مدن آسيوية جديدة تنضم لعالم “ميتافيرس”

بتأنٍّ شديد تخطو دول عديدة نحو تقنية ما وراء العالم المعروفة بـ"ميتافيرس" (Metaverse)، فيظهر الاهتمام الصينيّ بإنشاء رابطة خاصة لتعزيز الابتكار التكنولوجيّ وتنظيم التدريبات، في حين تعمل كوريا لتقديم الخدمات العامة لمواطنيها عبر مكاتب افتراضية، وتؤسس إندونيسيا شراكات مع القطاع الخاص لإطلاق منصات الواقع المعزّز.

شارك هذا المحتوى

بتأنٍّ شديد تخطو دول عديدة نحو تقنية ما وراء العالم المعروفة بـ”ميتافيرس” (Metaverse)، فيظهر الاهتمام الصينيّ بإنشاء رابطة خاصة لتعزيز الابتكار التكنولوجيّ وتنظيم التدريبات، في حين تعمل كوريا لتقديم الخدمات العامة لمواطنيها عبر مكاتب افتراضية، وتؤسس إندونيسيا شراكات مع القطاع الخاص لإطلاق منصات الواقع المعزّز.

قد يكون مصطلح “ميتافيرس” أحد أكثر المصطلحات رواجاً اليوم، وهو يصف بيئاتٍ افتراضيةً موحّدة يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت، من مساحات الواقع الافتراضيّ الغامر الذي يمنح المستخدمين تجربة تحاكي الواقع صوتاً وصورة، إلى الواقع المعزّز الذي يمكن دخولُه عبر أجهزة خاصةٍ كالنظارات الذكية للحصول على تجربة تمزج ما بين المعلومات الرقمية والبيئة المحيطة.

رغم الطابع الخياليّ الذي يبدو عليه هذا المفهوم، فإنّ الاعتقادات تشير إلى أنّه سيشهد خلال السنوات القليلة المقبلة رواجاً يجعله امتداداً للواقع نفسه، وقد يشكّل صناعةً تتجاوز قيمتُها 800 مليار دولار بحلول العام 2024.

لكنّ مواكبةَ تغييرٍ بهذا الحجم والسرعة ليست سهلةً على الحكومات، وخاصة في ظلّ الغموض المحيط بهذه التقنية، فقبل الاستثمار في الخدمات القائمة على العوالم الممتدّة، لا بدّ من تكوين فهم عميقٍ لبنيتِها وآفاقها وموثوقيتها ورغبة السكان في استخدامها.

لهذا، تستكشف بعض المدن طرائق لتجربة الـ”ميتافيرس” وإشراك السكان في اتخاذ القرار، بحثاً عن الآثار الملموسة التي قد يحقِّقها هذا على أساليب القيادة ومواجهة التحديات وخدمة المواطنين.

وتستخدم حكومات كثيرة الواقع المعزّز لدعم السياحة والاقتصاد المحلي، أو تُنشئ التوائم الرقمية لنمذجة كيفية تأثير التغييرات المادية للمدن على الناس والبيئة، أو توظِّف إنترنت الأشياء لتوفير بيانات مباشرة للمساحات المادية وحركة المرور واستخدام المرافق والمؤشرات البيئية الرئيسية، أو تستفيد من تقنية بلوكتشين لتسهيل التبادل السلس والشفّاف للبيانات وإنجاز المعاملات المالية والعقود الذكية. وفي هذا السياق، احتضنت آسيا 3 تجارب بارزة، في كلٍّ من الصين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا.

في التجربة الصينية، أعلنت لجنة شنغهاي للاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات عن تبنّي الـ”ميتافيرس” في خطتها الخمسية للصناعات التكنولوجية كواحدة من 4 محاور سيجري استكشافُها، حيث ستعمل اللجنة على زيادة البحث والتطوير في استخدامات أجهزة الاستشعار وتقنية “بلوكتشين”، وقد دَعَت إلى تطبيق التقنيات المستقبلية في مجالاتٍ كالخدمات العامة والترفيه والتصنيع وسلامة الإنتاج والألعاب الإلكترونية.

ولتكون هذه الجهود منظَّمة، أسّست الجمعية الصينية للاتصالات المتنقّلة أول رابطةٍ خاصة بالـ”ميتافيرس”، والتي أصدرت فورَ إنشائها كتاباً باسم هذه التقنية، وحاولت من خلاله استكشافَ الأسس المنطقية لتطوير الجيل التالي من الإنترنت والاقتصاد الرقميّ المستقبليّ، والذي سيكون مفهوم “ما وراء العالم” جزءاً أساسياً منه.

