تطبيق سنغافوري ذكيّ لوقف التجارة غير المشروعة لسمك القرش

من هنا انطلقَ مركز "التحقيق في الحياة البرية"، التابع لمجلس المنتزهات الوطنية السنغافورية، إلى فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي للتعرف بصرياً على أسماك القرش والشفنين. وتعاونَ مع شركة مايكروسوفت ومع منظمة حفظ البيئة الدولية الأمريكية غير الربحية، على إنشاء تطبيقٍ ذكيّ يدعمُ موظّفي إنفاذ القانون في التعرّف السريع على أسماك القرش والشفنين التي تتم المتاجرة بها على نحوٍ غير مشروع. وكانت فكرة توظيف الذكاء الاصطناعي لمعاونة مفتشي الجمارك نجمت عن ضعف الأساليب التقليدية المتبّعة التي تضع المفتشين أمام تحدّ يومي عند محاولة التعرف على أنواع أسماك القرش من معاينة زعانفها. إذ يصعب إجراء معاينة دقيقةٍ في الكميات الهائلة من الأسماك وأجزاء الأسماك التي تمرّ عبر المطارات والموانئ في جميع أنحاء سنغافورة، والمتجهة إلى المطاعم والأسواق، وتفحصها فقط باستخدام العين المجرّدة.

شارك هذا المحتوى

كشف “مجلس المنتزهات الوطنية السنغافورية” (NParks)، بالتعاون مع شركة مايكروسوفت و”منظمة حفظ البيئة الدولية” النقاب عن تطبيق يدعى “فن فايندر” (Fin Finder)، وصفته بأنه أول تطبيق للهاتف المحمول في آسيا يستخدم الذكاء الاصطناعي للتعرف بصرياً على أنواع أسماك القرش والشفنين البحري أو الراي (Ray) التي يتم المتاجرة بها بشكل غير قانوني. 

مثل عاج الفيلة وقرون وحيد القرن، يتم شحن الزعانف من أنواع أسماك القرش المهددة بالانقراض عبر شبكات تجارة دولية واسعة. وتقدر المنظمات المعنية بحفظ الحياة المائية أنه يتم التداول بأكثر من 70 مليون سمكة قرش وبيعها سنوياً، حيث تعتبر سلعة مرغوبة في بعض المناطق وقد يصل سعرها إلى 1000 دولار للكيلو الواحد. ففي الصين، يعود تاريخ أحد الأطباق التقليديّة التي يدخل في صنعها زعانف سمك القرش إلى ما يقرب من ألف عام. لكنْ ثمّة جانب مظلمٌ بخصوص هذا الطبق: في معظم الحالات، تُقطع زعنفة سمكة القرش الضخمة وهي حية، ثم تُرمى مرة أخرى في الماء، وتُترك لتكابدَ الموتَ البطيء والمؤلِم بسبب نقص الأوكسجين ونزيف الدم. ولهذا السبب تبذلُ المنظمات الدولية المعنيّة والحكومات جهوداً جديّة بغية وقف التجارة غير المشروعة بزعانف أسماك القرش والشفنين (الراي)، في مناطق متعددة من العالم، ومنها سنغافورة.

لهذه الحقائق وقْعٌ خاص على سنغافورة، التي تعدّ موانئها ومطاراتها من أكثر مراكز الشحن ازدحاماً في العالم، بوصفها طرفاً في اتفاقية الاتّجار الدولي بالأنواع الحيوانية والنباتية الفطرية المهددة بالانقراض – “سايتس” (CITES) منذ نوفمبر 1986، الأمر الذي يجعل عمليات استيراد وتصدير أيٍّ من أنواع القرش والشفنين المدرجة بنصّ الاتفاقيّة، عملياتٍ غير قانونية ترقى في بعض الحالات إلى درجة الجريمة.

من هنا انطلقَ مركز “التحقيق في الحياة البرية”، التابع لمجلس المنتزهات الوطنية السنغافورية، إلى فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي للتعرف بصرياً على أسماك القرش والشفنين. وتعاونَ مع شركة مايكروسوفت ومع منظمة حفظ البيئة الدولية الأمريكية غير الربحية، على إنشاء تطبيقٍ ذكيّ يدعمُ موظّفي إنفاذ القانون في التعرّف السريع على أسماك القرش والشفنين التي تتم المتاجرة بها على نحوٍ غير مشروع.

وكانت فكرة توظيف الذكاء الاصطناعي لمعاونة مفتشي الجمارك نجمت عن ضعف الأساليب التقليدية المتبّعة التي تضع المفتشين أمام تحدّ يومي عند محاولة التعرف على أنواع أسماك القرش من معاينة زعانفها. إذ يصعب إجراء معاينة دقيقةٍ في الكميات الهائلة من الأسماك وأجزاء الأسماك التي تمرّ عبر المطارات والموانئ في جميع أنحاء سنغافورة، والمتجهة إلى المطاعم والأسواق، وتفحصها فقط باستخدام العين المجرّدة.

