مناطق “الانبعاثات المنخفضة” حلّ بريطاني مبتكر لتحديات متعددة

سعياً لاحتواء التأثيرات طويلة الأمد لأنماط التنقّل المعاصر، أطلقت المملكة المتحدة مبادرة لتحديد مناطق ذات انبعاثات منخفضة من غازات الاحتباس الحراري والتي تستقبل المركبات الصديقة للبيئة فقط، وذلك للحفاظ على جودة الهواء.

شارك هذا المحتوى

سعياً لاحتواء التأثيرات طويلة الأمد لأنماط التنقّل المعاصر، أطلقت المملكة المتحدة مبادرة لتحديد مناطق ذات انبعاثات منخفضة من غازات الاحتباس الحراري والتي تستقبل المركبات الصديقة للبيئة فقط، وذلك للحفاظ على جودة الهواء.

رغمَ الاعتراف العالميّ بخطورة تغيُّر المناخ وضرورة الانتقال نحو مستقبل صديق للبيئة، ورغمَ الجهود الدؤوبة والمؤتمرات والاتفاقيات الدولية، لم يصل التغييرُ بعد إلى الوتيرة التي يحتاجها العالم.

يبدو أنّ حكوماتٍ كثيرةً تواجه تحديات صعبة في إجراء إصلاحاتٍ جوهرية، كما هو الحال في المملكة المتحدة. فقبل مؤتمر باريس للمناخ، احتضنت اسكتلندا في العام 2009 إصدار قانون تغيّر المناخ الذي تضمّن جملةً من الأهداف المتعلقة بخفض الانبعاثات، لم تقتصر على غاز ثاني أكسيد الكربون رغم أهميته البالغة، بل ركّز خصوصاً على اثنين من الملوِّثات المرتبطة بالسيارات، وهما الجسيمات الصلبة وغاز ثاني أكسيد النتروجين، وذلك لتحقيق نتائج ملموسة.

من ناحية صحية، تبيِّن الإحصائيات أنّ السائقين يخسرون 6 أشهر من أعمارهم في الازدحام بسبب التأثيرات الصحية للتلوث، كما قدَّرت لجنة الخبراء الاقتصادية التابعة لوزارة الصحة في المملكة المتحدة أنّ تدنّي جودة الهواء يؤثّر على متوسط أعمار السكان، فيجعلها أقصر بحوالي 6 إلى 7 أشهر في إنجلترا وويلز، في مقابل 4 أشهر في إسكتلندا التي تُعَد جودة الهواء فيها مقبولة باستثناء بعض النقاط الحَضَرية التي يلوِّثها النقل البريّ ويسبِّب لسكانها أمراض الجهاز التنفسيّ والقلب والأوعية الدموية.

وبالاستناد إلى توصيات الإطار الوطنيّ لتخفيض الانبعاثات، أطلقت حكومة المملكة المتحدة تجربةَ المناطق منخفضة الانبعاثات لمقاربة قضايا تلوث الهواء والازدحام وتغيّر المناخ. وسيتم إنشاء هذه المناطق في غلاسكو وإدنبره ودندي وأبردين، على أن تنتشر بحلول العام 2023 لتشملَ جميع المناطق التابعة لإدارة جودة الهواء.

في المنطقة منخفضة الانبعاثات، تحكم الطرقات مجموعة من المعايير البيئية، فيكون عبورُها محصوراً بالمركبات الصديقة للبيئة، مع فرض رسومٍ على المركبات الأخرى التي لا توافق معايير الانبعاثات الأوروبية الصادرة في العام 1992، والتي كانت تهدف إلى تنقية الغلاف الجوي من أول أكسيد الكربون وأكاسيد النتروجين والهيدروكربونات والجسيمات، فتضمّنت سلسلةً من اللوائح المُصمّمة لتحديد كمية الانبعاثات المسموح بها لعادم أيِّ سيارةٍ قبل أن يُسمح بتداولها في أيّة دولة أوروبية، والتي يتم تحديثُها كلّ 5 أو 6 سنوات. وقد ظهر هذا المفهوم لأول مرة في السويد أواسط التسعينات، لتتبنّاه 15 دولةً أوروبية تحتضن اليوم أكثر من 250 منطقة منخفضة الانبعاثات.

استضافت لندن أولى التجارب، بهدف الوصول إلى منظومة نقل ذات انبعاثات صفرية بحلول العام 2030. وبعد أن سجّلت التجربة نجاحاً وسطَ المدينة، تدرس الحكومة حالياً فكرةَ جعل لندن بالكامل منطقةً منخفضة الانبعاثات.

أما إسكتلندا، فتلتزم باختصار المسافة التي يقطعها مواطنوها بالسيارة بنسبة 20% بحلول العام 2030. ولهذا، فهي تدعم مشغّلي الحافلات لتحديث محرّكاتهم بغية خفض انبعاثات ثاني أكسيد النتروجين، إذ قدّمت دعماً فاقَ 18 مليون جنيه استرلينيّ لتعديلِ أكثر من ألف حافلة بين العامَين 2018 و2021. وقدّمت هذا العام 3.7 مليون جنيه من خلال صندوق دعم المناطق منخفضة الانبعاثات لمساعدة الشركات والمؤسسات والأفراد على التأقلم، حيث سيكون خفض الانبعاثات في المناطق المُختارة إجراءً دائماً، لكنّه سيُسبَق بفترة تمهيديةٍ ليتسنّى لمالكي المركبات الخاصة ومشغّلي الأساطيل التجارية الاستعداد للنظام الجديد الذي سيتسامَح مع بعض أنواع المركبات، كسيارات أصحاب الهمم، أو السيارات الخاصة بالشرطة والجيش والإطفاء والإسعاف وخدمات الطوارئ. كما سيتم تركيب لافتات على جانب الطريق لإعلام السائقين باقترابهم من المنطقة ليسلكوا طرقاً بديلة، مع أخذ حالات إغلاق الطرق في الحسبان.

ولضمان التزام السكان، سيتم تركيب كاميرات التعرف التلقائيّ على لوحة السيارة لتراقب الحركة في المنطقة وترصد المركبات المخالفة. وستكون هذه الكاميرات مرتبطةً بقواعد بيانات المركبات المرخّصة على المستوى الوطنيّ وفي كلّ مدينة على حدة.

وحيث تعتزم السلطات إصدار تقرير سنويّ يرصد آثار هذا المشروع وتحدياته، فسيتم تقييم فاعلية هذه المناطق عبر شبكة أجهزة الاستشعار التي تراقب جودة الهواء وأنابيب الانتشار التي تتابع تركيزَ نوع أو عدة أنواع من الغازات في الهواء خلال فترة محددة، ثم ستُحلّل هذه البيانات وفقاً لإطار النمذجة الوطني. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه النتائج تعتمد على عوامل عدّة كمساحة المنطقة، ونطاق حركة السيارات، والبيانات الدقيقة لحركة المرور، وحالة الطقس.

ويجب على الحكومة دراسة كلّ هذا قبل توسيع هذه المناطق، فتصميمُها حساس ومعقّد، وخاصةً بالنظر إلى الواقع السياسيّ وتحدّي تضارُب الأولويات لدى السلطات المُنتخبة التي ستحتاج لإجراء الاستشارات المحلية، وإطلاق حملات التوعية، والبناء على الأدلة الملموسة والمشكلات المحلية قبل اتخاذ القرار.

من الحلول المقترحة أن يستهدفَ المشروع المناطق ذات النشاط والتلوث المرتفعَين كمراكز المدن المزدحمة والمجمّعات التجارية، وأن يتركّز في منطقةٍ رئيسيةٍ أو عدة مناطق صغيرة وينتشر منها تدريجياً بحيث يزداد صرامةً مع كلّ خطوة، فهذا أكثر سلاسة وأقلّ كلفةً مقارنة بالتغيير الجذريّ المفاجئ.

والأهمّ هو أن تُصاحَب هذه السياسات ببدائل تقدّم للأفراد والشركات حلولاً ميسورةً وجذابةً ومريحة، بحيث تكون هذه المناطق جزءاً من استراتيجيةٍ شاملة، لتحقق الآثار المرجوة منها في تحسين جودة الهواء، وحماية الصحة العامة لمختلف فئات المجتمع، وتشجيع التحول إلى المركبات الحديثة. فمن الضروري أن تتوافر للأفراد وسائل بديلة للتنقل الصديق بالبيئة، بما في ذلك خيارات كركوب الدراجات الهوائية أو وسائل النقل العام الميسورة التكاليف.

وعلى نطاقٍ أوسع، تقدّم هذه الفكرة أداةً متينةً لتأطير السياسات وتنفيذِها، فحصر الإجراءات ضمن منطقةٍ معينةٍ حلٌّ أكثر ملاءمةً للشركات الخاصة والحكومية. بهذا، يمكن للسلطات المحلية المضيُّ قدماً في مشاريع طموحة أكثر، لتجعل مدنَها بيئات صحية للحياة في المستقبل.

المراجع:

https://www.c40knowledgehub.org/s/article/How-to-design-and-implement-a-clean-air-or-low-emission-zone?language=en_US

https://www.lowemissionzones.scot/

https://www.fastcompany.com/90728036/how-london-plans-to-make-the-entire-city-an-ultra-low-emissions-zone

https://www.transport.gov.scot/news/low-emission-zones-introduced-across-scotland/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.