الزراعة الحضرية لرفع مستوى الأمن الغذائي في سنغافورة

في أعقاب الأحداث الجيوسياسية والصحية التي عصفت بالعالم خلال العامين الماضيين، عززت سنغافورة جهودها الرامية إلى زيادة كمية الأغذية المنتجة محلياً، وتحسين مؤشرها في الأمن الغذائي، من خلال الدفع بأنشطة الزراعة الحضرية، عبر تشجيع مشاركة القطاع الخاص وأفراد المجتمع في هذه الجهود.

شارك هذا المحتوى

في أعقاب الأحداث الجيوسياسية والصحية التي عصفت بالعالم خلال العامين الماضيين، عززت سنغافورة جهودها الرامية إلى زيادة كمية الأغذية المنتجة محلياً، وتحسين مؤشرها في الأمن الغذائي، من خلال الدفع بأنشطة الزراعة الحضرية، عبر تشجيع مشاركة القطاع الخاص وأفراد المجتمع في هذه الجهود.

تعدّ مسألة تعزيز الأمن الغذائي اليوم واحدةً من أهم التحديات التي تواجه معظم دول العالم. إذ أصبح النقص في الغذاء يهدد بعض مناطق العالم بالمجاعة، خاصة بعد أن كشفت جائحة كوفيد-19 وتداعيات الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، عن هشاشة نظام سلسلة توريد الغذاء العالمية عند حدوث الأزمات. دفع هذا الأمر مزيداً من دول العالم إلى اتّباع نموذج مبتكر من الزراعة، يطلق عليه اسم الزراعة الحضرية. وهو نموذج بات يوفر اليوم ما لا يقل عن 15% من الاحتياجات الغذائية لسكان العالم، ويمدّ نحو 800 مليون شخص بالجزء الأكبر من غذائهم.

تقع سنغافورة، الجزيرة التي تفتقر إلى الأراضي الزراعية، في قلب تحدّيات الأمن الغذائي. فالمزارع التقليدية لا تشغل أكثر من 1% من مساحتها، وهي تستورد من الخارج نحو 90% من مجمل احتياجاتها الغذائية.

أدركت الحكومة طبيعة هذه التحدي منذ أعوام، فشكّلت “فريق عمل التخطيط الحضري”، التابع لوزارة التنمية الوطنية، بهدف الاستفادة من أفضل الممارسات والتجارب العالميّة المبتكرة، المتعلقة بتطبيقات الزراعة الحضرية، بما يشمل تربية الحيوانات والأحياء البحرية، في الأبنية التجارية والمجمعات السكنية العامة وعلى أسطح الأبنية وداخلها.

إزاء ذلك، انحصر توجّه الدولة في مجالين، يسعى أولهما إلى رفع إنتاجية الأراضي الزراعية من خلال الابتكار والتكنولوجيا؛ ويركّز ثانيهما على دعم وتشجيع مختلف أنماط الزراعة الحضرية داخل المدينة والمناطق شبه الحضرية الواقعة على أطراف المدينة.

جاءت الحلول المتعلّقة برفع الإنتاجية لتشمل تحويل المزارع المسطحة إلى أبنية زراعية متعددة الطوابق ذات إضاءة داخلية تستخدم تقنية مصابيح “الليد” (LED) التي تمتاز بانخفاض تكلفتها واستهلاكها للطاقة لتنمية المزروعات، أو استخدام أنظمة الزراعة المائية المعاد تدويرها. إذ أن من شأن هاتين الوسيلتين زيادةُ إنتاج الخضروات والأسماك بنحو 20-15 ضعفاً. هذا عدا عن أساليب وتقنيات أخرى، مثل التربية الرأسية للأحياء المائية.

فيما بعد تسلمت وكالة الأغذية في سنغافورة مسؤوليةَ الأمن الغذائي وتحصين الدولة من أثر الأزمات العالمية وتغير المناخ، خاصة من خلال الدفع بتبني الزراعة الحضرية وتعديل السياسات الخاصة بها، مع المحافظة على المساحات الخضراء الضرورية للحفاظ على المناخ.

أطلقت الوكالة في العام 2019 مبادرةً طموحةً حملت اسم “30 by 30″، تهدف إلى رفع مستوى مساهمة المنتجات المحلية في تلبية الاحتياجات الغذائية لسكان سنغافورة من 10%، لتصل إلى 30% بحلول العام 2030، من خلال مواكبة التقدم الذي تشهده التكنولوجيا الزراعية والتطبيقات المبتكرة.

