معالجة الهوية الرقمية وسيلةً للإدماج الاجتماعي لمسنّي سنغافورة

ضمن جهود الحكومة السنغافورية لبناء مجتمعٍ شاملٍ رقمياً، أطلق المكتب الرقميّ السنغافوري جملة من الخطط والمشاريع التي تهدف لإدماج المسنّين في التطور الرقمي وتكريسِه كجزء أساسي من حياتهم.

شارك هذا المحتوى

ضمن جهود الحكومة السنغافورية لبناء مجتمعٍ شاملٍ رقمياً، أطلق المكتب الرقميّ السنغافوري جملة من الخطط والمشاريع التي تهدف لإدماج المسنّين في التطور الرقمي وتكريسِه كجزء أساسي من حياتهم.

غالباً ما تكرّر وسائل الإعلام الصورة النمطية لمسنٍّ يحاول التعامل مع اختراعٍ تكنولوجيٍّ حديثٍ من دون جدوى. قد تبدو هذه الصورة أمراً معتاداً، لكنّها تسلّط الضوء على فهمنا المحدود لتأثيرات التكنولوجيا واستخداماتِها وإمكانياتِها في حياة كبار السن.

تزداد هذه القضية إلحاحاً كلّما كان حضور التكنولوجيا أقوى، وتتضاعف أهميتُها مع ارتفاع نسبة الشيخوخة. وتلك بالضبط هي حالة سنغافورة التي تسعى لتكون أمةً ذكيةً متقدِّمة تكنولوجياً، وتعاني في الوقت نفسِه من ارتفاع نسبة المسنين فيها، نظراً لازدياد متوسط العمر المتوقّع وانخفاض معدّلات الولادات.

وإذ لا يمكن للبلد مواصلة الرحلة تاركاً فئةً كبيرة من المجتمع خلفَه، فقد كرّست الحكومة السنغافورية عبر السنوات اهتماماً كبيراً لسدّ الفجوة الرقمية، لتأتي جائحة كوفيد-19 وتزيدَ المهمة تعقيداً، حيث سرّعت 75% من الشركات والمؤسسات الحكومية السنغافورية جهودَ الرقمنة، فباتت معظم الإجراءات إلكترونية، أما من لا يرغبون أو لا يقدِرون على إنجاز معاملاتهم عبر الإنترنت، فعليهم تحمّلُ سأمِ العمليات البيروقراطية التي زادها ارتداءُ الكمامة والتباعد الاجتماعي صعوبةً.

لهذا، كلّفت الحكومة السنغافورية هيئةَ تطوير وسائل التواصل المعلوماتية بتشكيلِ “مكتب سنغافورة الرقمي” بهدف دعم الأفراد الأقلّ مواكبةً رقمية في المجتمع. ويأتي هذا ضمن حركة “الرقمنة من أجل الحياة” الرامية إلى تحفيز المجتمع لتبنّي التكنولوجيا الرقمية كعنصر ثابت في الحياة، ومواصلة الجهود التي بُذلت خلال انتشار جائحة كوفيد-19، وحشد المزيد من الشركاء والموارد للإسهام في بناء مجتمعٍ رقميٍّ شامل.

تأتي هذه الجهود لتعالج التحديات الناجمة عن افتقار المسنين للمهارات الرقمية. حيث حُرم المسنّون غير المواكبين من وسائلَ الترفيه والاتصالات والخدمات التي تتيحها التكنولوجيا، وحين حاول بعضُهم الحصول عليها، وقعوا ضحايا لعمليات الاحتيال التي ارتفعت في العام 2020 بنسبة 60% مقارنةً بالعام الذي سبقه، في حين ظلّ غيرُهم غير واثقٍ من مهاراته الرقمية، فالإمساك بالفأرة أو استخدام الهاتف الذكيّ قد يمثّل تحدياً لهم بسبب ضعف الرؤية والافتقار للمهارات الحركية الدقيقة. ولعلّ السبب الأهم هو أنّ المسنّين قد لا يَعُدّون الإنترنت ضرورة في المقام الأول، وخاصةً إن لم يكن حاضراً في حياة أصدقائهم ودوائرهم الاجتماعية.

تدعم الحركة التي أنشأتها الحكومة المشاريع والأنشطة التي تعزّز التكنولوجيا والشمول وتساهم في بناء المرونة الرقمية وجذب شرائح مجتمعية مختلفة عبر التوعية بفوائد التقنيات الرقمية الحديثة. وتركِّز في الوقت نفسه على الرفاهية ومحو الأمية الرقميتَين، عبر تعزيز العادات الصائبة، وإطلاق الحملات التثقيفية بمجالات السلامة الإلكترونية، وتفادي المخاطر التي ينطوي عليها الإنترنت.