وفي كوريا الجنوبية، تراهن الحكومة على الـ”ميتافيرس”، لدرجة جعله جزءاً من “الاتفاقية الرقمية الجديدة” التي تمثّل إطاراً للاستثمار الحكوميّ في التقنيات الجديدة. وقد خصّصت وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر من 177 مليون دولار كاستثمارٍ في هذا المجال، حيث ستعمل على دعم الشركات وإيجاد فرص العمل. ففي العاصمة سيؤول، تبني الحكومة الحَضَرية منصة بقيمة 3.3 مليون دولار لتقديم الخدمات العامة عبر بيئةٍ افتراضيةٍ تضمّ جميع الكيانات الإدارية والبلدية، وتتيح للمواطنين لقاء المسؤولين الرسميين الذين سيتولون تقديم الاستشارات وإنجاز المعاملات وإتمام الإجراءات المَدَنية، وهي خدماتٌ تكون في العادة متاحةً فقط عبر مركز الخدمة المدنية الواقع في مبنى “سيؤول سيتي هول” الحكومي. بالتزامن مع هذا، ستطلق سيؤول نسخاً افتراضية من أشهر مواقعها وفعالياتها الثقافية والسياحية، مثل قرع الجرس الشهير المعروف بـ”جرس بوسينغاك” ليلةَ رأس السنة.

أما في إندونيسيا، فتشير التقديرات إلى أنّ معدّل انتشار الإنترنت سيصل إلى 82.5% في غضون 5 سنوات. وفي بلدٍ يعمل على معالجة بعض التحديات الناتجة عن وجود نسب فسادٍ في الحكومات المحلية، تبحث السلطات المركزية عن وسائلَ فعّالةٍ لمقاربة التحديات، وقنواتٍ تكنولوجية للتواصل مع المواطنين، فبدأت باتخاذ خطوات في أنحاء متفرِّقة من البلاد؛ ففي جاكرتا، أسست الحكومة المحلية شراكة استراتيجية مع “مجموعة وير”، وهي شركة جنوب-آسيوية رائدة في تكنولوجيا الواقع المعزّز، تهدف إلى تطوير رؤية العاصمة الذكية وتنفيذِها وتقديم تجربة أفضل للمواطنين. وفي الوقت نفسه، أطلقت وزارة الداخلية منصةً افتراضية تحمل اسم “كوفي أوتدا” لمساعدة الحكومات المحلية في إجراء مشاورات حية ومباشرة مع الحكومة المركزية.

لكنّ رقمنة الخدمات والعمليات الحكومية لن تكون مهمة بسيطة، إذ تفرض قدرات الأمن السيبرانيّ للحكومة الإندونيسية مخاوف وتحديات كثيرة، بعد أن مرّت بسلسلة من الهجمات التي استهدفت المواقع الحكومية، ناهيك عن كونِ البيانات المخزّنة من قِبل الجهات الحكومية غيرَ محمية بالشكل الكافي، وعُرضةً للتسرّب في أيّ وقت. وقد دفعت هذه التحديات السلطات إلى سنِّ تشريع جديد لإدارة أمن المعلومات في المنظومات الحكومية، وهو ما سيستدعي التزاماً طويل الأمد من الحكومات المحلية، لتحقيق الآثار المتمثّلة بإرساء حوكمةٍ رشيدةٍ تقوم على التواصل الدائم مع الناس.

وفي حين ستبني الصين فهماً عميقاً لاستخدامات “ميتافيرس” يهيِّئُها للمستقبل، سيساعد الابتكار الكوريّ في التغلّب على قيود المكان والزمان واللغة، وخدمةِ الفئات الأضعف، ونشرِ الثقافة الكورية، وترسيخ مكانتِها كمركزٍ تكنولوجيٍّ عالمي.

المراجع:

https://bloombergcities.jhu.edu/news/virtual-realities-how-cities-are-moving-metaverse-and-beyond#:~:text=When%20%E2%80%9CMetaverse%20Seoul%E2%80%9D%20launches%20later,areas%20of%20Seoul’s%20city%20administration.

https://govinsider.asia/resilience/kang-yo-sik-president-seoul-digital-foundation-why-seoul-is-building-its-own-metaverse/

https://qz.com/2112518/chinese-cities-are-piling-into-the-metaverse/

https://www.cnbc.com/2021/12/31/shanghai-releases-five-year-plans-for-metaverse-development.html

https://www.policyforum.net/the-metaverse-and-indonesias-public-sector/

https://www.nlc.org/wp-content/uploads/2022/04/CS-Cities-and-the-Metaverse_v4-Final-1.pdf

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.