مشروع ضخم لإنارة شوارع شيكاغو بأنظمة الإضاءة الذكية

ركّزت الحكومة على تأمين فرص العمل لسكان المدينة وإشراك المجتمع بمختلف أطيافه، فوضعت مجموعةً من المعايير لتنفيذ البرنامج، من ضمنِها ألا تقلّ نسبة مشاركة مؤسسة أعمال الأقليات عن 26%، في مقابل 6% لمؤسسة أعمال المرأة، كما اشترطت سلطات شيكاغو أن يشكّل السكان المحليون نصفَ طواقم المشروع، وأن يكون 10% من العاملين من أبناء المناطق المحرومة اجتماعياً واقتصادياً. ولضمان تحقيق هذا الشرط، تم تصنيعُ 60% من مصابيح العام الأول للمشروع وتعديلُها ضمن مصنعٍ يقع في إحدى تلك المناطق، كما أعطت المدينةُ الأولويةَ للأحياء الجنوبية والغربية ذات معدّلات السلامة المتدنية، فكانت شوارعُها أولَ الأماكن التي أُنيرَت بالمصابيح الحديثة.

شارك هذا المحتوى

لتحديث منظومة الإنارة العامة، أطلقت مدينة شيكاغو برنامجاً لاستبدال المصابيح التقليدية بأخرى حديثةٍ ومرتبطة بشبكة مؤتمتة.

عبر الشوارع الأمريكية، تتوالى عشرات الملايين من أعمدة الإنارة. اختراع شهدَ مراحلَ تطورٍ عديدةً عبر قرونٍ منذ المصابيح الرومانية الأولى، حتى بات مصدراً لما يُعرف بالتلوّث الضوئيّ.

تحت هذا التعريف، تندرج حالات الاستخدام غير المنظَّم لمصادر الضوء الاصطناعية في الهواء الطلق، والتي تؤدي إلى ظاهرة توهُّج السماء فوق المدن، فالتلوث الضوئي اليومَ يتسِّع، فيشوشُ الساعة البيولوجية التي توجِّه الأنشطة النهارية والليلية والعمليات الفسيولوجية لدى معظم الأحياء، وقد يصعِّب توهج الإضاءة الاصطناعية في المدن دراسة علم الفلك والنجوم.

في مدينة شيكاغو، تُنارُ الشوارع بضوءٍ أصفر اللون مصدرُه قرابة 300 ألف مصباحٍ متوهِّجٍ قديم الطراز. وتتسم هذه المصابيح المصنوعة من الصوديوم عالي الضغط بعمرٍ افتراضيٍّ قصيرٍ واستهلاكٍ كبيرٍ للطاقة، وهي تشكِّل 85% من منظومة الإنارة.

لهذا، عملت وزارة النقل في المدينة بالتعاون مع إدارة الأصول والمعلومات والخدمات على إطلاق مشروعِها الذي أسمته “برنامج شيكاغو للإنارة الذكية”، والذي تعاونت فيه مع مسؤولي أقسام إنارة الشوارع العامة في مختلف البلديات الأمريكية ومع مقاولين من الباطن من الشركات المحلية الرائدة في مجال الطاقة.

بكلفة 160 مليون دولار، يسعى المشروع إلى تحديث مصابيح الشوارع واستبدالها بالمصابيح الثنائية الباعثة للضوء، والتي تُعرف بمصابيح الـ”ليد” (LED)، فهي تتمتّع بضعف الديمومة وتحتاج نصفَ كمية الطاقة مقارنةً بسابقتها.

وقد سبقَ أن خاضت سلطات المدينة تجربةً خجولة مع هذه المصابيح في العام 2012، ثم أجرت سلسلة تجارب أواخر العام 2016، عرضت خلالَها أداء هذه المصابيح على السكان وجمعت انطباعاتِهم عنها عبر الإنترنت، ثم اعتمدت عليها كلياً، حيث استبدل الفريق قرابة 4 آلاف وحدة إنارة قبل انطلاق البرنامج. واليوم، تسعى سلطات المدينة إلى إتمام برنامجها الضخم لتحديث مصابيح الإنارة بعد أن أظهرت التجارب نتائج إيجابية قيما يتعلق بخفض استهلاك الطاقة.

