كيف تتعامل الحكومات مع تحدي تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة

بعد أن اعتلى تغيّر المناخ سلم الأولويات الحكومية في كلّ مكان، برزت بعض التجارب المبتكرة في أماكن متفرّقة، كزيادة الغطاء الأخضر في سنغافورة، وتبريد الأرضيات في أستراليا، وتركيب الأسطح العاكسة للأشعة في الولايات المتحدة الأمريكية.

شارك هذا المحتوى

بعد أن اعتلى تغيّر المناخ سلم الأولويات الحكومية في كلّ مكان، برزت بعض التجارب المبتكرة في أماكن متفرّقة، كزيادة الغطاء الأخضر في سنغافورة، وتبريد الأرضيات في أستراليا، وتركيب الأسطح العاكسة للأشعة في الولايات المتحدة الأمريكية.

منذ الثورة الصناعية، يشهدُ عالمنا ارتفاعاً مستمراً في درجات الحرارة. وفي حين يلعب التباين الطبيعيّ دوراً في هذا، تشير أغلب الأدلة إلى أنّ الأنشطة البشرية هي المسؤول الأول عن تغيّر المناخ.

تزداد كلّ يوم هذه الظواهر حدّةً وتواتراً وتتعمّق نتائجُها الكارثية، فقد شهدَ صيف العام 2021 حرائقَ واسعةً التهمت غاباتِ أوروبا ومنازلَها وبناها التحتية الحيوية، إلى جانب موجات حرارة قياسية في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية، بلغت ذروتَها في المدن ضمن ظاهرةٍ متناميةٍ تُعرف بـ”تأثير الجزيرة الحرارية الحَضَرية”، وتنتجُ عن ازدياد الأسطح المعبّدة والنشاط الصناعيّ وحركة المرور على حساب المساحات الخضراء، إذ تتسبّب هذه العوامل بفارقٍ حراريٍّ ملحوظ بين المدن ومحيطِها الريفيّ، وتساهم الأبنية الشاهقة والشوارع الضيقة بحجز الحرارة أكثر.

تلقي الجزيرة الحرارية بآثار عميقةٍ على البيئة وصحة السكان، فتسبّب الجفاف وتراجع جودة الهواء والصدمات الحرارية ومشكلات القلب والأوعية الدموية وأمراض الكلى، وتفرض مخاطرَ مضاعَفةً على المصابين بأمراض مزمنة وعلى محدودي الدخل الذين لا يملكون رفاهية التوقّف عن أعمالهم الميدانية أو وظائفهم ضمن المصانع سيئة التهوية.

تبحث كلّ حكومة في العالم عن سبلٍ لمقاربة هذا التحدي بما يتلاءم مع واقعها، ففي التجربة الأسترالية، تخزِّن الطرق أكبر كمياتٍ من الحرارة، ما دفعَ مجلس “بلاكتاون” غربيّ سيدني لإطلاق حلٍّ مبتكرٍ لتبريد الشوارع عبر طلائها بمادةٍ إسفلتيةٍ عاكسةٍ أفتح لوناً من الإسفلت التقليديّ، ما يمكِّنها من تقليل كمية الحرارة المُمتصة. وقد انتهى المجلس من طلاء جميع الطرق بطبقتَين من المادة المسمّاة “كول سيل”، بعد اختيار هذه الطرق وفقاً لعوامل مناخية متفاوتة كالارتفاع ومقدار الخضرة الحضرية المحيطة.

وعلى النقيض من الفكرة الأسترالية بتبريد الأرض، توجّهت الأنظار الأمريكية إلى الأسطح، فصمّمت إدارة المباني والسلامة بلوس أنجليس أسطح باردةً بانبعاث حراريّ مرتفعٍ يمكِّنها من إطلاق أشعةٍ تحت حمراء حرارية. بعبارةٍ أبسط، تمتصّ هذه الأسطح كمياتٍ محدودةً من الإشعاع الشمسيّ وتعكس معظمَه، وهي قابلةٌ للاستخدام في معظم أنواع الأبنية. وفي العام 2013، حدّث مجلس المدينة قانون البناء البلديّ ليكون أول مجلسٍ محلي يفرض متطلّباتٍ صارمةً للأسطح الباردة في معايير الإعمار، في مسعى مشترك مع إدارة المياه والطاقة التي أعلنت عن خصوماتٍ لتشجيع السكان على تبديل أسطح منازلهم.

