مراقبة جودة الهواء لحماية أطفال ميلانو من آثار التلوث

يأتي تلوث الهواء في مقدمة التحديات الصحية التي تواجهها الحكومات حول العالم، حيث تجاوزت 90% من المدن معدلات تلوث الهواء القصوى حسب توصيات منظمة الصحة العالمية. ويتطلب حل هذه المسألة خططاً بعيدة المدى تستهدف تثقيف المواطنين بالدرجة الأولى، وكذلك إدراكَهم للآثار السلبية التي يخلِّفها استنشاق الهواء الملوث على حياتهم وسلامة أطفالهم، تلك الآثار التي تتفاوت شدتها من مدينة لأخرى تبعاً لعوامل متعددة.

شارك هذا المحتوى

تماشياً مع التوجه الأوروبي للحد من تغير المناخ والتلوث، أطلقت سلطات مدينة ميلانو الإيطالية مشروعاً طموحاً لجمع البيانات حول جودة الهواء ورفع وعي المواطنين بأهميتها، وحماية صحة الأطفال من الآثار السلبية لتلوث الهواء.

يأتي تلوث الهواء في مقدمة التحديات الصحية التي تواجهها الحكومات حول العالم، حيث تجاوزت 90% من المدن معدلات تلوث الهواء القصوى حسب توصيات منظمة الصحة العالمية. ويتطلب حل هذه المسألة خططاً بعيدة المدى تستهدف تثقيف المواطنين بالدرجة الأولى، وكذلك إدراكَهم للآثار السلبية التي يخلِّفها استنشاق الهواء الملوث على حياتهم وسلامة أطفالهم، تلك الآثار التي تتفاوت شدتها من مدينة لأخرى تبعاً لعوامل متعددة.

ففي مدينة ميلانو، ثاني أكبر مدن إيطاليا من حيث عدد السكان، تشكّلت ظاهرةٌ تُعرف بـ”ركود الهواء”، نتيجةً لموقع المدينة والعوامل الجغرافيّة إذ إنّها محاطة بالجبال ما يجعل معدلات هبوب الرياح فيها منخفضة، وتؤدي هذه الظاهرة إلى بقاء الكتل الهوائية مخيِّمة على المنطقة لفترة طويلة، بما تحمله من جسيماتٍ مختلفة، مما يؤدي  إلى ارتفاع تركيز الملوِّثات المنبعثة من أنظمة التدفئة وعوادم السيارات. بالتالي، كانت حصة سكان ميلانو من الوفيات والأمراض الناجمة عن التلوث من بين الحصص العشر الأكبر في مدن الاتحاد الأوروبي. وعادةً ما تظهر هذه الأمراض أكثر لدى الأطفال، وذلك لكون أجسادهم ما تزال في طور النمو، بأجهزتها التنفسية والمناعية، ما يعني أنّ تلوث الهواء يعيق تطور وظائف الرئة ويسبب حالات الربو والسعال والتهابات الشعب الهوائية والجهاز التنفسي. علاوةً على ذلك، فقد أشارت دراسات عدة إلى ارتباط معدلات مرور المركبات في منطقةٍ ما بزيادة الإصابات التنفسية والتحسسية بين قاطنيها، وأكّدت ارتفاع احتمال هذا الخطر في المناطق الحضرية. حيث أن كل هذا يجعل تحسين جودة الهواء هدفاً رئيسياً لسلطات المدينة.

دعماً لطموح الاتحاد الأوروبي في القضاء على التلوث، أحد الأهداف التي تضمنَّتها الاتفاقية الأوروبية الخضراء، عقدت حكومة مدينة ميلانو شراكة جديدة بهدف تكوين فهمٍ أعمق لجودة الهواء وتحسينها مع مؤسسة بلومبيرغ الخيرية التي تبذل جهوداً دوليةً للاستفادة من البيانات وتمكين القادة المحليين من مواجهة التحديات المتداخلة لمواجهة تغير المناخ وحماية الصحة العامة، والتي شاركت في تصميم وقيادة مشاريع مهمة للحد من تلوث الهواء في لندن وباريس ومومباي ومدن أخرى حول العالم. وقد جاءت الشراكة عن طريق وكالة البيئة والتنقُّل وإدارة المدينة، وهي شركةٌ استشاريةٌ مملوكة بالكامل لحكومة ميلانو، وتعمل على تقديم التخطيط الاستراتيجي والدراسات الفنية لرفع جودة الهواء والبيئة والتنقُّل الحَضَري.

بعد أن اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذا التحدي، تتجه المبادرة الجديدة للاستثمار في مراقبة جودة الهواء في الشوارع المحيطة بمدارس ميلانو، وكذلك حشد الدعم الطلابي والمجتمعي وتوظيف جهود العامة في الحد من تلوث الهواء.

في مرحلتها التجريبية، ستعمل المبادرة على الاستفادة من البيانات عبر تطوير شبكةٍ لمراقبة جودة الهواء محلياً، إلى جانب توزيع أجهزة الاستشعار التي ستعمل على قياس مستويات تلوث الهواء بعد تركيبها ضمن 50 مدرسة موزَّعةٍ في 10 مناطق ذات أولوية على مدى عامين، كما ستعمل الإدارة على نشر عدة محطات مراقبةٍ قابلة للنقل وذات مرجعيات قريبةٍ لترصدَ عوامل مختلفة تخدم تخطيط مقاييس جودة الهواء.

