منصة إلكترونية مبتكرة للارتقاء بخدمات النقل العام في شيكاغو

يكمن التحدي الرئيسي لمدينة شيكاغو، كما هو الحال في غالبية المدن الكبرى في الولايات المتحدة والعالم، في رفع معدلات استخدام وسائل النقل العام من قبل الجمهور إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الجائحة. فارتفاع أعداد الركاب يؤشّر على التعافي الاقتصادي، خاصة في شيكاغو التي تصنف في المرتبة الثالثة بين مدن أمريكا من حيث الناتج الاقتصادي. ويُجمع المحللون الاقتصاديون على أن المدن التي استثمرت بقوة في شبكات الطرق والمواصلات على مدى تاريخ أمريكا، كانت دائماً الأكثر مساهمة في الاقتصاد القومي. 

شارك هذا المحتوى

أطلقت هيئة النقل في شيكاغو، ثالث أكبر مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية سكاناً بعد مدينة نيويورك ولوس أنجلوس، مشروعاً تجريبياً بالشراكة مع القطاع الخاص يربط معظم الأجهزة المؤتمتة والكاميرات المستخدمة في مرافق ووسائل النقل العام في المدينة وضواحيها ضمن منصة إلكترونية واحدة، تمكّن إدارة الهيئة من الرصد والتنبؤ بكثافة حركة الركاب على مختلف خطوط النقل والاستجابة لها في الوقت الفعلي. 

وفي حين أن مدينة شيكاغو تمتلك واحدة من أفضل شبكات وأنظمة النقل العام في الولايات المتحدة – حيث تصنف في المرتبة الثانية بعد مدينة نيويورك – إلا أنها لم تكن مهيأة للتعامل مع ظروف استثنائية لا يمكن التنبؤ بمستجداتها، كالأزمة التي سببتها جائحة كوفيد-19. تشير إحصاءات هيئة النقل إلى أن عدد الرحلات التي أكملها ركاب وسائل النقل العام في مدينة شيكاغو وضواحيها تراجعت في العام 2020– مقارنة بالعام 2019– بنسبة تقارب 58% تقريباً، خاصة مع تصاعد انتشار الوباء خلال مارس وأبريل ومايو عندما كانت معظم وسائل النقل العام شبه خالية من الركاب. وإحصائياً، هذا يعني تراجعاً من 455.7 مليون رحلة (شملت 237.3 مليون رحلة في الحافلات، و218.4 مليون في القطارات) إلى 197.5 مليون رحلة (منها 121.5 مليون رحلة في الحافلات و76.0 مليون في القطارات). 

يكمن التحدي الرئيسي لمدينة شيكاغو، كما هو الحال في غالبية المدن الكبرى في الولايات المتحدة والعالم، في رفع معدلات استخدام وسائل النقل العام من قبل الجمهور إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الجائحة. فارتفاع أعداد الركاب يؤشّر على التعافي الاقتصادي، خاصة في شيكاغو التي تصنف في المرتبة الثالثة بين مدن أمريكا من حيث الناتج الاقتصادي. ويُجمع المحللون الاقتصاديون على أن المدن التي استثمرت بقوة في شبكات الطرق والمواصلات على مدى تاريخ أمريكا، كانت دائماً الأكثر مساهمة في الاقتصاد القومي. 

أدركت هيئة النقل أن أهم عنصر يجب توفره في سعيها لزيادة نسبة استخدام السكان لوسائل المواصلات العامة هو البيانات حول معدل إشغال المقاعد مقارنة بالطاقة الاستيعابية للحافلات ومقصورات القطارات على مختلف الخطوط وفي أوقات مختلفة، لأن هذه البيانات ستمكنها من تحديد الوتيرة المناسبة لحركة الحافلات والقطارات على مختلف المسارات والأوقات لتلبية طلب الركاب بما يتناسب مع متطلباتهم، إضافة إلى إمكانية تحسين تجربة المستخدم، مما سيساهم في زيادة جاذبية استخدام وسائل النقل العام. 

ولكن التحدي يكمن في عدم توفر أو اكتمال البيانات عن معدلات استخدام وسائل النقل العام لدى الهيئة، أو أنها بيانات قديمة أو مبنية على تقديرات قد تعكس أو لا تعكس الواقع الحالي، خاصة مع استمرار تغير الإجراءات الوقائية الرسمية المتعلقة بالوباء. وعلى الرغم من توفر أجهزة مؤتمتة في بعض المواقع تتيح على سبيل المثال شراء التذاكر، والتي يمكن استخدامها كإحدى الوسائل لمعرفة عدد الركاب في كل حافلة أو قطار، إلا أن هذه الأجهزة غير متصلة مباشرة بالنظم الإلكترونية أو هي غير مكتملة. لكن الأهم هو أن تتوفر بيانات إشغال المقاعد هذه، وتوقعات مستوى الطلب، بشكل دقيق وفي الوقت الفعلي لكي تتمكن الهيئة من إجراء التعديلات اللازمة على رحلات وسائل النقل، والتي تضمن الفعالية والموثوقية للعمليات، وفترات قصيرة لانتظار الركاب في المحطات، مع الأخذ في الحسبان الحفاظ على التباعد الاجتماعي بشكل مناسب. 

فكان التوجه لدى هيئة النقل هو البحث عن حل تقني متقدم يسمح بجمع البيانات حول حركة الركاب في الوقت الفعلي، ويستفيد في الوقت ذاته من الأجهزة والبيانات القائمة. وتم تطوير المشروع التجريبي بالاستعانة بمؤسسة “سيتي تيك” غير الربحية والمتخصصة في تسريع عمليات الحلول الرقمية في المناطق الحضرية، وشركة “ديجي إنترناشيونال” المتخصصة بحلول “إنترنت الأشياء”. وقام الشركاء بتنفيذ المشروع على 10 حافلات تعمل على واحد من أكثر مسارات المدينة ازدحاماً على مدى ستة شهور انتهاءً بأغسطس من العام 2021، حيث تم تركيب نظام يعمل على إحصاء عدد الركاب ونقل البيانات في الوقت الفعلي مباشرة إلى إدارة النقل العام. 

يخدم المشروع ثلاثة أغراض: رصد مستوى الطلب على الخدمات مع استخدام كاميرات الفيديو الموجودة أصلاً في الحافلات؛ استخدام أدوات إدارة البيانات لدعم عمليات تشغيل شبكتي الحافلات والقطارات؛ الاستفادة من تطبيقات تحليل البيانات والنماذج التنبؤية في عمليات الإدارة الاستباقية للطلب. ويعتمد إلى حد بعيد على التجهيزات الإلكترونية القائمة لدى الهيئة، بما يشمل أجهزة بيع التذاكر؛ نشر الحافلات والقطارات بمساعدة الحاسوب ونظام تحديد مواقع المركبات؛ إنترنت عالية السرعة لاستخدام الركاب؛ عدادات الركاب؛ كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة الأمنية؛ تشخيص حالة المحركات عن بعد، واحتساب سرعاتها وفترات وقوفها في المحطات. 

مثّلت عملية دمج هذه الأنظمة المختلفة القائمة بنظام موحد ومنصة عرض واحدة، وبشكل فعال من حيث التكلفة، تحدياً كبيراً قائماً بذاته، إذ قد تكون البرامج غير متوافقة أو أنها تعتمد بروتوكولات مختلفة للاتصال بالإنترنت والهواتف الجوالة. لكن نجاح عمليات الدمج بالنسبة لهيئات النقل محدودة الميزانية من جهة تكنولوجيا المعلومات شكل ميزة مهمة تعفيها من انتظار تخصيص ميزانية كافية لنظام متكامل. 

تسعى هيئة النقل من خلال المشروع إلى تحقيق عدة أهداف، أكثرها أهمية هو الاستجابة للتحديات التي فرضتها جائحة كوفيد-19 على التنقل، وتقديم خدمات نقل عالية المستوى تستخدم أحدث التقنيات لضمان راحة وسهولة تنقل الركاب وجذب المزيد منهم، هذا فضلاً عن تحقيق الإدارة الفعالة للموارد، والمساهمة في تنشيط حركة الأعمال والدفع باقتصاد المدينة.

كان العنصر الرئيسي في مشروع شيكاغو التجريبي هو جمع “بيانات نظام النقل العام في الوقت الفعلي” (RTPI) بأقل تكلفة، الأمر الذي وفر للجمهور معلومات مفيدة رفعت نسبة استخدام وسائل النقل العام بنسبة 2%، في تجربة واعدة جداً لتحقيق الأهداف المرجوة. حيث أكدت الدراسات على أهمية العامل النفسي بالنسبة لمستخدم وسائل النقل العام، خاصة من جهة انتظاره لتلقي الخدمات، وتلبية توقعاته في عصرٍ شعارُه السرعة والنفاذ الفوري للمعلومات. وقد ثبت أن الراكب الذي تتوفر له خدمة النفاذ إلى المعلومات، يوفر نحو 15 دقيقة من الانتظار على الأقل مقارنة بغيره. كما إن توفير هذه المعلومات يؤدي إلى زيادة معدل استخدام وسائل النقل العام.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.