خطة شاملة لتعزيز مكانة فرنسا كمركز لابتكارات الرعاية الصحية

سعياً لترسيخ مكانة فرنسا في سباق ابتكارات الرعاية الصحية، تعمل الحكومة الفرنسية على تطوير أبحاث التكنولوجيا الحيوية، وتعزيز العلاج والتجارب السريرية، ودعم الشركات والمشاريع التي تخدم الأولويات الوطنية في قطاع الصحة.

شارك هذا المحتوى

سعياً لترسيخ مكانة فرنسا في سباق ابتكارات الرعاية الصحية، تعمل الحكومة الفرنسية على تطوير أبحاث التكنولوجيا الحيوية، وتعزيز العلاج والتجارب السريرية، ودعم الشركات والمشاريع التي تخدم الأولويات الوطنية في قطاع الصحة.

كما في أيِّ قطاع، أصبح مصطلح “الابتكار في الرعاية الصحية” مرتبطاً بالتطوّرات الجديدة الناتجة عن تغيّر السياسات والأنظمة والتقنيات والأفكار والمنتجات التي توفِّر حلولاً لتحديات هذا القطاع، الذي يتوقع الخبراء أن ينمو بنسبة 160% بحلول العام 2023، لترتفعَ قيمته الإجمالية إلى 235 مليار دولار بعد أن كانت 90 ملياراً في العام 2019.

تتصدّر الدول الأوروبية المؤشرات العالمية في العديد من ابتكارات الرعاية الصحية، حيث تمكّنت فرنسا تحديداً من ترسيخ مكانتها كمركزٍ لبحوث التكنولوجيا الحيوية مستندة إلى سجل حافل من الإنجازات بما فيها حصد 13 جائزة نوبل في الطب، وبوجود العديد من المعاهد المختصة بالعلوم الحياتية والشركات الرائدة وتلك الباحثة عن رأس المال الاستثماريّ.

أطلقت الحكومة الفرنسية عبر المجلس الاستراتيجي للصناعات الصحية خطة الرعاية الصحية، بتمويلٍ قاربَ 8 مليارات دولار، بغية جعل فرنسا مركزاً أوروبياً رائداً في هذا المجال. تهدف هذه الخطة إلى ترسيخ الحضور الفرنسيّ في العلوم الحيوية ومقاربة القضايا التي تحدّ الابتكار في قطاع الرعاية الصحية الفرنسيّ.

حيث أنّ هناك تحديات كثيرة تواجه هذا القطاع، فهو يتطلب قوة سياسية داعمة ورؤية استراتيجية وبيئة حاضنة مؤاتية، وهي معطيات غير متاحة بالشكل الكافي حالياً لضمان أنظمة تشجّع الابتكار، يُضاف إلى هذا تسارعُ المنافسة العالمية ونقصُ التمويل وتعقيدُ الأنظمة البيروقراطية. فقبل مطلع الألفية، لم تسمح القوانين الفرنسية للعلماء الأكاديميين بامتلاك أسهم في الشركات التي تبنَّت ابتكاراتِهم ونهضت بها، ما دفع أصحاب الكفاءات في مجال التكنولوجيا الحيوية للبحث عن فرص لتنفيذ أفكارهم في بلدان أخرى كالولايات المتحدة.

وبالرغم من تغير المشهد اليوم عما كان عليه سابقاً بعد مرور 20 عاماً من التطور المستمر، جاءت جائحة كوفيد-19 لتكشف ثغرات نُظُم الرعاية الصحية وتطلقَ سباقاً محموماً لتطوير اللقاحات، سباقٌ تخلَّف الفرنسيون فيه، ما ولَّد نقاشاتٍ جادةً وزيادةً غير مسبوقة في التمويل المخصص لشركات التكنولوجيا الحيوية لتحسين أداء المنظومة الصحية الفرنسية ككل، وخاصة في ظلّ تحديات شيخوخة السكان وتطور الأمراض المزمنة وتشتت الموارد وضعف تدريب الكوادر ونقص الثقة والمعرفة بالتكنولوجيا الرقمية الذي يعمِّق الفجوة الاجتماعية بأخرى رقمية، كلُّ هذا يُتوَّج بحاجة ملحة إلى زيادة الوعي بأهمية الاستثمار في الرعاية الصحية والبنية التحتية الرقمية.

ومن هذه المعطيات تبرز أهمية الخطة الفرنسية الجديدة للنهوض بمستوى الابتكار في القطاع الصحي، حيث تنطوي على استراتيجيات تغطي 5 أنواع من الطب، الوقائيّ والمشخصن (أي المبني على معطيات المريض الخاصة) والتنبؤيّ والتشاركيّ والطب المدعّم بالأدلة. وقد جاءت الخطة بعد مناقشات دارت مع أكثر من 500 من الخبراء والمستثمرين وأصحاب الشركات وطواقم المستشفيات.

تشمل ميزانية الخطة 650 مليون يورو لتعزيز الوسائل الرقمية في قطاع الصحة بهدف تأمين بيئة مواتية لتطوير الحلول المستندة إلى مناهج علمية متعددة التخصصات ونماذج طموحة فعّالة من حيث الكلفة. وفي سياق التدريب، تم إدراج نماذج للصحة الرقمية ضمن التدريبات الأولية لطواقم الرعاية الصحية والاجتماعية، وستستهدف هذه التدريبات 210 آلاف طالب عبر 24 دورةً في 36 جامعة.

