الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام "المسؤولية الموسعة للمنتجين" (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

شارك هذا المحتوى

تسعى دول العالم إلى تطوير استراتيجيات وإيجاد حلول مبتكرة وفعالة لمشكلة النفايات الإلكترونية والتي أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً ومتنامياً على البيئة والصحة العامة والموارد الطبيعية.

وتبرز في هذا السياق مشاريع وتجارب واعدة في كل من سنغافورة ونيوزيلندا ونيجيريا وفرنسا والولايات المتحدة، للتعامل مع هذه النفايات، تتراوح في مقارباتها بين شراكات بين القطاع الحكومي والخاص بهدف تطبيق مفاهيم الاقتصاد الدائري، وإنشاء مرافق متطورة لفرز وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وسنّ تشريعات تُحمّل المصنعين جزءاً من مسؤولية الحد أثر النفايات الإلكتروينة.

تضم النفايات الإلكترونية مجموعة واسعة من المنتجات التي أصبحت تعد ضرورية للاستخدام اليومي لكل منزل أو مكتب أو فرد لرفع مستوى الأداء أو التمتع بمستوى معيشي جيد. فبالإضافة إلى المعدات الإلكترونية التالفة كأجهزة الكمبيوتر والتلفزيون والهواتف النقالة والمنتجات الأخرى التي تحتوي على مكونات إلكترونية، تشمل هذه النفايات الأجهزة الكهربائية المنزلية، كالغسالات ومواقد الطهي الكهربائية وغيرها. وتشير إحصاءات الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة إلى أن العالم أنتج ما يقدر بـ53.6 طن متري من النفايات الإلكترونية في العام 2019، ومن المتوقع أن يبلغ حجمها نحو 74 مليون طن متري في العام 2030، خاصة مع الاستخدام الواسع للإلكترونيات في المدن الذكية المتنامية. لكن ما يثير القلق وفق الإحصاءات هو أنّ من المرجح أن نحو 83% من هذه النفايات لن يتم جمعها أو التعامل معها بطرق متوافقة مع حماية البيئة. 

تشكل الأساليب التقليدية في التعامل مع غالبية النفايات الإلكترونية، التي تقتصر عادة على الحرق أو الردم في مكبات، خطراً على صحة الإنسان والبيئة بسبب الغازات السامة التي تنبعث منها والمعادن الضارة مثل الزئبق التي تتسرب إلى داخل الأرض وتلوث مصادر المياه الجوفية. هذا عدا أن الطرق التقليدية تشكل هدراً للموارد الطبيعية بسبب احتواء النفايات الإلكترونية على معادن ثمينة مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاتين وغيرها من المواد التي يمكن أن تدخل الدورة الاقتصادية عند توفر مرافق فعالة ومجدية لإعادة تدويرها. 

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

يؤدي كل طرف دوراً في هذه المنظومة، فيقوم المنتج أو المستورد الذي يزود بائعي التجزئة بالأجهزة الإلكترونية بتمويل عملية جمع النفايات الإلكترونية وتدويرها بطريقة مناسبة. وتقوم شركة لإعادة التدوير الذكي للنفايات الإلكترونية في سنغافورة بمعالجة المنتجات التالفة لقاء رسم يسدده المنتج أو المستورد والموزع. وعلى سبيل المثال، يتوجب على بائع التجزئة عند تسليمه ثلاجة جديدة لبيت العميل أن يستلم الثلاجة القديمة التالفة وينقلها من دون أية تكلفة على العميل إلى مركز إعادة التدوير، ويقوم المنتج أو المستورد بدفع تكلفة النقل للبائع. وبالنهاية يُعادُ إدخال المعادن الثمينة المستخرجة من النفايات إلى الدورة الاقتصادية، ما يخفف عبء استخراجها من المناجم.

لكن الحلقة الضعيفة في هذه المنظومة تتمثل بالمستهلك. فقد كشفت إحدى الدراسات عن أن مستهلكاً واحداً من أصل عشرة يراعي شروط إعادة تدوير النفايات الإلكترونية. أدت هذه الحالة إلى إطلاق حملات توعية للمستهلك، فضلاً عن طرح حوافز مثل الجوائز التي تمنح للمستهلك عند تجميعه نقاطاً يحصل عليها كل مرة يقوم بتسليم منتج إلكتروني تالف إلى شركة إعادة التدوير. 

وتشهد أفريقيا بدورها تقدماً ملحوظاً في هذا المجال. إذ تشير التقارير إلى أن 13 دولة أفريقية لديها الآن سياسة خاصة بالتعامل مع النفايات الإلكترونية أو تشريعات أو أنظمة ذات الصلة. تتبع نيجيريا، على سبيل المثال، نظاماً يشابه النظام السنغافوري، حيث يتكفل المنتجون والموزعون بتسديد نفقات جمع النفايات الإلكترونية، وفرزها، وتحويلها، ومعالجتها، إضافة إلى إعادة تدويرها وتمويل حملات التوعية. وما يضفي على هذا النظام المرونة والاستدامة هم المنتجون والموزعون الذين يقدمون رسماً لمنظمة غير ربحية مختصة في إدارة النفايات الإلكترونية، تقوم بدورها بتمويل العملية. وفي غانا بدأت سلطات الجمارك بفرض ضريبة بيئية على استيراد المنتجات الإلكترونية المستعملة والمستهلكة لضمان تمويل إدارة النفايات الإلكترونية. 

أما في نيوزيلندا، فقد تم هذا العام بناء آلة جديدة متطورة بأفضل المواصفات لفرز وتكسير النفايات الإلكترونية، وذلك بعد حصول المشروع على منحة من “صندوق تخفيض النفايات” بقيمة 1.5 مليون دولار. وقد وصف المشروع بأنه خطوة مهمة في التحول إلى الاقتصاد الدائري، خاصة أن نيوزيلندا لا تعيد تدوير أكثر من 2% من النفايات الإلكترونية التي تنتجها. تتميز الآلة الجديدة التي ستساهم في الحد من المخاطر على صحة الإنسان والبيئة، بقدرة عالية على فرز وإعادة تدوير النفايات وتحويل المعادن المفيدة إلى القطاع الصناعي. وهي تستخدم أجهزة استشعار بصرية في فرز النفايات تحت ضغط جوي منخفض، ما يساعد على استخراج نحو 90% من مكونات النفايات. 

وهناك أيضاً توجه مبتكر آخر تقوده فرنسا من خلال حث المستهلكين على تصليح الأجهزة الإلكترونية القابلة للتصليح عوضاً عن التخلص منها. وقد أصبحت فرنسا في بداية عام 2021 أول دولة أوروبيّة تطبق مفهوم “الحق في التصليح” من خلال إصدار “مؤشر التصليح” في خمس فئات من الأجهزة الإلكترونية، وهي الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر المحمول، والتلفزيونات، والغسالات، وآلات قطع الحشائش. وكانت فرنسا في عام 2019 قد سنت قانوناً يفرض على مصنعي الأجهزة الإلكترونية والكهربائية وضع ملصقات على منتجاتهم تحتوي على معلومات واضحة ودقيقة تمكن المستهلك من تصليح الأجهزة في حال تعطلها. وهناك توجه مماثل في الولايات المتحدة. 

وبالنهاية يمكن القول إنّ أنظمة إدارة النفايات الإلكترونية الأكثر استدامة هي تلك الممولة ذاتياً، ويكون دور قطاع الأعمال فيها محورياً. 

المراجع:

https://govinsider.asia/data-security/how-singapore-is-working-with-industry-players-and-citizens-to-recycle-electronic-waste-nea-ron-wong/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.