أما في سنغافورة، رصدت الأبحاث تبايناً بين حرارة الريف والمدينة بلغ 7 درجات مئوية، وقد أشارت الأرقام الحكومية إلى أنّ ارتفاع درجات الحرارة جاءَ أسرعَ بمرتين من المتوسط العالمي خلال العقود الستة الفائتة، إذ يقارب متوسطُ درجات الحرارة اليومية 27 درجةً مئوية، وذلك في العاصمة التي تبعد حوالي 135 كيلومتراً عن خط الاستواء، والتي تحتضن 5.7 مليون نسمة وتضمُّ منطقةً تجاريةً تولّد 5 أضعاف الحرارة مقارنةً بالمناطق السكنية، والأهمّ هو امتلاكُها لأكبر عددٍ من وحدات التكييف المستهلِكة للطاقة قياساً لعدد السكان مقارنةً بمجمل مدن جنوب شرق آسيا، وذلك بسبب طقسها الحار والرطب.

وضمن مسعى خفض الانبعاثات بنسبة 50% قبل انتصاف القرن، أطلقت الحكومة خطّتها الخضراء للعام 2030، والتي تتضمن عدة برامج تهدف لإشراك جميع المواطنين في تحقيق الاستدامة لمدينتهم.

على سبيل المثال، سيتم زرع مليون شجرةٍ جديدة خلال العقد المقبل لمضاعفة المساحات الخضراء التي تغطي الآن 65% من البلاد، وستخصص الحكومة 200 هكتار إضافية للحدائق الطبيعية التي اختيرَت لها مواقعُ مميزة تجعلُها على بعد مسير 10 دقائق من المناطق السكنية. وقد أمضى المجلس الوطنيّ للحدائق عقوداً في تخضير الطرق وإنشاء مساحات خضراء واسعة، مع حماية مناطق التنوّع البيولوجيّ الأساسيّة. كما تتبنّى سنغافورة العمارة البيوفيلية التي تسعى لإعادة اتصال الإنسان بالطبيعة ضمن البيئة المبنية.

لكنّ هذه الخطوات لا تخلو من التحديات، فازدياد الأشجار قد يقلّل من سرعة الرياح ويرفع نِسَب الرطوبة. كما أشارت دراسات سنغافوريةٌ إلى أنّ التأثير المبرِّد للنباتات يمتدّ لـ4 أمتارٍ قبل أن يبدأ بالتلاشي، أي أنّه لا يقدّم حلّاً جذرياً لمشكلات الأنظمة الحَضَرية. لذا، أعلن مجلس البيئة السنغافوريّ عزمَه إنشاء نموذج بياناتٍ للمدينة وتصميمَ “توأمٍ رقميٍّ للمناخ الحَضَريّ” يقدِّم معلومات عن الأبنية والغطاء النباتيّ والنشاط البشريّ والعوامل الطبيعية، وبهذا، يتيح لصنّاع القرار دراسة السيناريوهات المختلفة والتقنيات المتاحة الأكثر فعالية، لتحقيق الأثر المأمول المتمثِّل ببيئة صحية ودرجات حرارة معتدلة وهواء نقي.

وفي تجربة سيدني، رصدَ مجلس المدينة نتائج إيجابية للطلاء المبتكر للطرق، فقد كانت الأرصفة غير المظللة التي تم طلاؤها أبردَ من غيرها بحوالي 6 إلى 11 درجةً مئوية، في حين لم يتم قياسُ النتائج على الهواء المحيط بسبب القيود المفروضة على نطاق التجارب.

أما في لوس أنجليس، فقد ساهمت الأسطح الباردة بخفض درجات حرارة الأبنية بمقدار الثلثَين، وبينما تصل درجة الحرارة الصيفية للأسطح التقليدية إلى 84 درجةً مئوية، لا تتعدّى درجات حرارة الأسطح المُبتكرة 28 درجة، ما يقلّل الحاجة إلى أنظمة التكييف ويعزّز الراحة والأمان عبر تقليل تدفّق الحرارة من الأسطح إلى داخل الأبنية. وتقديرياً، ستكون هذه الأسطح أطولَ عمراً من غيرها وستوفِّر 30 مليون دولارٍ سنوياً من الكلفة المرتبطة بالطاقة فقط، ناهيك عن كلفة الرعاية الصحية وتعويض 80% من الاحتباس الحراريّ.

المراجع:

https://www.c40.org/what-we-do/scaling-up-climate-action/adaptation-water/the-future-we-dont-want/heat-extremes/#:~:text=Cities%20with%20little%20green%20space,%2C%20kidney%20diseases%2C%20and%20death.

https://www.archdaily.com/976437/how-singapore-is-pioneering-the-way-to-creating-a-greener-urban-environment#:~:text=In%202021%2C%20the%20Singapore%20government,glowing%20global%20city%20of%20sustainability

https://www.bloomberg.com/news/features/2020-12-01/singapore-climate-change-reducing-heat-takes-trees-and-technology

https://www.greenplan.gov.sg/key-focus-areas/overview

https://councilmagazine.com.au/ground-cooling-trial-to-beat-urban-heat/

https://coolcalifornia.arb.ca.gov/cool-roofs-action

https://www.energy.gov/energysaver/cool-roofs

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.