قبل تركيب المصابيح، زوّد التقنيّون كلاً منها بعُقدة لاسلكية، لتشكِّل هذه العُقَد معاً شبكة لرصد أيّ خلل أو انقطاع في الإنارة. بعدئذٍ، تتولّى البرمجيات تلقائياً إصدارَ تذكرة إصلاح رقميةٍ للمصباح المعطّل وتكليف أحد الطواقم المتاحة لصيانته أو استبداله.

ركّزت الحكومة على تأمين فرص العمل لسكان المدينة وإشراك المجتمع بمختلف أطيافه، فوضعت مجموعةً من المعايير لتنفيذ البرنامج، من ضمنِها ألا تقلّ نسبة مشاركة مؤسسة أعمال الأقليات عن 26%، في مقابل 6% لمؤسسة أعمال المرأة، كما اشترطت سلطات شيكاغو أن يشكّل السكان المحليون نصفَ طواقم المشروع، وأن يكون 10% من العاملين من أبناء المناطق المحرومة اجتماعياً واقتصادياً. ولضمان تحقيق هذا الشرط، تم تصنيعُ 60% من مصابيح العام الأول للمشروع وتعديلُها ضمن مصنعٍ يقع في إحدى تلك المناطق، كما أعطت المدينةُ الأولويةَ للأحياء الجنوبية والغربية ذات معدّلات السلامة المتدنية، فكانت شوارعُها أولَ الأماكن التي أُنيرَت بالمصابيح الحديثة.

وقد شارك السكان السلطات في جهودِها، فجمعوا أكثر من نصف المصابيح، وسيشاركون في تركيبها، كما شكّل خريجو البرامج المهنية التي تقدِّمها مدرسة شيكاغو العامة أو جامعتُها أكثرَ من نصف الطواقم التي تجري تقييمات البنية التحتية الحالية إلى جانب سجناء سابقين.

لتحقِّقَ أداءً بصرياً فائقاً، تستفيد التقنية الجديدة من قدرةِ العين البشرية على تمييز الألوان بشكلٍ أفضلَ في الليل، فتعتمد درجةً من الضوء الأبيض تجعل التباين بين الجسمِ ومحيطِه أكثرَ وضوحاً، بحيث يمكن للمشاة أو السائقين أو الدرّاجين التعرُّف على المركبات أو الحطام بسرعة ودقة.

لكنّ استخدام هذه المصابيح الحديثة لم يمرَّ دون مخاوف تتعلق بالصحة العامة، فهي تصدر ضوءاً أكثر بياضاً من ضوء المصابيح التقليدية الأصفر، والحصول على هذا الضوء كاملِ الطيف يقتضي استخدامَ جزءٍ أزرقَ ذي طولٍ موجيٍّ أقصر من طيف الضوء المرئيّ.

لتفادي تحدّيات السلامة، أجرت سلطات المدينة بحثاً شاملاً، وطلبت مشورة جهات مختصةٍ كوزارة الطاقة والجمعية الطبية الأمريكية وجمعية مهندسي الإنارة. ولتتوافق المصابيح مع المعايير المجتمعية والصحية، التزمت المدينة بأن تكون مصابيحُها ذات لونٍ “أبيض معتدل”، بحيث لا تتجاوز درجةُ حرارتِها اللونية 3 آلاف كِلفن، وأن يُراعى في تصميمِ المصباح تركيزُ الضوء إلى الأسفل بحيث ينير الشوارع والأرصفة، فلا يصل إلى المنازل ولا إلى الفسحة السماوية.

المشروع الذي تجاوزَ ما وضعه المنظِّمون من أهدافٍ للمشاركة المجتمعية والأيدي العاملة استطاعَ تحسينَ جودة الرؤية الليلية وأداءَ كاميرات المراقبة، وتعزيزَ السلامة العامة، والحدّ من التلوث الضوئيّ، وتوفيرَ فرص عمل للفئات الاجتماعية الأضعف، وبنسبةٍ أكبرَ من المخطط بـ34% كما ساعد نظام الإدارة الحديث والإبلاغ الذكيّ عن احتياجات الصيانة في تحسين خدمة الإنارة. 

