تايوان تسعى إلى تعزيز التحول الرقميّ لزيادة دخل المزارعين

صوبَ أمن غذائيّ مستدام، وفي ظلّ التحديات التي تواجه مكانتها كمملكة للفواكه، شرعت الحكومة التايوانية في إدماج تقنيات حديثة كالذكاء الاصطناعيّ وإنترنت الأشياء في إدارة المزارع، لمراقبة نمو المحاصيل وإرشاد المزارعين للسبل المثلى لرعايتها.

شارك هذا المحتوى

صوبَ أمن غذائيّ مستدام، وفي ظلّ التحديات التي تواجه مكانتها كمملكة للفواكه، شرعت الحكومة التايوانية في إدماج تقنيات حديثة كالذكاء الاصطناعيّ وإنترنت الأشياء في إدارة المزارع، لمراقبة نمو المحاصيل وإرشاد المزارعين للسبل المثلى لرعايتها.

يعتمد 60% من البشر على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء، ومع تغيّر المناخ وتوقّعات الأمم المتحدة بوصول تعداد السكان العالميّ إلى 9.7 مليار نسمة بحلول العام 2050، باتَ من الضروريّ البحث عن وسائل لتطوير الزراعة وتوظيف التكنولوجيا في كلّ جوانبها.

عالمياً، تُعرف تايوان باقتصادها الصناعيّ والرقمي، لكنّ ما يجهله الكثيرون هو اعتماد اقتصاد تايوان سابقاً على القطاع الزراعيّ الذي مثّل أساس التنمية. المسألة أنّ التركيز البالغ على التكنولوجيا في العقود الأخيرة لم يكن في صالح قطاع الزراعة التايواني، حيث ارتفعت تكاليف العمالة وتزايدت الهجرة من المناطق الريفية، ما تركَ الكثير من الأراضي الزراعية دون استصلاح، كما تراجعَ الاستثمار في الزراعة وتفاقمَ الإهمال في تنفيذِ البرامج التدريبية وتطويرِ الأعمال الربحية. كلُّ هذا أدى إلى انخفاض حصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي لتايوان من 35.8% إلى 1.69%.

وبالرغم من كون تايوان قد ابتعدت تدريجياً عن قطاع الزراعة في السنوات الأخيرة، إلا أن العديد من المزارع التايوانية وخصوصاً المنتجة للفاكهة ما تزال قائمة وبحاجة إلى الدعم المستمر. هذا ما دفع الحكومة التايوانية إلى إدخال سياسات وإصلاحات جديدة لإعادة تنشيط الأراضي الزراعية، وفي مقدِّمتها التحول الرقميّ في مجال الزراعة أو ما يُعرف بحركة “الزراعة 4.0”.

نظراً لتأثّر الإنتاج الزراعيّ بظروف الطقس وعجزِ الطرق التقليدية عن الإيفاء بالمتطلّبات العالية لتنمية المحاصيل في غير مواسمها، فقد ظهرت حالة من عدم الاستقرار في أسعار المنتجات، وأثّرت على سبل عيش المزارعين، ولم تفلح التحسيناتُ التكنولوجية في حلّ جميع مشاكل المحاصيل كتعفّنها في الحقول نتيجة التفاوت بين العرض والطلب. علاوة على ذلك، تبقى مناطق الزراعة في البلاد محدودة ومبعثرة ما يجعلها متأخّرة عن دول الجوار ويصعِّب المنافسة في السوق العالمية.

لتحقيق تحول تايوان إلى “الزراعة 4.0″، تجمع تايوان الذكاءَين البشري والاصطناعيّ، حيث تعاون مكتب التنمية الصناعية التابع لوزارة الشؤون الاقتصادية مع حكومة “بينغتونغ” وشركة “يو سينك” للاتصالات لإنشاء المزرعة الرقمية الأكثر تقدّماً في آسيا، باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعيّ وإنترنت الأشياء، والتي ستزرع فاكهة التنين. وقد اختيرت هذه الفاكهة نظراً لتزايد حجم الطلب على استيرادها عالمياً ولأنّ حقولَها تغطّي ربعَ مساحة مقاطعة “بينغتونغ” التي تُعدّ موطنها الرئيسي.

يقوم الابتكار على إنشاء توأمٍ رقميٍّ للمزرعة، يتكامل مع نظام السجلّ الزراعيّ الخاص بلجنة الزراعة التايوانية، وذلك لتقديم إرشادات معيارية للمزارعين حول المواعيد والأساليب المثلى للزراعة.

يتم تركيب أجهزة استشعار منخفضة التكلفة تعمل بتقنية “لورا وان” (LoRaWAN) التي تعني (شبكة المنطقة الواسعة طويلة المدى ومنخفضة الطاقة) وإنترنت الأشياء، وترتبط بشريحة هاتفية مدمجة وميزات لتوريد الطاقة الشمسية ويستطيع المزارع تعديلَ مواقعِها بسهولة بناء على الاحتياجات الآنية. وكلّ يوم، تراقب أجهزة الاستشعار هذه كلّ المؤشرات المتعلّقة بالعملية الزراعية كالهواء ودرجة حرارة التربة والرطوبة والضوء وغيرها. وفي حال رصد ارتفاع أو انخفاض في أية قيمة حيوية، ترسل البرمجيات إشعاراً للمزارع وترشده لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

ولضمان نجاح محاصيل الزراعة الشتوية للثمار الصيفية، فقد تضمّن الابتكار مصابيح ثنائية باعثة للضوء ونظاراتٍ ذكيةً، تُدار باستخدام الذكاء الاصطناعيّ والواقع المعزّز، فتضبط درجات الإضاءة التي تحتاجُها الفاكهة وتوفِّر إنارة كافيةً ومقاييس دقيقةً لتقييمِ فاكهة التنين، وإرشادِ المزارعين للبراعم التي تجب إزالتُها، وتنبيهِهم عند ارتكاب الأخطاء، حيث يشترطُ نموّ هذه الفاكهة أن تكون البراعم متماثلةَ الأحجام. وحتى أثناء الحصاد، يستخدم المزارعون هذه التقنيات لتحديد درجة نضج الثمرة من قشرتها، إذ تستطيع النظارات رصدَ أيّ تشقُّقاتٍ أو طفيلياتٍ أو أيّ عيبٍ آخر في الفاكهة خلال ثانية واحدة، وبمعدّل تعرّف يبلغ 90%.

من الجدير بالذكر أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار الجهود المشتركة لمشروع المدينة الذكية الذي أطلقه مكتب التنمية الصناعية بوزارة الشؤون الاقتصادية، والذي اجتذبَ أكثر من 300 شركة وقدّم ما يزيد على 220 خدمة ذكية لقرابة 9 ملايين تايوانيّ. يهدف هذا المشروع إلى توظيف إمكانات تايوان التقنية لمواجهة التحديات المحلية في مختلف القطاعات، حيث يدعم استخدام المركبات ذاتية القيادة لتحسين الكفاءة الزراعية وتبنّي الطرق الذكية لتربية الأحياء المائية لزيادة إنتاجها بنسبة 20%.

فعبرَ أجهزة الاستشعار، يمكن للمزارعين مراقبة المؤشرات البيئية والحيوية لحقولهم مباشرة ودون الحاجة إلى التجول اليومي، ما سيؤسس لعمليات أكثر سلاسة وكفاءة.

وبفضل الضبط التلقائيّ للضوء، وفّر الابتكار على المزارع الشتوية لفاكهة التنين حوالي 20% من تكلفة الطاقة، كما ساعدت التقنيات الحديثة في تحسين تقييم براعم الفاكهة، فزادت معدّل الدقة إلى 90%، وخفّضت معدل الخطأ بنسبة 20%. أما التوأم الرقميّ، فسيقدّم إرشادات تمكّن الفلاحين محدودي الخبرة من تحقيق إنتاجية أكبر وجودة أعلى لمحاصيلهم، بدلاً من قضاء سنواتٍ في التعلّم. وتشير التقديرات إلى أنّ الإنتاج الشتويّ سيزيد دخلَ المزارعين بأكثر من 20 ألف دولار لكلّ هكتار، أي 11 مليون دولار للمقاطعة بالكامل.

وقد استضافت مؤخراً تايوان معرض “تايوان إكسبو 2021” التكنولوجيّ الذي قدّم حلولاً متطوِّرةً تغطّي مجالات المصانع الذكية والأعمال الرقمية وربط المعيشة والرعاية الطبية المتقدّمة والفضاء والدفاع، ورفعت شعارَ “تايوان تستطيع المساعدة!” تأكيداً على رغبة البلاد في مشاركة تجاربها الرائدة، حيث صدّرت ابتكار المزرعة الذكية إلى دول أخرى كإندونيسيا وماليزيا، بعد أن شقّت هذه التجربة طريقها في سلاسل التوريد العالمية بمبيعات سنوية تقارب مليون طنٍّ متري، وحقّقت آثاراً ملموسةً على العملية ومخرجاتِها.

المراجع:

https://www.smartcitiesdive.com/press-release/20210825-agricultural-transformation-taiwan-combines-hi-and-ai-to-double-farmers-i/

https://www.twsmartcity.org.tw/en/project

https://www.prnewswire.co.uk/news-releases/idb-guides-taiwan-s-industries-in-self-transformation-via-innovative-breakthroughs-and-finding-opportunities-in-post-pandemic-market-877372974.html

https://nextrendsasia.org/agricultural-land-in-the-cloud-taiwans-smart-agriculture/

https://eng.coa.gov.tw/ws.php?id=2505331&print=Y

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.