منغوليا تبدأ رحلة التحول إلى الحوكمة الرقمية بمساعدة إستونيا

استعانت وزارة التنمية الرقمية والاتصالات في منغوليا بحكومة إستونيا، نظراً لخبرتها منقطعة النظير في مجال الحوكمة الرقمية، والتي تُوِّجَت مؤخراً بمشروع إطلاق مساعدٍ لجميع الخدمات الحكومية يعمل بالذكاء الاصطناعيّ. حيث كلّفت الحكومة الإستونية أكاديمية الحوكمة الإلكترونية التي تشاركت إطلاقَها مع كلٍّ من معهد المجتمع المفتوح وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتكونَ واحدةً من أبرز مؤسساتها الفكرية غير الربحية التي تقدّم المشورة للكيانات الحكومية، إلى جانب التدريب وتنمية المهارات الرقمية وتبادل الخبرات ودعم تطوير الاستراتيجيات الرقمية وبناء القدرات في مجال الأمن السيبرانيّ.
Mongolia from space on blue digital model of Earth with international network. Concept of blue digital communication or travel. 3D illustration. Elements of this image furnished by NASA.

شارك هذا المحتوى

إدراكاً لفاعلية الحكومة الإلكترونية في الحدّ من الروتين ومواجهة الفساد، بدأت منغوليا تخطو في عالم الخدمات الحكومية الرقمية بمساعدة إستونيا صاحبة التجربة الفريدة والرائدة عالمياً.

منذ أن انطلق ركب الثورة الصناعية الرابعة، وأدركَ العالم دخولَه عصر تكنولوجيا المعلومات، تتسابق مختلف الدول لتطوير منظوماتها الرقمية وتقديم الخدمات لمواطنيها بطرائق أكثر سرعة وكفاءة وسلاسة.

بموقعها شرقيَّ آسيا، ومتاخَمَتِها للصين وروسيا، حافظت منغوليا على ثقافتها البدوية واقتصادها الذي يعتمد بشكلٍ أساسيّ على أعمال التعدين. قد يرجع ذلك جزئياً إلى توزُّعها الديمغرافيّ، فهي تتسم بكثافة سكانية منخفضة ومتناثرة على مساحة جغرافية كبيرة، حيث أنها من بين الدول العشرين الأكبر من حيث المساحة. مجتمعةً، تؤثر هذه المعطيات على جودة الخدمات الحكومية، وقد تجعل الوصول إليها صعباً في بعض الحالات، واقعٌ فاقَمتْهُ جائحة كوفيد-19، ففرضت صعوباتٍ إضافيةً تبدو جليةً جداً لدى الفئات الضعيفة والمهمَّشة ككبار السن وذوي الإعاقة.

لم يَنقَضِ العامُ 2020 قبل أن تضع الحكومة المنغولية خطة خمسية لبناء “دولة رقمية”، وتسخير البيانات وتطبيقاتها المختلفة لتبسيط الحصول على الخدمات العامة، وإنشاء بيئة خصبة للابتكارات، وتنويع الاقتصاد. 

لتصميم مراحل العمل، استعانت وزارة التنمية الرقمية والاتصالات في منغوليا بحكومة إستونيا، نظراً لخبرتها منقطعة النظير في مجال الحوكمة الرقمية، والتي تُوِّجَت مؤخراً بمشروع إطلاق مساعدٍ لجميع الخدمات الحكومية يعمل بالذكاء الاصطناعيّ. حيث كلّفت الحكومة الإستونية أكاديمية الحوكمة الإلكترونية التي تشاركت إطلاقَها مع كلٍّ من معهد المجتمع المفتوح وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتكونَ واحدةً من أبرز مؤسساتها الفكرية غير الربحية التي تقدّم المشورة للكيانات الحكومية، إلى جانب التدريب وتنمية المهارات الرقمية وتبادل الخبرات ودعم تطوير الاستراتيجيات الرقمية وبناء القدرات في مجال الأمن السيبرانيّ.

بدأ تنفيذ الخطة بإطلاق تطبيقٍ ومنصة إلكترونية يحملان اسم “منغوليا الإلكترونية”، ويدمجان العديد من المواقع الأخرى. في هذه المنصة، يلتقي 25 كياناً حكومياً لتقديم 181 خدمة، ما لبث أن ازداد عددها، في غضون أقلّ من عامين، ليصلَ إلى 640 خدمة.

تتضمّن الخدمات التي توفِّرها المنصة التقدّمَ للحصول على وثائقَ أساسيةٍ كجوازات السفر، وتسجيل الشركات الجديدة، واستصدار تراخيص العمل. كما تشمل هذه الخدمات النظام المصرفيّ، وتتيح حلولاً لإجراء عمليات الدفع وتحصيل الأموال عبر الإنترنت بدلاً من التعاملات الشخصية.

علاوةً على ذلك، أطلقت الحكومة المنغولية تطبيقَ المعرِّف الرقميّ، الذي يتيح للمواطنين الوصولَ إلى مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية في مجالات الأعمال والتعليم والعقارات والهجرة والمرور وحتى عمليات تسجيل الولادات.

بطبيعة الحال، لا يمكن لمشروعٍ كهذا أن ينجح دون قيادةٍ سياسيةٍ فاعلة، وهذا ما حظيت به التجربة المنغولية منذ مراحلها الأولى. وقد أبرزت هذه التجربة أيضاً بعض التحديات التي قد تواجه مسعى من هذا النوع، وفي مقدِّمتها البيئة التشريعية ومخاطر الأمن السيبرانيّ. وفي هذا الصدد، حرص البرلمان المنغوليّ على تجهيز الأرضية القانونية والتنظيمية لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للتعامل مع التطوّر الرقميّ المستمر، فأنشأ اللجنةَ الدائمة للابتكار والسياسة الرقمية، وأقرَّ قوانين جديدةً تَنظُم العملية، مثل قوانين حماية البيانات الشخصية، والمعلومات العامة، والبيانات المفتوحة، والأمن السيبرانيّ، والتوقيع الرقميّ. بيدَ أنّ كثيراً من هذه القوانين لم تدخل حيزَ التنفيذ بعد.

لكنّ التحدي الأكبر يبقى صعوبة الوصول إلى هذه الخدمات بالنسبة لبعض فئات المجتمع، رغم أنّ بيانات الحكومة المحلية تشير إلى أنّ 80% من العائلات المنغولية تتمتع باتصال بالإنترنت. وقد تكون الأمية الرقمية سبباً آخر لهذه الظاهرة، إذ أفادَ الاتحاد الدولي للاتصالات بأنّ نسبة المنغوليين الذين يمتلكون مهارات رقمية متقدّمة لم تتجاوز 3%، مقابل 13% ممن يمتلكون المهارات الأساسية، و10% ممن يحققون شروط المستخدِم العاديّ، وذلك في الفترة ما بين العامين 2017 و2019. ولمقاربة هذا التحدي، بدأت الحكومة إنشاء مراكز عامةٍ لمساعدة المواطنين الأميين رقمياً في الحصول على الخدمات الحكومية.

حالياً، تدرس حكومة منغوليا إطلاق مركز بيانات في الريف لإنشاء بيئة مؤاتية للاستثمارات الأجنبية والتكنولوجية. وقد حصلت على أكثر من 40 مليون دولار من مؤسسة التنمية الدولية لتحسين تقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، وإقامة تدريباتٍ لـ 13 ألف موظف، وإيجاد 3 آلاف فرصة عمل رقمية جديدة للشبان والشابات، والمساعدة في رقمنة ألفي مؤسسة صغيرة ومتوسطة لتحسين قدرتها التنافسية.

بين العامين 2020 و2022، قدّمت منصة منغوليا الحكومية أكثر من 8.5 مليون خدمة حكومية لمليونَي مستخدم، يمثِّلون ثلثَي السكان، كما ساهمت في تعزيز التعاون بين القطاعين الحكوميّ والخاص، وأحدثت نقلةً نوعيةً في طرائق عمل المؤسسات المالية.

على مستوى أعمق، تساهم الحكومة الإلكترونية في الحد من الفساد والبيروقراطية، حيث أظهرت مراجعة الاستراتيجية الوطنية للعام 2021، والتي أجرتها الجامعة الوطنية لعلوم التكنولوجيا في منغوليا، انخفاضاً بنسبة 30% تقريباً في معدّلات الفساد في أول مستويين من الخدمات الحكومية. كما تعود هذه التجربة بفوائد مالية كبرى على الموازنة العامة، إذ تشير التقديرات إلى أنّ وزارة الاتصالات ستوفّر حوالي 30 مليون دولار من أجور البريد والنقل والموظّفين وكلفة الورق، وهذا يعني أثراً بيئياً كبيراً إذا ما تم حسابُ معدّلاته السنوية، فهو سينقذ قرابة 6 آلاف شجرة من القطع، ويختصر 12 ألف طنٍّ من الغازات المسببة للاحتباس الحراريّ ومليون طنٍّ من المياه.

يبقى الأثر الأهم لهذا المشروع الممتدّ هو إيجاد تغيير حقيقيّ في الحياة اليومية للناس.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.