هل يمكن إعادة تشجير العالم من الجو؟

بهدف تطوير عملية إعادة تشجير الغابات واستصلاح الغطاء الأخضر بسرعة، قررت العديد من الحكومات استخدام الطائرات المسيرة. فمع التقدّم في تكنولوجيا هذه الطائرات بات من الممكن اليوم إرسال مجموعةٍ منها محملةً بالبذور لتنثرها في المناطق المستهدفة. في بعض المناطق قد تتعذّر زراعة البذور أو الشجيرات بالشكل التقليدي، وهذا يتضمن حالات إعادة التشجير في الغابات المحترقة -التي يمكن أن تكون خطيرة على البشر- أو في الأماكن التي يُحتمل فيها حدوث الانزلاقات الأرضية، أو في الأماكن شديدة الوعورة التي يصعب الوصول إليها أو التحرك فيها.

شارك هذا المحتوى

مع بدء ظهور العواقب الكارثية للتغير المناخي على حياتنا اليومية، تلجأ كثيرٌ من الحكومات إلى تحرّي شتّى السبل الكفيلة بمواجهة هذا التحدّي. ويأتي من ضمن هذه السبل استخدامُ الطائراتِ المسيرة من دون طيار لزراعة المزيد من الأشجار، واستصلاح المناطق المنكوبة بالحرائق أو بقطع الأشجار الجائر، وإعادة تشجيرها. 

لآلاف السنين، قطع البشر الأشجار وأزالوا أجزاء من الغابات، بدافعٍ من حاجتهم للحصول على الأخشاب أو من رغبتهم باستغلال المساحات التي تنمو فيها هذه الأشجار في الزراعة وتربية المواشي. وكانت أعداد الأشجار التي تنمو بشكل طبيعي في المقابل تعوض هذه الخسارة. لكنّ الأمر اختلف تماماً اليوم.

ومع ازدياد الطلب على السلع والأراضي والخدمات، تجاوزت أعداد الأشجار المقطوعة قدرةَ الغابات على التجديد الطبيعي. تقدِّر بعض الدراسات أعداد الأشجار التي تُقطع سنوياً بحوالي 15 مليار شجرة، ناهيك عما يحترق منها في حرائق الغابات أو يتأثر بالكوارث الطبيعية المتكررة. فعلى سبيل المثال، دمرت حرائق كاليفورنيا في العام 2020 قرابة 18.2 ألف كيلومتر مربع من الغابات، وفي أستراليا طالت الحرائق مساحة 143 ألف كيلومتر أخضر. 

مع أخذ الظروف الحالية لتغير المناخ، قدّرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أنّ هناك قرابة 10 سنواتٍ فقط لمنع الآثار الكارثية للاحتباس الحراري. الوسيلة الأفضل لعكس آثار التغير المناخي هي زراعة الأشجار، حيث تضطلع الغابات بدور محوريّ في خفض حدة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، فهي تسحب غاز ثاني أوكسيد الكربون وتخزنه في أغصانها وجذورها وفي التربة المحيطة بها أيضاً. ولكن ذلك يعني زراعة ملايين الأشجار سنوياً حول العالم، والطريقة التقليدية المتمثلة بمشاركة الأفراد بحملات التشجير والزراعة اليدوية بطيئةٌ وغير فعالةٍ لتحقيق هذه الأرقام. 

وبهدف تطوير عملية إعادة تشجير الغابات واستصلاح الغطاء الأخضر بسرعة، قررت العديد من الحكومات استخدام الطائرات المسيرة. فمع التقدّم في تكنولوجيا هذه الطائرات بات من الممكن اليوم إرسال مجموعةٍ منها محملةً بالبذور لتنثرها في المناطق المستهدفة. في بعض المناطق قد تتعذّر زراعة البذور أو الشجيرات بالشكل التقليدي، وهذا يتضمن حالات إعادة التشجير في الغابات المحترقة -التي يمكن أن تكون خطيرة على البشر- أو في الأماكن التي يُحتمل فيها حدوث الانزلاقات الأرضية، أو في الأماكن شديدة الوعورة التي يصعب الوصول إليها أو التحرك فيها.

وبالفعل، خلال السنوات الماضية، ظهرت عدة مشاريع حكومية لاستخدام الطائرات المسيرة في إعادة التشجير. 

فقد استخدمت دائرة كاليفورنيا للغابات والحماية من الحرائق طائراتٍ مسيرة صغيرة الحجم لزراعة أشجارٍ جديدة بعد 6 أشهر فقط من حرائق عام 2021. كما أطلقت الحكومة الإماراتية في العام 2020 مشروعاً لزراعة أشجار القرم على الخط الساحلي، تضمّن نشر قرابة 6 ملايين بذرة على السواحل لتقليل الحت البحري للشواطئ وتعزيز الثروة السمكية وخفض نسب الكربون في الجو. 

والجدير بالذكر أيضاً مشروع الحكومة في مدغشقر والذي يهدف إلى زراعة 60 مليون شجرة، وذلك يتضمن استخدام مجموعةٍ من النباتات المحلية المهددة وأخرى سريعة النمو مثل الأكاسيا والخيزران. وكذلك مشروع الحكومة الاسكتلندية الذي يهدف لإرسال الطائرات المسيرة لزراعة البذور في المناطق التي تشهد انزلاقات أرضية بشكل متكرر في محاولة للتقليل من هذه الظاهرة. 

كانت النتائج في المجمل مبشرة، إذ أمكن للطائرة المسيرة الواحدة أن تنشر البذور بسرعة تزيد عن (6 إلى 10) أضعاف الطرق التقليدية، عدا عن أنها وصلت إلى أماكن يتعذّر على البشر الوصول إليها.

لكنْ حتى مع الفوائد المتعددة لاستخدام الطائرات المسيرة في مشاريع إعادة التشجير، ما زال هناك العديد من التحديات التي تواجه المشروع. فرغم نشر أعداد كبيرة من البذور في وقتٍ قصير، يبقى معدل إنبات هذه البذور منخفضاً لا يكاد يتجاوز 20%. هذه النسبة تُشبه إلى حدٍ كبير النسبة التي حققتها مشاريع نشر البذور من الجو في العقود الماضية. يواجه المشروع أيضاً تحدياً يتعلق باختيار البذور وخاصة عند الحاجة لزراعة أنواع مختلفة، فالاختيار الخاطئ لأنواع البذور أو التوزيع غير المتوازن قد يتسبب باختلال في التوازن البيئي والحيوي.

وأخيراً، يتطلب استخدام الطائرات المسيرة في إعادة التشجير مهارات معينة للتحكم بالطائرات وقيادتها، ولا يعدّ اقتناء هذه الطائرات مؤشرًا على التحسن على الإطلاق، ما تترافق مع توفر المهارات التقنية المطلوبة لتشغيلها واستخدامها بكفاءة لزراعة البذور، لا سيما أن الطائرات المتخصصة من دون طيار باهظة الثمن، ويمكن أن يؤدي تلفها أو سوء استخدامها إلى تكبد خسائر باهظة.

لحسن الحظ، يعمل الخبراء باستمرارٍ لتوظيف التقنيات الحديثة في تطوير الطائرات المسيرة بحيث تُحقق نتائج أفضل. من أهم الأمثلة على ذلك استخدام أجهزة الاستشعار لإجراء مسح جوي وتحديد الأماكن الأنسب لزراعة البذور، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المنطقة، ورسم المسار المثالي لنشر البذور بحيث تتم العملية بأفضل شكل. أما بالنسبة لنقص المهارات الضرورية للتحكم بالطائرات فمن الممكن حل الأمر بتدريب مجموعة من الأفراد على التحكم بالطائرات استعداداً للمشروع أو الاستعانة بمهارات أشخاص يمتلكون الخبرة سلفاً. ومن أجل تحسين نسبة الإنبات للمشروع فيقترح البعض معالجة البذور بطرق خاصة قبل تحميلها على الطائرات المسيرة وتغليفها بمواد تُساعد على نموها وتمنع بعض الحيوانات من تناولها. 

بأية حال، مشروع التشجير بالطائرات المسيرة بدأ بالانتشار حول العالم. فالهند تمتلك مشروعها الخاص لتشجير المناطق النائية والوعرة، ونيوزلندا لديها مشروعٌ طموحٌ لزراعة مليار شجرة بحلول العام 2028. ومع ظهور النتائج الإيجابية، من المتوقع أن تنضم دول أخرى عديدة إلى جهود إعادة تحريج الغابات حول العالم. 

إذن، هل يمكن إعادة تشجير العالم من الجو؟ قد يكون التشجير بواسطة الطائرات المسيرة هو أحد الحلول المتاحة لاستصلاح الغابات والمساحات الخضراء اليوم، فاستغلال سهولة حركتها مع التخطيط الجيد يمكن أن يُساهم بشكل محوري في زيادة أعداد الأشجار حول العالم، ما يخفف من وطأة الاحتباس الحراري ويحمي التنوع البيولوجي. إذ إنّ الغابات توفر مأوى لأنواع مختلفةٍ من الحيوانات والحشرات، وتُبقيها بعيدةً عن المناطق الحضرية التي يقطنها البشر، وبالتالي فهي تقلل من انتقال الأمراض والأوبئة من الحيوانات للبشر، وتخفض من احتكاك الحيوانات المفترسة مع البشر.

المراجع: 

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.