وبقياس استهلاك المصابيح الثنائية، سيوفِّر المشروع سنوياً 17.8 مليون كيلوواط ساعيّة تكفي لتغذية قرابة ألفَي منزل. فخلال العام 2021 وحده، خفّضت هذه الخطوة استهلاكَ الطاقة السابقَ بمقدار النصف، وهذا يشمل الفاتورتَين المالية والبيئية، إذ استرجعت شيكاغو 34 مليون دولار من شركة مرافق الكهرباء المحلية، وقلّصت بصمتها الكربونية، ما يخدم هدف تحقيق الاعتماد الكامل على الطاقة النظيفة.

خلال السنوات العشر المقبلة، تقدِّر سلطات المدينة أنّ المشروع سيوفِّر على دافعي الضرائب ما يصل إلى 100 مليون دولار من الكلفة التشغيلية، وسيخفِّض قرابة مليونٍ ونصف طن متريٍّ من ثاني أكسيد الكربون، ما يعادل استهلاكَ 160 ألف منزل.

يمكن القول إنّ المشروع يقدِّم أحد أكبر أنظمة البنى التحتية للتكنولوجيا الذكية وأكثرها موثوقية، فيؤسس نموذجاً قابلاً للتكرار في أماكن أخرى.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إدارة النفايات

الحكومات تسعى لحلول مبتكرة لإدارة النفايات الإلكترونية

ترى سنغافورة أن النفايات الإلكترونية تشكل خطراً على الصحة العامة بالدرجة الأولى، خاصة عند النظر في مساحة أراضيها الصغيرة التي لا تقبل المزيد من المكبات. وهي تنتج كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية يبلغ حجمها قرابة 60 ألف طن متري في العام– أو ما يعادل استهلاك 70 هاتفاً خلوياً في العام لكل شخص في الدولة. لذا قررت سنغافورة التحول إلى الاقتصاد الدائري مع تطبيق نظام “المسؤولية الموسعة للمنتجين” (EPR) بالتعاون مع الفاعلين في صناعة الإلكترونيات من منتجين وبائعي تجزئة ومشغلي مرافق إعادة التدوير، ممّن يعملون على إنشاء مثل هذا النظام بما يتناسب مع احتياجات سنغافورة، ما يعني أن يتشارك هؤلاء الفاعلين في تحمل المسؤولية، وضمان إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة مستدامة وصديقة للبيئة. 

البصمة الكربونية

استخدام أحدث تقنيات التخضير في أبنية الحكومة الفيدرالية الأمريكية

صوبَ هذه الغاية، أطلقت الإدارة برنامج “مساحة الاختبار الخضراء” وهو يمثِّل بيئةَ اختبارٍ لإثبات جدوى تقنيةٍ أو منتجٍ أو عمليةٍ ما لجعل الأبنية الفيدرالية أكثر اخضراراً، انطلاقاً من مبدأ أنّ نجاح هذه التجارب في المباني الفيدرالية يعني أنّها مؤهلة للنجاح في أي مكان مشابه.

وقع اختيار الفريق على 6 تقنياتٍ أمريكية الصنع لتجربتها في مجموعة من الأبنية، وذلك بهدف التحقق من خصائصها التقنية والتشغيلية وإمكانية نشرِها في المستقبل، وستُجرى التجارب ضمن معطياتٍ تحاكي ظروف العالم الحقيقي لتأكيد قدرة هذه التقنيات على الحدّ من التأثير البيئي لهذه المباني.

إدارة الكوارث

كوريا تتبنى حلولاً ذكية لتحسين خدمات الطوارئ

بدايةً، شرعَ فريق الحرائق والكوارث بتطوير منصة رقمية تجمع التقنيات المتقدِّمة كالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعيّ من جهة، مع أرشيف عمليات الطوارئ التي أُنجزت عبر سنوات من جهة أخرى، بما في ذلك المكالمات المسجّلة وجهود الإنقاذ وإعادة تأهيل المواقع المتضررة والمعلومات الميدانية وبيانات الوكالات ذات الصلة. سيمثِّل هذا الأرشيف بنيةً تحتيةً تكنولوجية للمنصة التي ستبصر النور في العام 2026، وستلتقي فيها أنظمة الاستجابة الميدانية المتنوِّعة، كما ستتصلُ بها شاشاتٌ مثبَّتة ضمن مركبات الطوارئ لتزويد الفريق بالمعلومات المباشرة أثناء توجُّهه إلى موقع الحالة الطارئة.