كما ركّزت الجهود على تطوير مجال التصوير الطبي بتكثيف جهود التمويل المشترك وابتكار الحلول وبرامج المعالجة المتقدِّمة. جاءت هذه الجهود ضمن السعي لتعزيز بيئة تجريبية داعمة للابتكار والتقنيات الحديثة، وتمويل قرابة 50 مشروعاً بحلول العام 2025، حيث سيجري العمل على تقييم القيمة المضافة طبياً واقتصادياً للأجهزة والبرمجيات السريرية، كما ستدعم الحكومة إطلاقَ مواقع تجريبيةٍ للتكنولوجيا الرقمية في مؤسسات الرعاية الصحية، حيث سيُسمح لعدة جهات خارجية بافتتاح 30 موقعاً جديداً ستُجرى فيها تجارب أولية للعلاجات ضمن على أرض الواقع.

ولأنّ الاستراتيجية تتصف بالتكاملية، فإن إنشاء بيئة تجريبية ناجحة يخدم هدفاً آخر متمثِّلاً بتسهيل وصول العلاجات الجديدة والأجهزة الطبية الرقمية إلى السوق وضمان نموِّه المستدام وتبسيط لوائح أسعار الأدوية والمعدات وزيادة الإنفاق على منتجات الرعاية الصحية بنسبة 2.4%.

كما قررت الحكومة إنشاء كيان مركزي للابتكار في مجال الرعاية الصحية لتسهيل الحوار بين الجهات الفاعلة، ودعم أصحاب المشاريع التي تخدم الأولويات الوطنية، والجمع بين أصحاب المصلحة، ففرنسا تزخر بالمؤسسات البحثية المبتكرة، وتحتضن أكثر من 3 آلاف شركة للتكنولوجيا الصحية، حيث يعمل أكثر من 450 ألف شخص. ولزيادة القدرة التنافسية لهذه الشركات، تؤسس الحكومة شراكة مع الباحثين والصناعيين لتنمية 3 مجالات رئيسية، أولُها مجال المعالجات الحيوية والتصنيع الحيوي، حيث وضعت فرنسا خطة خمسية لإنتاج ما لا يقل عن 5 أدوية حيوية جديدة، وإطلاق 5 شركات صغيرة ومتوسطة، ومضاعفة عدد الوظائف في هذا القطاع. أما المجال الثاني، فهو الصحة الرقمية التي سيتمّ تطويرُها بتنفيذ تجارب واقعية وتوسيع نطاق الحلول الجديدة الصناعية. وأخيراً، جاء مجال الأمراض المعدية والتهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، إذ تهدف الاستراتيجية إلى بناء الجاهزية لمواجهة الأزمات المستقبلية والقدرة على الاستجابة على مستوى وطنيّ وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين عبر هيئة الاستجابة للطوارئ الصحية.

في السياق البحثيّ، خصّصت الخطة مليار يورو لتطوير البنية التحتية البحثية لجذب العلماء وأصحاب رؤوس الأموال، وذلك بتبنّي إجراءات لتبسيط التعاون بين العلماء والأطباء وتسهيل تنظيم التجارب السريرية، وخاصة في مراكز التميز العالمية.

على امتداد السنوات القادمة، ستحظى جميع هذه المحاور بالمتابعة لرصد التحديات ومعالجتها وقياس آثارها. وإذا ما حقّقت الأهداف المأمولة، فإنّ هذه الخطوات ستساهم في جعل فرنسا واحدة من أبرز مراكز العلاجات الحيوية في العالم، وبلداً يضمن لمواطنيه جودة حياة أفضل.

المراجع:

https://frenchhealthcare.fr/health-innovation-plan-2030-e7-5-billion-to-return-france-to-its-position-as-leader-in-healthcare-in-europe/

https://gnius.esante.gouv.fr/en/ehealth-acceleration-strategy/foundational-strategy

https://www.elysee.fr/admin/upload/default/0001/10/878189f8b95f7905f5b4ecf540701a425e615cdf.pdf

https://www.labiotech.eu/in-depth/france-biotech-innovation-2030/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي

رواندا توجِد فرصاً لإدماج الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية

لمواجهة تحديات القطاع الصحي، تسعى رواندا إلى استخدام روبوتات المحادثة لتقديم الاستشارات الطبية عن بُعد، ضمن مسعى شامل لزيادة توظيف التقنيات الحديثة، شرطَ ضبطِها بالأُطُر التشريعية التي تضمن الموثوقية والأمان.

إنجلترا

زراعة العشب البحري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون في إنجلترا

لاستعادة الموائل الطبيعية للعشب البحري التي تمثّل أحد أهم وسائل احتجاز وتخزين الكربون في المملكة المتحدة، يعمل العديد من الشركاء والمتطوعين ضمن مشروع طموح لنقل بذور هذه الأعشاب ورعايتها مخبرياً تمهيداً لزراعتها في قاع البحر.

الأمن السيبراني

الحكومة الأمريكية تعزز الأمن السيبراني ضد تهديدات الحوسبة الكمية المستقبلية

اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مجموعة من الخطوات لمواجهة التحديات المتوقع أن تفرضها أنظمة الحوسبة الكمية، والتي تهدد أمن وخصوصية الاتصالات عبر الإنترنت في المستقبل، بما يشكل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي.