هل يمكن لـميلانو أن تصبح المدينة المثالية لراكبي الدراجات الهوائية في أوروبا؟

تخطط السلطات في مدينة ميلانو في إيطاليا إلى إنشاء شبكة واسعة من المسارات الآمنة، الخاصة باستخدام الدراجات الهوائية في مختلف أنحاء المدينة، لتحفيز ركوب الدراجات والحد من المعدلات العالية لتلوث الهواء الناتجة عن استخدام المركبات الخاصة ووسائل النقل العام.

شارك هذا المحتوى

تخطط السلطات في مدينة ميلانو في إيطاليا إلى إنشاء شبكة واسعة من المسارات الآمنة، الخاصة باستخدام الدراجات الهوائية في مختلف أنحاء المدينة، لتحفيز ركوب الدراجات والحد من المعدلات العالية لتلوث الهواء الناتجة عن استخدام المركبات الخاصة ووسائل النقل العام.  

سعت ميلانو، وهي ثاني أكبر مدن إيطاليا بتعداد سكانها ومن أكثرها تلوثاً وازدحاماً في السير، إلى خفض مستوى انبعاثات الغازات الدفيئة وتلوث الهواء منذ زمن طويل. وقد اتخذت إجراءات عديدة عبر السنين، خاصة بعد تفشي جائحة كوفيد-19، شملت حظر المركبات الثقيلة الأكثر تلويثاً مثل شاحنات الديزل، من الدخول إلى 75% من مساحة المدينة، وتحديد أوقات معينة يسمح فيها للمركبات الخفيفة بدخول مركز المدينة، حيث يبلغ معدل حيازة المركبات 51 مركبة لكل 100 شخص، وهو من أعلى المعدلات في أوروبا. لكن لم تؤدي كل هذه الإجراءات إلى النتائج المرجوة، وإن كانت قد ساهمت جزئياً في الحد من تلوث هواء المدينة.

لذا، بقيت مؤشرات جودة الهواء في ميلانو متدنية، مع تفاقم ظاهرة الضباب الدخاني فيها الذي يحمل أكبر نسبة من الملوثات الغازية والجسيمات الدقيقة. ووفق دراسة أجرتها بلديّة المدينة فإن نحو 50% من ملوثات الهواء الضارة بالصحة، ما يشمل أكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة التي لا يزيد قطر الواحد منها عن 10 ميكرون، مصدرها وسائل النقل.

أدرك مجلس مدينة ميلانو ضرورة إيجاد حل شامل ودائم يشجع السكان على تبني الدراجات كوسيلة يومية للتنقل بشكل واسع، لا سيما أن الشوارع كثيفة السير التي تتشارك بها مسارات الدراجات مع المركبات تعد غير آمنة لراكبي الدراجات، ما يدفع الكثير منهم إلى تجنبها. وتم بنهاية العام 2021 وضع خطة كبيرة لإنشاء بنية تحتية خاصة بالدراجات الهوائية، بميزانية بلغت قيمتها 250 مليون يورو، توفر شبكة من المسارات المكرسة لراكبي الدراجات يقارب طولها نحو 750 كيلومتراً. ومن المقرر أن تُنفّذ الخطة والتي أطلق عليها تسمية “كامبيو بيسيبلان” (أو “خطة التحول إلى الدراجات”) على عدة مراحل يتم استكمالها بحلول العام 2035.

بالإضافة إلى إنشاء مسارات جديدة للدراجات، تتضمن الخطة تغيير غرض استخدام بعض الطرق والساحات، خاصة في وسط المدينة، لضمان سهولة التنقل لراكبي الدراجات ضمن شبكة متكاملة. تم تصميم الشبكة على شكل نسيج العنكبوت، تنطلق محاورها من مركز المدينة إلى أطرافها– بما يشبه شعاع العجلة– وتتصل تلك المحاور بعضها ببعض بمسارات دائرية تلتف حول المدينة، لكي توفر لنحو 80% من سكانها إمكانية النفاذ إلى إحدى المحاور الرئيسية المفتوحة والمحمية بالكامل من المركبات ضمن مسافة لا تزيد عن كيلومتر واحد عن منازلهم.

هذا يعني أنه سيكون بإمكان السكان إنجاز معظم أو الجزء الأكبر من رحلاتهم اليومية بسهولة وبأسلوب ملائم للبيئة بدون الحاجة إلى استخدام مركباتهم الخاصة– أو حتى وسائل النقل العام التي يستخدمها اليوم حوالي 55% من سكان المدينة البالغ عددهم 1,4 مليون نسمة، للذهاب إلى أعمالهم. وجدير بالذكر أن المعدل الوسطي للمسافة التي يقطعها سكان ميلانو للذهاب إلى وظائفهم هي أقل من 4 كيلومترات، ما يجعل مسألة استبدال المركبات الخاصة والنقل العام بوسيلة صحية مثل الدراجات الهوائية– عندما تتوفر شبكة مسارات جيدة– خيار جيد للعديد من الناس. ويهدف مجلس مدينة ميلانو إلى جعل الدراجات الهوائية الأسلوب المفضل لدى السكان للتنقل في أنحاء المدينة، وصولاً إلى ضواحيها. وعدا عن أن الشبكة ستوفر السرعة والأمان لمستخدميها، فإن امتداد محاورها إلى الضواحي التي تسكنها الأسر متدنية الدخل سيوفر لأفراد هذه الأسر وسيلة اقتصادية وسهلة للتنقل في أحياء المدينة. كما سيوفر المسار الدائري الأكبر للشبكة الذي سيقام بمحاذاة الغابات والمناطق الريفية المحيطة بميلانو، جواً مثالياً لمحبي الطبيعة ورياضة ركوب الدراجات.

ستكون المسارات المحورية، وعددها 16 مساراً، بمثابة العصب الرئيسي للشبكة، وسيتم توصيف بعضها بـ”فائقة السرعة”– أو ما يشبه الطرق السريعة للمركبات– لأنها ستتميز باتساعها ومساراتها المنفصلة واحتوائها على أقل قدر ممكن من العوائق التي قد تسبب ازدحاماً أو تباطؤاً في حركة سير الدراجات. أما المسارات الدائرية حول مركز المدينة فغالبيتها في الأساس قنوات مائية قديمة تم ردم بعضها لاستخدام الدراجات والمشاة. كما ستستفيد الشبكة الجديدة من الإجراءات التي تم اتخاذها منذ تفشي جائحة كوفيد-19، والتي شملت تحويل نحو 35 كيلومتراً من الشوارع من استخدام المركبات إلى الدراجات، وتحويل 36 موقعاً لتقاطع الطرق إلى ساحات للمشاة فقط، لتيسير الحياة الاجتماعية في الهواء الطلق. ومن المقرر أن يتم استكمال المرحلة الأولى من مشروع الشبكة مع تشييد مجموعة من المسارات السريعة للدراجات في صيف 2022.

على الرغم من أن خطة التحول إلى الدراجات أتت نتيجة دراسات وافية وليس هناك من شكوك بنجاحها، إلّا أن مستوى هذا النجاح سيعتمد على مدى إقبال سكان ميلانو على استخدام الدراجات بعد اكتمال الشبكة الجديدة. فلدى سكان المدينة تراث وشغف بالمركبات، خاصة كونها موطناً لشركة “ألفا روميو”، وليس من المستغرب أن تمارس بعض الجهات ضغوطاً سياسية ضد أية خطة تستبعد المركبات عن المدينة، كما أن نسبة سائقي المركبات الذين يتجاهلون الحظر المفروض على سير المركبات في بعض الشوارع تعدّ مرتفعة على الرغم من تحرير المخالفات بحقهم.

لكن العوامل التي تدعم تنفيذ الخطة بنجاح لا تنحصر فقط على الفوائد الصحية والاجتماعية والبيئية المرتقبة من استخدام الشبكة، فمقاطعة لومبارديا الصناعية التي تضم مدينة ميلانو تواجه ضغوطاً من الاتحاد الأوروبي لتحسين معدلات تلوث الهواء فيها، والتي تعد من الأسوأ في أوروبا. وكانت محكمة العدل الأوروبية قد أصدرت في العام 2020 حكماً ضد لومبارديا بسبب تخطيها للمعدل القانوني لتلوث الهواء المعتمد في أوروبا. كما أن إيطاليا ملتزمة باتفاقيات الاتحاد الأوروبي التي تتطلب من الدول الأعضاء خفض انبعاثات الكربون بنسبة 55% بحلول العام 2030، وبنسبة صفرية في العام 2050. وتعد عملية استبدال المركبات الخاصة بالدراجات من أهم الوسائل لتحقيق تلك الأهداف.

هناك اليوم خطط لإنشاء شبكات متكاملة خاصة براكبي الدراجات مشابهة لخطة ميلانو في العديد من المدن الأوروبية الكبرى، مثل باريس وبرلين وليون وتولوز، لكن يبدو أن خطة ميلانو أكثرها طموحاً على صعيد الميزانية المرصودة لها وطول المسارات المقررة، ومن المحتمل أن يؤدي التنفيذ الكامل لهذه الخطة إلى جعل ميلانو جنة لراكبي الدراجات في أوروبا.

المراجع:

https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-01-14/milan-plans-bike-lane-infrastructure-to-rival-paris

https://www.bbc.com/news/world-europe-51350604

https://www.theguardian.com/environment/2022/apr/16/12-most-effective-ways-cars-cities-europe

https://www.bbc.com/news/world-europe-35188685

https://www.theguardian.com/world/2020/apr/21/milan-seeks-to-prevent-post-crisis-return-of-traffic-pollution

https://www.c40knowledgehub.org/s/article/Cities100-Milan-s-low-emission-zone-is-helping-to-drive-towards-fossil-free-streets?language=en_US

https://www.dezeen.com/2022/01/05/cycling-efficient-green-mobility-european-commission-news/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.