مساعد افتراضي شامل مدعوم بالذكاء الاصطناعي لتقديم الخدمات الحكومية في إستونيا

مدفوعةً بثقة المواطنين، تستكمل الحكومة الإستونية ثورتها الرقمية بإطلاق مساعد ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعيّ والتفاعل القائم على الصوت، وذلك لتقديم مختلف الخدمات العامة للمواطنين عن بُعد وبسلاسة وأمان.

شارك هذا المحتوى

مدفوعةً بثقة المواطنين، تستكمل الحكومة الإستونية ثورتها الرقمية بإطلاق مساعد ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعيّ والتفاعل القائم على الصوت، وذلك لتقديم مختلف الخدمات العامة للمواطنين عن بُعد وبسلاسة وأمان.

حملَ العام 2020 سلسلةً من الأحداث التاريخية، أبرزُها جائحة كوفيد-19 التي حوّلت معظم تفاصيل الحياة إلى أنشطة افتراضية تتم عبر الإنترنت، وأجبرت الكثير من الشعوب والحكومات على التغيُّر لمواكبة هذه النقلة الكبرى.

لكنّ ثمة بلداناً اجتازت هذه المراحل مسبقاً، مثل إستونيا التي كانت سبّاقة لبناء واحد من أكثر المجتمعات الرقمية تقدُّماً، وذلك قبل الجائحة بسنوات، فكانت أول دولةٍ تَعُدُّ الوصول إلى الإنترنت حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وتجري انتخاباتِها عبرَه، وتعتمد التعلُّم والطبابة عن بُعد، وتتبنّى البيروقراطية الرقمية.

في العام 2021، احتلّت إستونيا المرتبة السابعة عالمياً والأولى أوروبياً في مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقميّ. وإلى جانب حُسنٍ تعاملها مع رأس المال البشريّ، فهي الأفضل في الخدمات العامة الرقمية، وما تزال تكرِّس جزءاً كبيراً من جهدها واستثمارها للحكومة الإلكترونية بغية تقليل التكاليف وزيادة الكفاءة.

ولكن مسيرة التطوير لا تنتهي، وثمة دائماً نسخةٌ أفضل من الخدمة يمكن الوصولُ إليها ببعض التنظيم والابتكار، وهو ما تخطِّط الحكومة الإستونية لفعله، حيث ركّزت 47% من تدابير دعم التحول الرقميّ على زيادة رقمنة الإدارة والخدمات الحكومية، بميزانيةٍ إجمالية تقارب 98 مليون يورو.

تتمثّل النقلة الكبرى لهذه الجهود في منصةٍ رقميةٍ جديدةٍ تعمل بالذكاء الاصطناعيّ، سيتم تطويرها على مدى 4 سنوات بميزانيةٍ تبلغ 13 مليون يورو، وبالتعاون مع عدة كيانات، كهيئة نظم المعلومات الحكومية ومعهد اللغة الإستونية ووزارة التعليم والبحث ومجموعة شركاء من القطاع الخاص، وستتيح هذه المنصة للناس التفاعل مع الجهات الحكومية والحصول على خدماتها.

تحمل المنصة اسمَ “بوروكرات” التي تعني (البيروقراطية)، وهي مساعد افتراضيّ صوتيّ يستطيع الإجابة على أيّ سؤال، تماماً كما يفعل تطبيق “سيري” الذي طوّرته شركة “آبل”. ولا يقتصر المشروع على ذلك، فهو يتيح إمكانية التشغيل البينيّ لتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ التي يمكن الوصول إليها عبر المدخلات الصوتية، ليكون بمثابة عمود فقريّ يربط منظومة الخدمات الرقمية الإستونية بالكامل، حيث يمكن للخدمات العامة والخاصة على حدٍّ سواء أن تصل للناس أينما كانوا، موحَّدةً ومتفاعلة. كما تسعى المنصة لزيادة إمكانية الوصول إلى المواطنين الذين يعانون إعاقات سمعية أو بصرية لتمكينهم من الاستفادة من الخدمات الحكومية كغيرهم.

لم يكن اختيار اسم “بوروكرات” عشوائياً، فله دلالةٌ تمتدُّ جذورها عميقاً في الثقافة المحلية الإستونية، فـ “كرات” هو اسم مخلوق أسطوريٍّ من القش والعصي يعرفه كلّ الإستونيين. وتقول الحكاية إنّ هذا المخلوق، إذا ما وُضعت عليه بضع قطرات من الدم، سيتحول إلى خادمٍ قادرٍ على القيام بأيّ مهمة. وقد انتقى المطوِّرون هذا الاسم ليكون ابتكارُهم أقربَ إلى المجتمع، أملاً بأنّ الاسمَ المرتبط بموروثٍ شعبيّ سيخفّف الغموض والشكوك المحيطة بمفهوم معقّد كالذكاء الاصطناعيّ.

وقد بدأت المنصة العملَ عبر هيئتَي “حماية المستهلك” و”التنظيم الفني”، على أن تغطّي مجلس الشرطة وحرس الحدود والمكتبة العامة الوطنية خلال شهر، حيث أبدت أكثر من 30 هيئة ومؤسسة وكياناً مختلفاً اهتمامها بتبنّي الابتكار الجديد، بالتزامن مع إتاحة 10 خدمات عامة جديدة بشكل رقمي هذا العام.

قريباً، سيكون في وسع المستخدمين تقديم الشكاوى وطلب التصاريح وتجديد بطاقاتهم الشخصية والإبلاغ عن الحوادث المرورية واستعارة الكتب وتجديد جواز السفر ومراجعة سجلاتهم الضريبية وحتى التقدّم بطلب الحصول على قرض مصرفيّ. بالإضافة إلى ذلك، ستقوم المنصة بتذكيرهم مسبقاً بالمعاملات التي ينبغي إنجازُها، أو الوثائق التي ينبغي تجديدُها، أو الدفعات التي ينبغي سدادُها.

وستبني المنصة هويةً لكل فرد من مستخدميها، وذلك بالاستناد إلى بياناته لا أسئلته المتكررة كما تفعل بقية البرمجيات. في الوقت نفسِه، يعمل الفريق على تطوير وحدة تصنيف جهات الاتصال، والتي ستصنّف الأسئلة والاستفسارات الواردة لتوجِّهها إلى الجهة القادرة على التعامل معها أو المعنية بحلّها، وكذلك لتعيد تحويل الأسئلة والطلبات التي يرسلها المستخدمون إلى الكيانات الخاطئة، وتنقلَها إلى الأشخاص المسؤولين عنها.

ستُرفَق المنصة المجانية بإرشادات برمجية واضحة لاستخدامها، كما ستكون متاحةٍ للقطاع الخاص وحتى للمهتمين من خارج إستونيا، حيث تسعى الحكومة الإستونية للوصول إلى إمكانية التشغيل البيني مع أنظمة مشابهة في بلدان أخرى كفنلندا، فكونُها دولة جارةً تملك نظاماً شبيهاً للخدمات العامة، يمكن لهذا النوع من التنسيق أن يسهّل حياة السائحين أو المقيمين الإستونيين في فنلندا وبالعكس، كأن يمدَّهم بالرعاية الصحية أو الإرشادات القانونية عند الحاجة.

كما وجّهت الحكومة دعوةً مفتوحةً لأصحاب المؤهّلات والخبرات من المطوِّرين والمبرمِجين والمهندسين والعلماء والمحليين المتخصصين في علوم البيانات من دول منظمة التجارة العالمية، ورحّبت بمشاركتهم تجاربَهم في مختلف المجالات من تطوير البرمجيات، وتكنولوجيا اللغة، والمدخلات الصوتية، والتعلّم الآليّ، واتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات، وتعزيز الخصوصية وغيرها.

جدير بالذكر أنّ تطوير خوارزمية المساعد الآلي تطلّب كماً هائلاً من البيانات متعددة المصادر، لكنّ الفريق التقنيّ استطاع اجتياز هذا التحدي مستفيداً من قواعد البيانات الكبيرة المتاحة لديه، للخروج بمنصةٍ شاملةٍ ستسهِّل العمليات البيروقراطية إلى حدّ كبير وتجعلها أكثر ملاءمة وسلاسة، والأهمّ أنها ستقدّم الإلهام لمختلف دول العالم لإعادة التفكير في الخدمات العامة لبناء مستقبلٍ أكثر مرونة.

المراجع:

https://emerging-europe.com/news/estonia-launches-burokratt-the-siri-of-digital-public-services/

https://e-estonia.com/estonian-government-calls-for-europes-developers-to-join-in-a-ground-breaking-project-to-build-next-gen-e-government-services/

https://www.weforum.org/agenda/2020/07/estonia-advanced-digital-society-here-s-how-that-helped-it-during-covid-19

https://e-estonia.com/estonia-a-european-and-global-leader-in-the-digitalisation-of-public-services/

https://e-estonia.com/estonias-new-virtual-assistant-aims-to-rewrite-the-way-people-interact-with-public-services/

https://medium.com/e-residency-blog/estonia-starts-public-discussion-legalising-ai-166cb8e34596

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.