وقد أطلق المكتب برنامج “إدماج المسنّين في مسار الرقمنة”، بسلسلة من الخطط والمشاريع، ومن بينها خطة “هاتفٌ محمولٌ في متناول يد كلّ مسنّ”، التي توفِّر هواتف محمولة بأسعار مدعومة للمسنّين من ذوي الدخل المنخفض الراغبين بالتحوّل إلى التكنولوجيا الرقمية. فبات في وسع السنغافوريين الذين تجاوزت أعمارُهم 60 عاماً التقدّم للحصول على هواتف ذكيةٍ بسعرٍ مخفّض يقارب 20 دولاراً أمريكياً، مع خطةٍ لاستخدامه تستمرّ لعام واحد مقابل 5 دولارات شهرياً، وتم تمديدُ هذه المدة إلى عامين على أن يتلقى المستفيدون الأوائلُ التمديدَ تلقائياً.

بالإضافة إلى ذلك، يخطط المكتب الرقميّ لتوسيع جهوده التوعوية بحيث تشمل مزيداً من الفئات، فأنشأ 47 نقطة دعم مجتمعي لإيصال الخدمات التثقيفية إلى المسنين أينما كانوا، ويعتزم حالياً إنشاء 200 نقطة أخرى في أماكن متفرِّقة من البلاد، على أن تُجرى التدريبات ضمن أماكن مألوفة ومريحة كالمكتبات والنوادي. كما تستهدف هذه الحملاتُ المسنينَ في أماكن العمل، وذلك عبر قنوات شراكة مع المديرين الذين سيخصّصون الوقت والمساحة اللازمَين لتدريب الطواقم الأكبر سناً وفقاً للمنهج الذي أطلقه المكتب الرقميّ. وقد أُجريت التجربة الأولى لهذه الخطوة في مقر “مدينة سلاسل التوريد”، وهي وكالة سنغافورية تُعنى بالخدمات اللوجستية، على أن تمتدّ تدريجياً إلى كيانات أخرى.

تعاون المكتب مع عدة جهاتٍ لإثراء هذه العمليات، مثل المجلس الوطني لتفعيل المسنّين، الذي يساعد في إيجاد المسنّين البارعين في التكنولوجيا ليكونوا “سفراء الرقمنة” الساعينَ لإلهام أقرانهم وتشجيعهم، بحيث يتم تقديم ترشيحاتٍ سنوية للأشخاص المواكبين الذين تتجاوز أعمارهم 50 عاماً وينحدرون من خلفياتٍ متنوّعة. كما تعاون المكتب مع جمعية سنغافورة للصمّ ونادي “تاتش (لمسة)” لاستهداف من يعانون صعوبات سمعية، فعقدَ 80 جلسة تعليمية فردية لـ 47 مسناً خلال شهر واحد.

لقياس التحديات والآثار، يحافظ المكتب الرقميّ على تواصلٍ نشطٍ مع المبادرات الرقمية الرديفة لتبادل الخبرات والملاحظات والرؤى، بهدف توسيع نطاق العمل وسدّ الثغرات إن وُجدت.

حتى الآن، عقد المكتب أكثر من 250 ألف جلسةٍ تدريبية لكبار السن استفاد منها أكثر من 100 ألف شخص، واستمر 90% منهم في تطبيقِ ما تعلّموه واستخدام الأجهزة الحديثة في التواصل والحصول على الخدمات وغيرها. كما قام المكتب بتدريب 18 ألفاً من أصحاب المتاجر لاعتماد أدوات رقمية مثل حلّ الدفع الإلكترونيّ الموحّد الذي اعتمده أكثر من 60% منهم، فأتاحَ خيارات أوسعَ للعملاء واختصرَ التبادلات النقدية وزادَ الإنتاجية، واعتُمِدَ لإجراء 1.8 مليون معاملة خلال عام واحد، لترتفع قيمة سوق المعاملات الإلكترونية من 2.9 إلى 17.3 مليون دولار.

حوالي 8 آلاف مسنّ سنغافوري يحملون اليوم هواتف ذكية ويتعلّمون التعامل معها بفضل خطة الهواتف الذكية المدعومة التي أطلقها المكتب الرقمي، ما يعني أنّ سدّ الفجوة الرقمية قد بدأ فعلاً.

المراجع:

https://www.tech.gov.sg/media/technews/bridging-the-digital-divide

https://www.imda.gov.sg/for-community/digital-readiness/Digital-For-Life

https://www.imda.gov.sg/programme-listing/Mobile-Access-for-Seniors

https://www.imda.gov.sg/news-and-events/Media-Room/Media-Releases/2021/More-Than-100000-Seniors-Benefitted-From-SDOs-Digital-Skills-Training-With-9-In-10-Seniors-Continuing-To-Apply-Skills

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.