نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

نظم الإنذار المبكر: دروس من اليابان والصين لمواجهة الكوارث الطبيعية

1 دقيقة قراءة
في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.
شارك هذا المحتوى

أضف إلى المفضلة ♡ 0

في ظل الزيادة المتنامية في حدة ووتيرة الكوارث الطبيعية حول العالم خلال العقود الماضية، خاصة تلك المرتبطة مباشرة بتغير المناخ، أطلقت الأمم المتحدة في العام الماضي مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" كإطار عمل لضمان حماية كل إنسان من خلال نشر نظم الإنذار المبكر بنهاية عام 2027. وبينما تتضافر الجهود لوضع الخطط وكيفية التعامل مع التحديات الكبيرة التي ستواجه هذه المبادرة، هناك تجارب مبتكرة ومتقدمة ثبت نجاحها في كل من اليابان والصين في هذا المجال، من شأنها المساهمة في تصميم استراتيجيات ونظم الإنذار المبكر حول العالم، ودعم مبادرة الأمم المتحدة بأفضل الممارسات.

شهد العام 2023 وحده خلال الشهور التسعة الأولى سلسلة من الكوارث الطبيعية، كان أبرزها الزلزال المدمر في تركيا وسورية وزلزال المغرب، والفيضانات التي اجتاحت جنوب الصين، وحرائق الغابات في شمال أميركا وجنوب أوروبا، خاصة في اليونان التي وصفت بالأسوأ في تاريخ القارة– هذا عدا الفيضانات غير المعتادة التي ضربت عدة مدن ليبية مؤخراً. يتضح حجم الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية بالأرقام، فوفق مصادر الأمم المتحدة تم خلال فترة العقدين الماضيين المنتهية بعام 2019 تسجيل نحو 7348 كارثة كبرى حول العالم، أثّرت على حياة 4.2 مليار شخص، وأوقعت خسائر اقتصادية بقيمة 2.97 تريليون دولار أميركي. تمثل هذه الإحصاءات زيادةً كبيرةً مقارنة بالأعوام العشرين التي سبقت، حيث كان عدد الكوارث الطبيعية 4212 كارثة، أثرت على حياة 3.25 مليار شخص، بخسائر بلغت 1.63 تريليون دولار أميركي.

على الرغم من التصاعد الكبير المستمر في الأضرار الإنسانية والمادية، يبدو أن هناك تراجعاً نسبياً في عدد الوفيات. يعود الفضل الأكبر في ذلك إلى نظم الإنذار المبكر التي طورتها مجموعة من الدول بشكل فردي، خاصة في اليابان والصين.

اليابان، التي يحفل تاريخ جزرها بالكوارث الطبيعية، كونها تقع بمحاذاة ما يعرف بحزام النار حول المحيط الهادئ الذي تكثر فيه الأنشطة البركانية، عانت من مأساة مزدوجة في 2011 عندما ضرب زلزال قوي قاع البحر أمام سواحلها محدثاً هزات أرضية وموجة تسونامي ذهب ضحيتها نحو 20 ألف شخص، وتسبّبَ بكارثة المفاعل النووي في فوكوشيما. على الرغم من فداحة تلك الكارثة وأثرها على المجتمع الياباني، أظهرت اليابان قدرة فائقة على الصمود ومرونة عالية في التعامل مع الكوارث، فلولا الاستعدادات التي أقامتها لمثل هذه الكارثة، لكانت أعداد الضحايا قد تضاعفت.

القدرة على التصدي للكوارث التي تمتلكها اليوم اليابان هي ثمرة استثمارات قوية في ثلاثة مجالات: النظم المتطورة للإنذار المبكر، وقواعد ومعايير البناء المشددة، والاستراتيجيات الشاملة الخاصة بالاستجابة للكوارث. وقد أصبحت اليابان رائدة عالمياً في الجوانب الثلاث لنظم الإنذار المبكر، وهي: التكنولوجيا، والمؤسسات، ومشاركة المجتمعات المحلية.

تستخدم اليابان تكنولوجيا متقدمة في عملية الكشف المبكر والتنبؤ بالظواهر المناخية الشديدة، تشمل أقمار الأرصاد الجوية، ومراكز الرصد الأرضية، ونظم الكمبيوتر فائقة السرعة، ونظم التنبؤ بأحوال الطقس التي ترسل البيانات آليّاً من 1300 محطة رصد إلى وكالة الأرصاد الجوية في اليابان لاتخاذ القرارات المناسبة. كما تم تطوير تطبيق خاص بالهواتف الذكية يضمن متابعة المواطن للتغيرات في الطقس. وكانت اليابان في عام 2015 قد سجلت رقماً قياسياً عالمياً من خلال قدرتها على التنبؤ بإعصار كبير بفترة أسبوعين قبل حدوثه، باستخدام نظام "فوجاكو" ثلاثي الأبعاد، وهو ثاني أقوى جهاز كمبيوتر فائق السرعة في العالم. كما كثّفت اليابان استخدام "إنترنت الأشياء" والذكاء الاصطناعي في مجال دقة التنبؤ والإنذار بمخاطر الطقس والزلازل وموجات التسونامي على مستوى المدن والقرى.

من ناحية أخرى، تسعى اليابان إلى توسيع نطاق المشاركة في تطوير حلول جديدة للحد من مخاطر الكوارث من خلال منصة "بوساي" المبتكرة المخصصة للشراكات بين القطاعات الحكومية والخاصة والأكاديمية، التي تضم اليوم ما يزيد عن 100 مؤسسة. كما أضافت بعض مدن اليابان حلولاً مبتكرة على نظام الإنذار المبكر الوطني، شملت المسيّرات الطائرة لرصد المناطق التي يصعب الوصول إليها، مثل البراكين والمياه الإقليمية.

الصين أيضاً تعاني بشكل خاص من الزلازل المدمرة بحكم موقعها على ملتقى صفائح تكتونية قارية. وتخطط العاصمة بكين لتركيب أجهزة الإنذار المبكر بالزلازل في المباني والمنشآت الكبيرة والأماكن المزدحمة. تشمل هذه المواقع مرافق سكك القطارات فائقة السرعة، والمنشآت الخاصة بالغاز والنفط والكهرباء، والسدود، والمناجم، بالإضافة إلى أجهزة استقبال وبث الإنذارات في الشريحة الثانوية المعرضة لمخاطر كبيرة مثل المدارس، والمستشفيات، والمطارات، ومنشآت الطاقة النووية. وتساهم بكين أيضاً في بناء نظام للإنذار المبكر بالزلازل يشمل جميع مناطق الصين، تم البدء فيه منذ التسعينات، وهو قادر على تحديد قوة الزلازل والعد العكسي للوقت الذي ستضرب فيه بالثانية، وإطلاق إنذار فوري خلال دقيقة من تحديد مصدره. وتضم شبكة النظام حالياً 1500 محطة رصد، وثلاث مراكز وطنية، و173 مركز على مستوى المحافظات لنشر المعلومات والإنذار. كما طورت الصين نظم إنذار مبكر خاصة بالفيضانات، والجفاف، وموجات الحر الشديد.

الجهود المبذولة نحو تعزيز استعداد اليابان والصين ضد الكوارث يمكن أن تقدم دروسًا تعود بالفائدة على البلدان التي تبحث عن وسائل لتطوير أنظمة إنذار مبكرة قوية. أولاً، التقدم التكنولوجي ذو أهمية بالغة. الاستثمار في تقنيات التنبؤ بالطقس المتقدمة والأقمار الصناعية وأجهزة الرادار والاستشعار مهم للتنبؤ بالكوارث المتنوعة، من الزلازل إلى الأعاصير. ثانيًا، التنسيق الفعّال ونشر التحذيرات أمرٌ بالغ الأهمية. نظام التحذير المبكر على مستوى اليابان والشبكة الواسعة لمحطات المراقبة في الصين يساهمان في إنقاذ الأرواح بفضل التنبيهات الواضحة والموثوقة والسريعة. وهذا يتطلب تعاونًا قويًا بين جهات الأرصاد الجوية والسلطات المحلية والناس. أخيرًا، تحتاج أنظمة الإنذار المبكر الوطنية إلى أن تكون متكيفة مع التغيرات وشاملة لجميع القطاعات التي لها دور في ذلك. النهج الذي يركز على الأفراد في اليابان والمبادرات مثل منصة BOSAI تسلط الضوء على أهمية مشاركة المجتمعات والشراكات بين القطاعين العام والخاص والأكاديمي في تقليل مخاطر الكوارث.

المراجع:

اشترك في منصة ابتكر لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والمساقات والأدوات والابتكارات الحكومية
قم بالتسجيل
اشترك في النشرة الإخبارية لمنصة ابتكر
القائمة البريدية للمبتكرين
تصل نشرتنا الإخبارية إلى أكثر من 30 ألف مبتكر من جميع أنحاء العالم!
اطلع على النشرة الإخبارية لدينا لتكون أول من يكتشف الابتكارات الجديدة و المثيرة و الأفكار الملهمة من حول العالم التي تجعلك جزءاً من المستقبل.
Subscription Form (#8)
المزيد من ابتكر

رؤية "صفر نفايات": حالة إدارة النفايات المبتكرة في كيل

في ظل تفاقم ظاهرة التغير المناخي، تبنت مدن العالم مجموعة من الحلول للتعامل مع مشكلة النفايات، ومع ذلك بقيت تلك الحلول جزئية، قصرت عن معالجة المشكلة بشكل كامل. فما تزال مكبات النفايات تلوث التربة والمياه الجوفية، والمحارق تبث غازات الاحتباس الحراري، والفضلات تلوث البحار. لكن مدينة "كيل" الألمانية قطعت شوطاً كبيراً في مسارها لأن تصبح مدينة خالية كلياً من النفايات، أو ما يسمى بمفهوم "صفر نفايات"، وذلك من خلال تطوير استراتيجية شاملة في إدارة النفايات تعالج جميع جوانب انتاج، وإعادة تدوير، وتراكم النفايات، وتساهم في تحويل المشكلة إلى فرص اقتصادية مستدامة.

 · · 24 يونيو 2024

سانتياغو تعالج قضية جودة الهواء عبر تكنولوجيا النقل العام المُحسّنة

لتحسين بنية نقلٍ متهالكةٍ تفاقِم التلوث، بدأت مدينة سانتياغو بتشيلي رحلةً تحويليةً تشمل رفدَ أسطولِ النقل بحافلاتٍ حديثةٍ وصديقةٍ للبيئة، وتطويرَ حلول نقلٍ مبتكرة تهدف لتحسين مستوى الحياة اليومية لسكانها.

 · · 24 يونيو 2024

شكلٌ جديدٌ للشحن الحَضَريّ، حلولٌ رائدةٌ لمدنٍ أكثر استدامة

لمواجهة تحدٍّ بيئيٍّ متصاعدٍ يفرضه الشحن الحضريّ، تعمل حكومات مدنٍ عديدةٍ مثل روزاريو وبوغوتا وكوتشي وشيملا وباناجي على لعب دورها الحقيقيّ عبر التكنولوجيا الذكية والتخطيط الحضريّ المستنير وتشجيع الممارسات المستدامة وتصميم السياسات وسنّ القوانين وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص وغيرها. وذلك لبناء مستقبلٍ أكثر استدامة.

 · · 5 يونيو 2024

الفلبين تتبنى نهج الاقتصاد الدائريّ لإدارة نفاياتها البلاستيكية

تواجه الفلبين أزمة تلوّثٍ حادةً بسبب النفايات البلاستيكية التي تهدّد بحرَها وسياحتَها وسبلَ عيش أبنائها. لذا، تمكنت بدعم المنظمات الدولية من تطوير برامج لجمع العبوات وإعادة تدويرها ونشر المراكز المتنقّلة التي تستلم النفايات من السكان مقابل حوافز تشجّعهم على تبنّي نهج الاقتصاد الدائريّ.

 · · 5 يونيو 2024

دروس مستفادة من تجربة كيب تاون في تجنب أزمة المياه

تحرصُ المدن الكبرى على التخطيط والاستثمار لضمان توفير أهم مورد طبيعي لسكانها، وهو المياه، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الذي يؤثر سلباً على صعيدين. فهو يؤدي إلى شح المياه، وهو أيضاً يساهم في تعجيل التضخم السكاني بسبب الهجرة المتنامية لسكان القرى والأرياف نحو المدن، مع تراجع الظروف المناخية المناسبة التي تعتمد عليها الزراعة في بعض المناطق. في هذا السياق، تشكل مدينة كيب تاون حالة بارزة تستحق الدراسة في مواجهة هذا التحدي.

 · · 8 مايو 2024
magnifiercrossmenuchevron-downarrow-right