مرشات مياه عملاقة لحماية المدن الإسبانية من حرائق الغابات

في خطوة استباقية، أطلقت إسبانيا نظاماً حديثاً للحماية من حرائق الغابات، عبر إنشاء مجموعة رشاشات عملاقة تواظب على تبريد الغطاء النباتي في منطقة حيوية عانت مراراً من كوارث حريق مدمّرة.

شارك هذا المحتوى

في خطوة استباقية، أطلقت إسبانيا نظاماً حديثاً للحماية من حرائق الغابات، عبر إنشاء مجموعة رشاشات عملاقة تواظب على تبريد الغطاء النباتي في منطقة حيوية عانت مراراً من كوارث حريق مدمّرة.

منذ ظهوره، ألقى تغيّر المناخ بآثار متداخلة تمسّ وجود كلّ كائنٍ حيّ، من الجفاف الذي يؤثر على إنتاج الغذاء والصحة العامة، مروراً بالفيضانات التي تنشر الأمراض وتدمّر النُّظم الإيكولوجية والبنى التحتية، وليس انتهاءً بسلسلةٍ لا تنتهي من حرائق الغابات حول العالم.

في وسطِ هذه السلسلة، برزت ظاهرةٌ تُعرف بحرائق الواجهة البرية الحَضَرية التي تنشب حيث تلتقي البرية بمناطق النشاط البشري. وقد زاد تغيُّر المناخ تواترَ هذه الحوادث في بلدان لم تَعتَدْها بهذه الشدّة كالبلدان الأوروبية، وخاصةً تلك الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

تحتضن مقاطعة فالنسيا الإسبانية نموذجاً مثالياً على هذه الظاهرة، حيث يقيم 15 ألف مواطن ضمن واجهة برية حَضَرية ممتدة على مساحة 2000 هكتار، وذلك بين مدينتي “ريبا روجا” و”باتيرنا” ومنطقة “لا فاليسا” المحمية. فمنذ مطلع الألفية وحتى العام 2016، شهدت غابات منطقة “ريبا روجا” 40 حريقاً، في مقابل 19 حريقاً في منطقة “باتيرنا”.

جاء الصيف الإسبانيّ هذا العام ليزيد الخطر جسامة، بأشهر من الجفاف تجاوزت درجةُ حرارتِها 42 درجةً مئوية، حيث اصفرّ العشب وذبلت المزروعات والتهمت الحرائق 275 ألف هكتار مرغِمةً عشرات الآلاف على مغادرة مساكنهم، فيما فاقَ أربعة أضعاف متوسط الحرائق السنويّ للبلاد، وفقاً للنظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات.

أمام التهديد الذي تشكّله هذه الحوادث على الأرواح والممتلكات والغطاء النباتي، تعاونت الحكومة الإسبانية وشركة متخصصة باستشارات حرائق الغابات لإطلاق أكبر نظام لمكافحة الحرائق في أوروبا، واختارت له اسم “غارديان”، التي تعني “الحارس”، فهو يهدف إلى مقاربة الخطر المتنامي الذي يهدد هذه المناطق الحيوية، إلى جانب تعزيز مرونة المواقع المتضررة عبر احتواء الحرائق والحؤول دون امتدادها إلى المناطق السكنية.

يقوم المشروع على بنية تحتية هيدروليكية تعمل على استصلاحِ المياه من المحطة المحلية لمعالجة مياه الصرف الصحي، قبل نقلها الى معدات ري خاصة، وهي عبارة عن خزانات للمياه وسلسلة من 40 برجاً ترشّ المياه بانتظام على النباتات حولَها. وتتوزّع هذه الأبراج الخضراء حول المنطقة مشكّلةً حاجزاً طبيعياً في وجه الحرائق، فتبدو للناظر من بعيد كأعمدة الإنارة.

علمياً، بُني المشروع على التناسب الطردّي بين جفاف الغطاء النباتيّ وسرعة انتشار الحرائق، بما أنّ النباتات الأكثر رطوبة تتطلب طاقة أكبر للاحتراق.

كما يستفيد المشروع من الموارد المحلية المتاحة، حيث تحتضن منطقة فاليسا مجمعات مائية اتّخذ منها فريق المشروع خزاناً احتياطياً لدعم البنية التحتية الهيدروليكية عند الحاجة. وإجمالاً، يستخدم النظام سنوياً حوالي 70 مليون لتر من المياه المُعاد تدويرُها باستخدام الأوزون وفلاتر الكربون المُنشّط، حيث تجري السلطات الصحية اختبارات صارمة قبل منح الموافقة الرسمية، لضمان عدم نشر البكتريا في النظام البيئيّ.

وقد طور فريق المشروع النظام لتوفير الري على 3 مستويات، مستوى وقائي، وثاني دفاعي ومستوى أخير يتفعل في مرحلة ما قبل الدفاع، فوزّع مجموعة من أجهزة الاستشعار بين النباتات لتواظب على قياس معدّلات رطوبة التربة، وترسل المعلومات الحية إلى الجهات المسؤولة عن مكافحة الحرائق. وتتكامل هذه الأجهزة مع نظام خاص للمراقبة والإدارة، إذ يقوم الأخير بتحليل البيانات الواردة من الموقع، وإجراء محاكاة لكيفية تطور الحريق، والتنبؤ بالمناطق التي قد تتأثر به عبر خوارزمية خاصة تصنّف الموقع لونياً، فتحدّد الجزء الآمن باللون البنيّ، والمعرّض للخطر بالأحمر.

علاوةً على ذلك، يركز المشروع على بناء الوعي لدى السكان المحليين وجعلهم جزءاً من هذه الجهود الحكومية، فيتشارك مع الأوساط العلمية والبحثية والأكاديمية لإطلاق حملات التوعية وإجراء تدريبات على تدابير الحماية الذاتية، إلى جانب نشر المعلومات حول مخاطر الحرائق عبر تطبيق “تلغرام”.

من الجدير بالذكر أنّ التجربة الأولى لهذه الفكرة كانت في العام 2006، حين استُخدمت مياه الشرب لإطفاء حرائق بلدة أخرى، لتأتي مبادرة “حلول حَضَرية مبتكرة”، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، وتقدم قرابة 4.4 مليون يورو كمنحة غطّت 80% من تكلفة إطلاق المشروع الجديد. أما التكلفة التشغيلية السنوية التي ستبلغ 100 ألف يورو، فستقع على عاتق المجالس المحلية للبلدتين المستهدفتين.

وقد بدأت كيانات أخرى كالجيش ووحدات الدفاع المدنيّ باستخدام النظام لأغراض التدريب أو الاستجابة للطوارئ، لكنّه لن يحقق النجاح نفسَه في الغابات الريفية أو المناطق الزراعية التي تتطلبُ حمايتُها إجراءاتٍ وقاية تستهدف الأحراج كالحد من الغطاء النباتي.

وفي حين حاز المشروع اهتمام دولٍ أخرى تتطلع لتكرار التجربة، فهو لا يقدّم حلاً جذرياً لحرائق الغابات، فثمة عوامل أخرى تؤثر على سرعة انتشارها، أبرزُها سرعة الرياح. ويمكن القول إنّ النظام يستطيع إبطاء تقدّم الحريق والمساعدة في السيطرة عليه ريثما تصل فِرَق الإطفاء، ولا يستطيع أن يحلّ محلّها. كما أنّه يواجه عدة تحديات كتوافر البنى التحتية اللازمة لتكرير المياه، إلى جانب ارتفاع تكلفة تركيبه وتشغيله، لكنّ هذا لا يرقى إلى تكلفة الحرائق نفسِها، فبينما كلّف إنشاء “غارديان” 4.4 مليون يورو، فإنّ نشوب حريقٍ في المنطقة التي يحميها سيكلّف قرابة 31 مليون يورو بين جهود الإخماد والإغاثة وإعادة البناء.

عموماً، يقدم المشروع نموذج مبتكراً للإدارة المستدامة للبيئة، ولحماية المواطنين والحياة الطبيعية على حد سواء، ومن المرجو أن يؤسس هذا المشروع لنموذج حماية رائد يمكن تبنّيه في مدن أوروبية أخرى.

المراجع:

https://www.uia-initiative.eu/en/thematic-knowledge/building-resilient-cities-adapting-climate/guardian

https://www.wired.com/story/spanish-wildfire-defenses/

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

الاستدامة

روتردام تستخدم التكنولوجيا الذكية لإنقاذ المدينة من الغرق

لتحويل موقعها الجغرافيّ المحاذي للبحر إلى نقطة قوة، رسّخت مدينة روتردام الهولندية مكانتها كمختبرٍ للإدارة الذكية للمياه، حيث تدمج التكنولوجيا والتصميم الأخضر لتخضير أسطح بيوتها وتحويلها إلى حدائق في مواجهة مخاطر الفيضانات.

حلول التبريد

لندن تبتكر حلاً لخفض درجات الحرارة في شبكة قطارات الأنفاق

في أحد أكبر شبكات في العالم، تعمل حكومة المملكة المتحدة على مقاربة مشكلة متجذِّرة، وهي ارتفاع درجات الحرارة ضمن الأنفاق، إلى أن توصّلت مؤخراً إلى حلٍّ مبتكرٍ يضخّ الهواء البارد بأذكى استغلالٍ للمساحة وأقلّ قدرٍ من متطلباتٍ الصيانة، بينما تسعى لتأمين التمويل اللازم لنشره على مستوى وطنيّ.

إدارة الكوارث

بنغلادش تطلق منصة رقمية لتعزيز منظومة إدارة الكوارث

بهدف مواجهة تبعات الكوارث الطبيعية في واحدةٍ من أكثر بقاع العالم تعرَّضاً لها، تعمل حكومة بنغلادش على بناء المرونة عبر منصةٍ رقميةٍ توفّر البيانات المتعلّقة بالظواهر المناخية وتقيِّم المخاطر وتوجّه المعنيّين إلى الإجراءات اللازمة.