامها بشكل فاعل. ومن بين الأسباب التي تؤدي إلى تجزئة البيانات الفكرة السائدة بأن البيانات والمعلومات تقع تحت تصرف مالكيها ويُنظر إليها كجزء من ممتلكاتهم ولا يجب تبادلها ومشاركتها. وهنا يجب على القيادة التنظيمية ومسؤول البيانات بذل الجهد اللازم للتخلص من هذه الفكرة القديمة وترسيخ ثقافة جديدة تقوم على مشاركة البيانات.

بناء القدرات لتحليلات البيانات

تُحدث البيئات الجديدة المبنية على البيانات الضخمة ثورةً في حجم البيانات وتنوّعها وسرعتها. وعليه، تم تطوير أدوات جديدة لمساعدة الجهات على تنفيذ تحليلات البيانات بسهولة وسرعة أكبر.  ومن بين المتطلبات الأساسية التي تمكن القطاع الحكومي من دمج تقنيات التحليل الجديدة في مؤسساته بنجاح هو الاستثمار الدائم في قدرات تحليل البيانات بين الموظفين. ولا يقتصر ذلك على التعرف على أدوات التحليل المتغيرة بسرعة فحسب؛ وإنما يتضمن الحصول على رؤية واضحة تعمل على المواءمة بين تحليلات البيانات والمهام التنظيمية ومعلومات الإحصاء الأساسية وأخلاقيات البيانات.

إن طريقة التعامل مع البيانات وإدارتها وتحليلها أمر ضروري للقطاعين الحكومي والخاص ليتسنّى إدارة العمليات اليومية بكفاءة أكبر واتخاذ قرارات قائمة على المعلومات تخدم أفراد المجتمع والمتعاملين بشكل أفضل. نظرًا لطبيعة التحديات الواجب مواجهتها والتي تكون متعددة الاوجه في القطاع الحكومي مقارنة بالقطاع الخاص، تعد تحليلات البيانات من المسارات التي يجب على كل جهة حكومية السير بها.  وهناك عدد كبير من الأمثلة والممارسات التي توضح طريقة استفادة القطاع الحكومي من استخدام تحليلات البيانات. وبالنسبة لجهات القطاع الحكومي التي لا تزال مترددة وغير جاهزة لتوظيف تحليلات البيانات في عملية صنع القرار، فإن الأوان لم يفت بعد ويمكنها تحقيق منافع من تحليلات البيانات الآن والبدء من الأساسيات.

المصادر:

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *