كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.

شارك هذا المحتوى

لزيادة معدّلات السلامة، أطلقت العاصمة الكورية عدة مشاريع تستخدم التقنيات الحديثة للتعامل مع الكوارث واحتواء آثارها.

تسعى الحكومات إلى بناء مجتمعاتٍ أكثر أماناً وأقلَّ عرضةً للأخطار أياً كان مَنشَؤها، فتؤسس منظومات متينة لإدارة الطوارئ، والتأهّب لوقوعِها، والاستجابة لها، والتعافي بعدها.

في العاصمة الكوريّة، سيؤول، تبدو الصورة إشكاليّة. فالواقع المعاصر، بما فيه من تزايد للسكان وتوسُّع متسارعٍ للعمران الحديث وتغيُّرٍ للمناخ، أفضى إلى مشهدٍ حَضَريٍّ معقَّد تكثر فيه ناطحات السحاب والمرافق تحت-الأرضية. ونتيجةً لذلك، يكاد يستحيل التنبؤ بالمخاطر ومداها وأضرارِها.

الواقع المؤسف هو أنّ بعض الكوريين يعرضون أنفسهم للخطر، ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد تصدّرت كوريا الجنوبية لائحة الدول الأعضاء في معدّلات الانتحار، كما صنَّفت الحكومة الانتحارَ كسببٍ رئيسيٍّ للوفاة بين المواطنين في العقدين الثالث والرابع من العمر. وقد ارتفعت هذه المعدّلات بتأثير حالة العزلة التي صاحبت جائحة كوفيد-19، ليشهدَ العام 2020 ارتفاعاً بنسبة تقارب 13% عن سابقاته، إذ أقدَم حوالي 23 شخصاً من كل 100 ألف على الانتحار، أغلبهم ألقى بنفسه في نهر “هان”، ولم يصل إليهم المنقِذون إلّا بعد فوات الأوان.

كما تشهد العاصمة حرائق متكرّرة تخلِّف العديد من الوفيات والإصابات، وتُعزى في أغلب الأحيان، إلى أعطالٍ في معدات الحماية كالرشاشات المائية وأجهزة الإنذار. ورغم جهود أقسام مكافحة الحرائق وعمل فِرَقها على التفتيش اليدويّ وصيانة الأجهزة أو تبديلها، فإنّ هذه العمليات تستغرق وقتاً طويلاً، ولا تقدِّم حلّاً كافياً أمامَ الأعمار الافتراضية القصيرة لهذه التجهيزات، ما يحوِّل جهود المراقبة التقليدية إلى حلقةٍ مُفرَغة.

أمامَ هذه المعطيات، اتجهت حكومة سيؤول إلى الحلول الرقمية، فأطلقت مجموعة مشاريع ترمي إلى تحسين منظومة إدارة الطوارئ، بالتعاون مع عدة جهات كوزارة الداخلية والسلامة، والمعهد الكوري للأبحاث وتطوير المعلومات المحلية.

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.

تتشابه هذه المنصة مع تجربةٍ أطلقتها الهيئة الوطنية للحدائق لتمكين الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ في 22 حديقةً متفرِّقة، حيث جمعت 11 نظاماً لإدارة السلامة مثل المراقبة بكاميرات الفيديو والدارات التلفزيونية المغلقة والطائرات من دون طيار ضمنَ نظامٍ واحد للوصول إلى توأمٍ رقميٍّ قائمٍ على نظام المعلومات الجغرافيِّ ثلاثيّ الأبعاد، والذي يوفِّر معلوماتٍ مكانيةً كموقع الحديقة ونظام المراقبة المُعتمَد فيها. وتتكامل هذه التقنيات لبناء فهمٍ سريعٍ ومتابعةٍ حيةٍ للوضع وتسريع عمليات الإنقاذ.

أما المشروع الثاني، فهو إنشاء مركزٍ للبيانات الضخمة الخاصة بالحرائق في العاصمة، وهو يعمل على إنشاءِ خرائط مرجعيةٍ ثلاثية الأبعاد للمواقع الأكثر عرضةً للحرائق، لإتاحتها لفِرَق الإطفاء، حيث اختار الفريق 626 منشأة بما فيها دور رعاية المسنين، على أن تُنجَز الخرائط ثلاثية الأبعاد لـ68 منها قبل نهاية العام 2022. 

في هذا الصدد، احتضنت سيؤول أولى التجارب الكورية في تبنّي “نظام إدارة الحرائق في الوقت الفعليّ”، الذي تم تركيبه في 717 مبنى وتوصيلُه بقسم الحرائق. يستخدم النظام إنترنت الأشياء والبيانات الضخمة للتحقق من حالة تشغيل مرافق مكافحة الحرائق مباشرة باستخدام الهاتف الذكيّ والحاسوب فقط، حيث تحلِّل الخوارزميات أسباب الحرائق والأعطال المتكرّرة، ليتسنّى للقسم المعنيّ تقديمُ الإرشادات لكلّ مبنى وفقاً لهذه المعطيات. ويجري حالياً تطويرُ النظام ليشملَ تاريخ المرفق والمعايير التدريبية الخاصة باستخدامه.

ولجعل الاستجابة للحرائق أسرع، أطلقت الحكومة روبوت محادثةٍ يعمل بالذكاء الاصطناعيّ والبيانات الضخمة، ويستطيع مراجعة الأسئلة والمعلومات المتكررة لدى إدارة الشؤون المدنية لمكافحة الحرائق، ليبني منها نظاماً متطوِّراً للتقديم والإبلاغ للمساعدة في تلقّي اتصالات النجدة. وتتضمّن برمجيات النظام ميزات التعرّفِ على الصوت، واقتراحِ الأسئلة بحسب الموقف، وتحويلِ محتوى المكالمة تلقائياً إلى نصٍّ مكتوب.

كما تدرس الحكومة تطوير خوارزمية لتوجيه دوريات الوقاية من الكوارث، عبر تحليل بياناتٍ ضخمةً جُمِعَت على امتداد العقدين الفائتين، فشملَت الحرائق والإنقاذ والإسعافات الأولية. بعدئذٍ، ستقسم الخوارزمية المعطيات إلى فئات لاستنتاج النقاط الأكثر عرضةً للكوارث والأُطُر الزمنيّة الأكثر خطورة، ليكون المركز مزوِّداً عاماً للبيانات للحكومة والوكالة الوطنية لمكافحة الحرائق على حدٍّ سواء. وتشبه هذه الخوارزمية نظاماً آخر مبتكراً أُطلق للتنبؤ بالكوارث ونطاقاتِها وأضرارِها عبر تحليل المعطيات المختلفة وحالة الطقس والبيانات الواردة من أجهزة الاستشعار التي تعمل بتقنية إنترنت الأشياء.

لخفض معدّلات الانتحار، تستخدم الحكومة الذكاء الاصطناعيّ وأنظمة المراقبة بالفيديو لتحسين المراقبة فوق الجسور العشرين الواصلة بين ضفتَي نهر “هان”. حيث عمل النظام الذكيّ على جمع كمياتٍ كبيرةً من البيانات، ومن ثم استخدام تقنية التعلّم العميق لتحليل سلوك المشاة، خاصةً في الأماكن التي شهدت حالات انتحارٍ متكرّرة، فما أن يتم رصد شخص يتجوّل من دون العبور إلى الضفة الأخرى، أو يلازم نقطةً ما من دون حراك، حتى يرسل تنبيهاً فورياً إلى مركز الإنقاذ لتوجيه فِرَق الاستجابة. 

حالياً، يُطبّق نظام المراقبة في 9 جسور، على أن تنضمّ إليها 4 أخرى هذا العام، وقد أثبت فاعليةً كبيرةً وزيادةً في معدّلات عمليات الإنقاذ الناجحة.

تأمل الحكومة في أنّ التقنيات الذكية ستحسِّن الاستجابة للطوارئ، وتعزّز أداء أقسام مكافحة الحرائق، وتزيد معدّلات السلامة في البلاد.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.