وقد بينت الإحصائيات قصور الوسائل التقليدية في مراقبة تجارة الزعانف ومعاينتها ومقارنتها واكتشاف المحظور منها. فبالرغم من شنّ السلطات السنغافورية خلال العقد الماضي حملاتٍ متكررةً ضد المتاجرة بزعانف القرش واستهلاكها، لم تتوّج هذه الحملات بنجاح يذكر، بعدما قفزت تجارتُها غير المشروعة بشكل ملحوظ ما بين العامين 2017 و2019، قبيل اندلاع جائحة كوفيد-19.

بذورُ فكرة الحلّ التقني انطلقت من أنّ المفتشين يحتاجون إلى مساعدة في تحديد الزعانف الجافة والرطبة لأسماك القرش والشفنين، وتمييز الأنواع المحظورة المدرجة في إتفاقيّة سايتس، باستخدام خصائصها المورفولوجية. تنتمي أسماك القرش والشفنين إلى الأسماك الغضروفية التي تتميز بهيكلها العظمي المكوّن من الغضاريف وليس العظام، وبوجود زعانف ظهرية صلبة على أجسامها. فزعانف القرش الأكثر شيوعاً في هذه التجارة غير المشروعة هي الزعنفة الظهرية الأولى، والزعانف الصدرية، والفص السفلي من الزعنفة الذيلية.

التطبيق الذي أًعلنَ عنه مؤخراً يعتمد على حلول الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته المعقّدة، ويحمل اسم “فن فايندر” أي مستكشف الزعانف. يتيح هذا التطبيق للمفتشين، باستخدام هواتفهم الذكيّة، التقاط صورٍ للزعانف التي يشتبهون بها، ليتم مطابقتها مع قاعدة بيانات تضم أكثر من 15 ألف صورة لزعانف القرش والشفنين. وفي غضون ثوانٍ، يوفر التطبيق الذي يستند إلى تقنيات توفرها منصات مايكروسوفت تحديداً مرئياً سريعاً ودقيقاً لأنواع أسماك القرش والشفنين في الموقع، بما يمكّن الموظفين من الإبلاغ بسرعة عن شحنات الزعانف المشبوهة لإجراء مزيد من اختبارات الحمض النووي. وتجري هذه الاختبارات كذلك في الحالات التي تتم فيها معالجة الزعانف والتلاعب بمواصفاتها، ما يعرقل كشفها بناءً على خصائصها المورفولوجية.

ولكي يكون التطبيق مفيداً لمفتشي الجمارك على أكثر من صعيد، حرص مطوّروه على أن يوفر وصولاً في الموقع إلى المواد المرجعية التي يمكن استخدامها للتحقق من تصاريح سايتس المعتمدة، أو بوليصات الشحن.

هذا، ويعملُ الخبراء حالياً على تعزيز فعّالية هذا التطبيق الذكي من خلال إسناده بتقنياتٍ وأدواتٍ جديدة، مثل بعض اختبارات الحمض النووي والفحوصات ذات النتائج السريعة وجمع بياناتها الناتجة بالزمن الحقيقي، للكشف عن عينات الزعانف التي تنتمي إلى الأنواع المدرجة في نصوص اتفاقية سايتس، خلال فترة زمنية قصيرة لا تتعدّى بضعة ساعات.

واجه فريق العمل بعض التحديات تمثل أولها في الحاجة إلى تغذية تطبيق الذكاء الاصطناعي بالبيانات الكافية لتمكينه من التعرف على الزعانف المحظورة. وإذا كان هناك أكثر من 1000 نوع من أسماك القرش والشفنين التي تعيش في موائل المياه العذبة والمياه المالحة، فإن القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض الصادرة عن الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة ومواردها لم تُدرج سوى أقل من 25% منها فقط تحت فئة “غير مهددة” بالخطر، فيما أَدرجتْ الباقي تحت فئات تتعرض إلى درجات خطر وتهديدات متفاوتة. لإنشاء قاعدة البيانات المطلوبة قضى متطوعون محليون في سنغافورة ومن الجهات المساهمة في المشروع ساعات عديدة بجمع آلاف الصور لزعانف القرش بأشكالها المختلفة، رطبة أو جافة أو مجمدة، والتقاط صورها بخلفيات مختلفة لمحاكاة السيناريوهات التي قد يصادفها مفتشو الجمارك. بحصيلة بلغت 15 ألف صورة، قام الخبراء بتدريب التطبيق للتعرف على أنواع أسماك القرش في غضون ثوان.

من المتوقع للمزايا التي يتمتع بها تطبيق “فن فايندر” أن تختصر الوقت والجهد المبذولين في التحقق من صحة عمليات الشحن، ما يمكّن المعنيين من المساعدة في وضع حد لتجارة كبيرةٍ غير مشروعة بالأحياء البرية، تصل أرباحها إلى 23 مليار دولار أمريكي سنوياً.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.