مبادرات جديدة لتنقية الهواء في بولندا

يبلغ تلوّث الهواء في بولندا مستويات تنذر بالخطر، دفعت الحكومة لإطلاق برنامج الهواء النظيف لمساعدة المواطنين على استبدال أنظمة التدفئة الملوّثة للهواء، وبناء قاعدة بيانات لرصد جودته.

شارك هذا المحتوى

يبلغ تلوّث الهواء في بولندا مستويات تنذر بالخطر، دفعت الحكومة لإطلاق برنامج الهواء النظيف لمساعدة المواطنين على استبدال أنظمة التدفئة الملوّثة للهواء، وبناء قاعدة بيانات لرصد جودته.

التنفُّس، أبسط العمليات الحيوية البديهية، وأعقدُها في الوقت نفسِه، يكرِّرُها الشخص 20 ألف مرةً يومياً، ويتم ذلك بصورةٍ طبيعيةٍ لدرجةٍ قد يتناسى العالم أحياناً أنّها جوهرُ الحياة. وفي الواقع الحالي بما فيه من تلوث بيئي، قد يصبح تنفّس الهواء النظيف قريباً، واحداً من أكبر التحدّيات.

لم يعد ذلك حِكراً على دولٍ دون غيرها، فحتى الدول الأوروبية الأكثر تقدّماً ورخاءً تعاني نِسَباً مهولةً من تلوّث الهواء، إذ تضمُّ بولندا وحدَها 36 مدينةً من بين المدن الخمسين الأكثر تلوثاً في أوروبا، وحيث تخسر 46 ألفاً من مواطنيها قبل الأوان سنوياً، فهي تنفرد بـ11% من حالات الوفاة المبكرة المرتبطة بالتلوث في القارة ككل، وذلك وفقاً لإحصائيات منظّمة الصحة العالمية في العام 2018.

وإلى جانب امتلاك العاصمة البولندية لأحد أعلى معدّلات ملكية المركبات الخاصة في أوروبا، فإنّ 80% من مشكلة التلوث تكمن في الاعتماد الشديد على الفحم في التدفئة المنزلية والتجارية والصناعية وفي إنتاج الطاقة. ورغم رواج الغاز الطبيعيّ ومصادر الطاقة المتجددة منذ الثمانينات، فبولندا تمثّل وحدَها نصف الاستهلاك الأوروبيّ للفحم الصلب. وإجمالاً، يبدو أنّ تقنيات التدفئة في بولندا بحاجةٍ ماسةٍ إلى التحديث والتخلّي عن المِرجَل الذي يحوّل السائل إلى بخار عبر نقل الحرارة. إذ تستخدم الأُسر الفقيرة وعاءَ الضغط هذا سعياً لتوفير التكلفة والحماية من تغيُّر أسعار الوقود، فهو يسمح بخلط أنواع متعددة من المواد المشتعلة بحسب توفُّرِها، من الحطب منخفض الجودة إلى القمامة.

لكنّ القضاء على مصادر التلوّث يتطلب مشاركة روّاد الصناعات وقطاع النقل والمواطنين، فهناك 4.5 مليون منزلٍ تحتاج لتحديث منظومات التدفئة، وهو هدفٌ يستلزم من السلطات تنظيم الإجراءات وإنفاذَ اللوائح. كما سيحتاج أصحاب المنازل – لا سيما الفقراء منهم – للمساعدة المالية والاستشارية لخوض هذا التغيير مرتفع التكلفة.

وحيث أطلق البنك الدوليّ خطةَ “برامج تعزيز النتائج”، فسوف يقدّم للسلطات البولندية 250 مليون يورو لتمويل برنامج “الهواء النظيف أولوية” الذي تطلقه وزارة المناخ والبيئة بالتعاون مع الصندوق الوطنيّ لحماية البيئة وإدارة المياه و16 صندوقاً إقليمياً آخر.

يهدف البرنامج لتحسين جودة الهواء وكفاءة الطاقة عبر إجراءاتٍ تشريعيةٍ ومالية، حيث أعلنت الحكومة عن حزمة إعفاءاتٍ ضريبيةٍ لتخفيف عبء الاستثمارات على الأسر البولندية، وتقديم حوافز لأصحاب العقارات التي تعتمد المراجل القديمة والملوِّثة للبيئة لعزل منازلهم واستخدام بدائل أنظف وأكثر كفاءة.

ومن الجدير بالذكر أن بولندا كانت قد أطلقت في التسعينات خطةً للعمل البيئيّ، وتبنّت التعزيز الاقتصادي والمؤسّسي، وأصلحت قطاعَي الطاقة والصناعات الثقيلة، وعالجت مصادر التلوّث الكبرى، فألغت بهذه الجهود أيّ ارتباطٍ بين النمو الصناعيّ والتلوّث. ورغم أنّ هذه الخطوات التي عُدَّت سبّاقةً آنذاك ساهمت في الحدّ من انبعاثات بعض الملوِّثات كثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين، فهي لم تفلح في تخفيض انبعاثات الجسيمات الدقيقة. يرجع ذلك إلى ارتفاع مستويات الانبعاثات شتاءً وخاصةً في المناطق الجبلية الممتدة إلى الجنوب والجنوب الغربيّ، كما تعاني الوديان أكثرَ من غيرها إذ تحتجز التضاريس المنخفضة الانبعاثات.

تساعد فكرة برنامج البنك الدولي على معالجة مسألة التدفئة وارتفاع مستويات التلوث في فصل الشتاء، حيث يختصر العمليات الروتينية عبر تبسيط طلبِ المِنَح المالية وتقصير آجال تسليمِها من 3 أشهر إلى شهرٍ واحد، وإدماج البلديات والقطاع المصرفيّ كأطرافٍ فاعلةٍ في البرنامج، وتمكين المستفيدين من بدء المشاريع قبل تقديم الطلب على المنحة بـ6 أشهر. وسيكون البرنامج مصحوباً بتطبيقاتٍ إلكترونية وبوابةٍ حكوميةٍ متاحة عبر الإنترنت لتمكين المستفيدين من التقدُّم للحصول على المِنَح دون مغادرة المنزل.

ومن شأن هذه الجهود أن تساهم في تحسين جودة الهواء، حيث تشهد بعض المدن البولندية ازدياداً في متوسّط مستويات تركيز الجسيمات الدقيقة بمقدار ضعفِ المستويات القصوى التي تسمح بها القوانين الأوروبية. وهذه الجسيمات عبارةٌ عن جزيئات صغيرة تعلق في الهواء وتستطيع التغلغل وإحداثَ آثار عميقةٍ في الجهاز التنفسيّ للإنسان أياً كان سنُّه أو حالتُه الصحية، فقد تسبّب أمراض الرئة والقلب وتلف الأعضاء والوفاة المبكرة. كما يساهم الهواء متدنّي الجودة بـ25% من حالات التهاب الشُّعَب الهوائية لدى الأطفال، نسبة تقابلها 200 ألف حالةٍ سنوياً. ولا تقتصر آثارُ التلوث على الصحة والبيئة، بل تتعدّاهما إلى الاقتصاد، إذ تُعزى إليها 8% من أيام العمل الضائعة.

وبغية معالجة التلوث على مستوى العاصمة، تتخذ سلطات وارسو، إجراءاتٍ تدريجيةً لمعالجة قضية تلوث الهواء، فأسّست شراكةً طموحةً مع كلٍّ من “مؤسسة بلومبيرغ الخيرية” و”صندوق الهواء النظيف”، وذلك لإطلاق مبادرة “تنفَّسْ وارسو” التي ستقدِّم المساعدة الفنية لتطوير قاعدة بياناتٍ شاملةٍ لجودة الهواء باستخدام شبكة أجهزة الاستشعار التي ترصد جودة الهواء عبر 156 موقعاً في البلاد، وهي الأكبر في أوروبا. كما ستقدّم المبادرة بحوث السياسات لتصميم منطقةٍ منخفضة الانبعاثات بحلول العام 2024، وربط القادة والشركاء والمنظمات المحلية لتبادل الخبرات. تأتي هذه المبادرة ضمن إطار العمل الأوروبيّ الهادف لتقليل أعداد الوفيات المبكّرة بنسبة 55% بحلول العام 2030.

عبر بناء فهم أعمقَ لمصادر التلوث، سيتمكن مسؤولو العاصمة من تصميم سياساتٍ أكثر اتساقاً، والالتزام بإرشادات منظمة الصحة العالمية التي ستمكّن العاصمة من حماية حياة 1500 شخص سنوياً.

ومن المتوقع أن يغطي برنامج الهواء النظيف 3 ملايين أسرة، وأن يختصرَ الوقت والجهد المرتبطَين بالعمليات اليدوية التقليدية، ويوفِّر الراحة للعائلات، إلى جانب آثاره الاقتصادية والاجتماعية وفوائده على الصحة العامة والبيئة والمناخ عبر تقليل الانبعاثات وتحسين جودة الهواء.

خلال سنواتٍ ثلاث، قدّم البرنامج منصةً حقيقيةً لتحسين جودة الهواء تستوعب شهرياً عشرات آلاف المشاركين، وقد حفّز الحكومة للتطلُّع صوب أهدافٍ أوسعَ وأكثر طموحاً.

المراجع:

https://documents1.worldbank.org/curated/en/426051575639438457/pdf/Air-Quality-in-Poland-What-are-the-Issues-and-What-can-be-Done.pdf

https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2021/12/09/world-bank-supports-poland-improving-air-quality-and-energy-efficiency

https://www.gov.pl/web/climate/clean-air-20-programme-launched

https://www.cleanairfund.org/news-item/warsaw-to-ban-coal-burning-from-october-2023/

https://www.cleanairfund.org/news-item/breathe-warsaw-new-initiative-launched-to-clean-the-air-in-polands-capital/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.