دعت المبادرةُ السكانَ إلى المشاركة في الزراعة الحضرية (بما يشمل تربية الدواجن والأسماك)؛ إن كان على مستوى فرديّ من أجل الاستهلاك الشخصي، أو لأغراض تجارية. كما قدّمت المنحَ المالية لتطوير المبادرات المبتكرة التي تتمكن من تحقيق نتائجَ مميزةً باستخدام التكنولوجيا.

ولكن، أين تتم الزراعة الحضرية؟

تعدّ أسطح مواقف السيارات، أو حتى طوابقها السفلى، من بين أفضل الأماكن المناسبة لإقامة أنشطة الزراعة الحضرية داخل المدينة، نظراً لاتساع مساحاتها وانتشارها بكثرة في كل أحياء سنغافورة. لذا، شكلت هذه المواقف إحدى عناصر استراتيجية وكالة الأغذية التي تتوقع أن تكون مساهمتها كبيرة في تحقيق أهداف المبادرة. وبالفعل، فقد تم حتى اليوم استخدام العديد من هذه المواقف لهذا الغرض، كان من أولها “سيتي بونيكس”، وهي مزرعة مائية شيدت على سطح أحد المواقف الكبيرة.

تبدأ عملية تطوير المزارع على أسطح المواقف من خلال تقديم عروض استثمار تُمنح على أساسها عقودٌ لثلاث سنوات، لزراعة الخضروات وغيرها من المحاصيل، ودعمها بمرافق للتغليف والتخزين.

لم يقتصر الأمر على مواقف السيارات، إذ كان من أوائل مشاريع الزراعة الحضرية، وأبرزها، وأكثرها نموذجيةً، تحويلُ مرافق أكبر سجن سابق، بمساحة إجمالية تبلغ 8 آلاف متر مربع، إلى بستانٍ لزراعة مختلف أنواع الخضروات والأعشاب.

من حيث النتائج، بيّنت إحصاءات العام 2019، أنّ عدد المزارع في سنغافورة زاد حتى وصل إلى 220 مزرعة، وأنّ الإنتاج المحلي أصبح يوفر 14% من احتياجات المدينة من الخضار الورقية، و26% من البيض، و10% من الأسماك. كما بيّنت حقيقةً ملفتة للأنظار، وهي أن سكان سنغافورة بشكل عام يفضلون شراء منتجات الأغذية المحلية، حتى وإن كانت أسعارُها مرتفعةً بالمقارنة بمثيلاتها المستوردة.

لم يكن هدف الحكومة من تنمية الزراعة الحضرية يقتصر على دعم الاستدامة والأمن الغذائي فحسب، بل كانت تصبو إلى تحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية عديدة أخرى، أهمّها التعاون والتقارب بين أفراد المجتمع عندما يعملون سوية على مشاريعهم الزراعية المشتركة، ما يرفع مستوى الترابط والتكاتف الاجتماعي. وأن تمثل الزراعة الحضرية منصةً للشراكة بين الأفراد والقطاعين الحكومي والخاص، وداعماً للاقتصاد.

أمّا أحدث التطورات على صعيد الزراعة التقليدية، فهي خطط وكالة الأغذية الرامية إلى تحويل إحدى المناطق التي تضم مزارع تقليدية في شمال سنغافورة إلى مجمّع تقني زراعي حديث قادر على رفع الإنتاجية بثلاثة أضعاف. ومن المتوقع أن يبدأ العمل على هذا المشروع في العام 2024.

هذا، فيما تفيد مصادر وكالة الأغذية في سنغافورة أن الزراعة الحضرية تلقى اهتماماً شعبياً متنامياً، وهناك إقبالٌ متزايدٌ على ورشات العمل التدريبية في هذا المجال.

المراجع:

https://www.weforum.org/agenda/2021/04/singapore-urban-farms-food-security-2030/

https://nextcity.org/urbanist-news/singapore-shows-what-serious-urban-farming-looks-like

https://www.nparks.gov.sg/-/media/cuge/ebook/citygreen/cg12/cg12_food_security_and_community_bonding_in_a_globalised_city-state.pdf?la=en&hash=B1B0EB837FE4520D18D360003A8BA8B403C28B0B

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.