ستعمل وكالة إدارة النقل بميلانو على تطوير بياناتٍ محلية بالغة الدقة حول جودة الهواء، إذ ستخصص لذلك منصة رقمية لتزويد سلطات المدينة بالمعلومات التي ستخدم أغراض التخطيط. وفي الوقت نفسِه، ستتم مشاركة هذه المعلومات مع إدارات المدارس وعائلات الطلاب، قبل نشرِها على نطاقٍ مجتمعي أوسع لزيادة توعية المواطنين بتلوث الهواء. 

بالإضافة إلى ذلك، أطلقت السلطات المحلية خطةً تستهدف جودة الهواء والمناخ وتفرض إجراءاتٍ تقييديةً على المركبات الملوِّثة للبيئة وتوجِّه السكان إلى التحول من السيارات إلى التنقُّل النشط بالسير أو استخدام الدراجات الهوائية، كما تعزز الرقابة وتلتزم بإنشاء منطقةٍ صفرية الانبعاثات في مركز المدينة بحلول العام 2030، وكذلك باتفاق “C40” للإعلان عن شوارع خاليةٍ من الوقود الأحفوري. وقد خضعت استراتيجية التنمية الاقتصادية للمدينة للتحديث، حيث تم إنشاء مساحة عامة خضراء وجرى تسهيل انتقال الناس إلى المدينة.

وضمن المبادرة، تعتزم شبكة المناخ الإيطالية إطلاق حملةٍ تعليميةٍ ستجوب مدارس ميلانو، وذلك للاستفادة من البيانات المحلية المتعلقة بجودة الهواء وغيرها من الموارد المجتمعية في منح الطلاب وعائلاتهم فهماً أفضل لمصادر التلوث ومسبباته وآثاره.

وعلى اعتبار أن المبادرة ما تزال في بداياتها، فسيتم رصد التحديات التي قد تعترضها، وكذلك مدى تحقيقها للآثار المرجوة. ففي المقام الأول، تهدف هذه الجهود لجمع بيانات بالغة الدقة حول جودة الهواء بغرض تحسينها، كما ستضع مدينة ميلانو في بداية الطريق الصحيح نحو تطوير بيئة صحية وهواء نقي ومعيشة أفضل للسكان، ضمن تجربةٍ تطمح السلطات لنشرها وتعميمها في مدن أخرى.

المراجع:

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقَ على اطلاع على أحدث المبادرات والابتكارات الحكومية التي تقدّمها منصة ابتكر

مقالات ذات صلة

إنترنت الأشياء

سيؤول تنشر خدمات المدينة الذكية لتعزيز السلامة والرفاهية

في المنافسة الآسيوية، سبق لعاصمة كوريا الجنوبية أن احتضنت مبادراتٍ ذكية كما خلال جائحة كوفيد-19، حيث أعدّت السلطات، في محاولة منها للحفاظ على استمرار الخدمات مع إبقاء الاتصال البشريّ في حدوده الدنيا، أجهزةً ذكيةً تنجز مهام عديدةً آلياً ومن دون تلامس. بالنسبة لكبار السن، كانت هذه النقلة مفاجئةً، فواجهوا معوِّقاتٍ كثيرةً عند محاولة استخدام الأكشاك والأجهزة الرقمية، أشياء من قبيل حجم الخط في التطبيقات، أو إرشادات الاستخدام المُبهمة، أو صعوبة مواكبة هذه التطورات الرقمية المَهولة.

إندونيسيا

كيف تعمل إندونيسيا على تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمعات الريفية

في إندونيسيا، لا يمكن للجميع الوصولُ إلى الإنترنت، فالدولة تفتقر للبنى التحتية وتعاني محدودية الخيارات السلكية واللاسلكية. وقد أشارت إحصائيات العام 2019 إلى وجود أكثر من 12 ألف قريةٍ تفتقر لإنترنت الجيل الرابع، و94 مليون راشدٍ إندونيسيّ عاجز عن استخدام الإنترنت، كما أنّ عدداً أكبرَ من السكان يفتقرون لخدمة الإنترنت الثابت عريض النطاق، فيما يعاني 60 إلى 70% من سكان شرق البلاد من تقلُّبات جودة الخدمة. والمؤشر الأهم هو أنّ 80% من هؤلاء يعيشون في الأرياف التي لا يمكن الوصول إليها عبر المترو، وتعتمد معظمُها على الأقمار الصناعية محدودة القدرة على معالجة البيانات.

الهند تستخدم الذكاء الاصطناعيّ لتعزيز سلامة الطُرُقات

وضعت الحكومة الهندية هدفَ تخفيض عدد الوفيات إلى النصف بحلول العام 2030، واستهلّت هذا المسعى بإطلاق مشروع باسم “الحلول الذكية للسلامة الطرقية عبر التكنولوجيا والهندسة”، والذي جاء حصيلة تعاون عدة شركاء، كمبادرة الذكاء الاصطناعيّ الهندية، والمعهد العالي لتكنولوجيا المعلومات بحيدر أباد، والمعهد المركزي لبحوث الطرق التابع لمجلس الأبحاث العلمية والصناعية، وشركاء من القطاع الخاص، والهيئة البلدية بمدينة “ناجبور”.